الحرية أولاً , والديمقراطية غاية وطريق

حوار شامل مع الدكتور جمال الاتاسي عن الناصرية والناصريين / 4- 9 /

مجدي رياض 

ثانياً: القسم التاريخي وقائع وأحداث

(3) التيار.. من الانفصال إلى الرحيل

[إنني رجل ابتلعت خير أيامي وجهودي الرمال العاقة للسياسة في هذه البلاد التعيسة]

                                                                                                           المرحوم عبد الكريم زهور

                                                                                                          [من كلمته بمجمع اللغة العربية بدمشق]

كل من يرصد  الحركة الناصرية أو يؤرخ لتاريخ الأمة العربية الحديثة بعد ثورة يوليو يؤكد على حقيقة هامة ألا وهي: بزوغ شعار الناصرية والتيار الناصري خارج مصر مبكراً منذ الخمسينيات وبصفة خاصة في سورية..

  • هل يمكننا أن نحدد وجود هذا التيار.. أثناء الوحدة أم الانفصال أم بعده؟

لا يمكننا القول بوجود التيار الناصري أثناء الوحدة.. ولكننا نستطيع أن نكتشف بروزه خلال أزمة الانفصال، ففي أيام الوحدة برز مندفعاً مع التيار الشعبي الذي يريد أن تعم هذه الوحدة وتشمل الوطن العربي، ولكنه بوغت بالانفصال وبمجرد إحساسه بعمق الأزمة وعودة القوى الرجعية للسيطرة والنفوذ الأجنبي بأشكال مختلفة ليساهم في تكبيل الشعب وتضييع إرادته، هنا بدأ البحث والتفتيش عن صيغ لتنظيم وتأطير..، الكتل الجماهيرية الغاضبة،

كانت البداية عفوية.. وكانت الصيغ أقرب للبدائية..، لم تكن على شاكلة الحزب أو التنظيم ولكنها كانت أقرب ما تكون من تجمعات شعبية لها انتشار وامتداد تدفع بقياداتها وتندفع في اتجاه المطالبة بعودة الوحدة والنضال ضد الانفصال..

إن تعبير الحركة الناصرية في سورية لم يأخذ مجراه إلا من بداية عام 1962م حيث اطلق على الحركة الشعبية الوحدوية التي أحست باللوعة وبالخطر وبالمستقبل المهدد من الإقليمية، وبدأت تتشكل وتتحرك منها وبها قوى سياسية وتنظيمات من أصول ومنابت سياسية وايديولوجية واجتماعية مختلفة، كانت هناك أرض مشتركة لتحالف وطني عريض يلتقي على هدف إسقاط الانفصال وإعادة الوحدة بقيادة عبد الناصر ونهجه، ولكن القيادات في هذه الصيغ والتجمعات- ومعظمها ركب الموجة- لم تكن موحدة لا ايديولوجيا ولا سياسياً ولا حتى من حيث فهمها واستيعابها لنهج عبد الناصر التي تريده..

  • ممن كانت تتشكل تلك القيادات؟ أي من أي المنابع السياسية والاجتماعية؟

□ من منابع مختلفة اجتماعياً: فمنها اليمين واليسار والوسط، ومن أصول حزبية عديدة ومتباينة: فمنها من ينحدر من الأحزاب التقليدية كالحزب الوطني وحزب الشعب وانتهاءً بالإخوان المسلمين، ومنها من ينحدر من حزب البعث ومنها قيادات مستقلة، وطبقياً أيضاً تنوعت هذه القيادات.. بعضها من الفلاحين والعمال والمثقفين، وبعضها من العسكريين أو البيروقراطيين الذي شغلوا مناصب مرموقة في أيام الوحدة، وبعضها من زعماء العشائر والتكتلات المحلية.

  • ولكن كانت هناك تنظيمات ترفع شعار الناصرية وتشكلت بالفعل فما هو التقييم لها ضمن هذا التحليل؟

□ التنظيمات الناصرية التي برزت في الساحة آنذاك هي حركة القوميين العرب وحركة الوحدويين الاشتراكيين والجبهة العربية المتحدة وتنظيم سمى نفسه من ذلك الحين بالاتحاد الاشتراكي..، بالإضافة لبعض الشلل المدنية والعسكرية..

حركة القوميين العرب وحدها من بين هذه التنظيمات التي كانت تحمل طابع الحزب في تنظيمها وتوجهها، وكان لها امتدادها القومي في عدد من الأقطار العربية وخاصة فلسطين بينما في سورية كانت قاعدتها الشعبية غير كبيرة..

أما حركة الوحدويين الاشتراكيين فقد كانت أوسع التنظيمات انتشاراً جماهيرياً في سورية، ولكن قياداتها كانت متناحرة ومتعددة، وكان أكثرها من البعثيين الذين تحولوا إلى الناصرية أيام الوحدة وعند الانفصال..

أصغر وأضعف هذه التنظيمات كانت الجبهة العربية المتحدة، وكان يغلب على قياداتها طابع التقليد وعقليتهم تكوينها يميني ومحافظ..

  • ولكن هذه التنظيمات وتلك التجمعات استطاعت بحركة الجماهير العفوية أن تسقط النظام الانفصالي!!

□ انقلاب 8 آذار- مارس- 1963م الذي استطاع جني ثمار هذه التحركات الشعبية.. والبعث العسكري بالتحديد استطاع برغم ضآلته النسبية أن يناور ويتعلق فيسيطر على مراكز القوة والقيادة في الجيش وفيما بعد على الأجهزة في الدولة والحكم، بينما كانت القيادات الناصرية شبه ضائعة.. ولم تحسن إدارة اللعبة السياسية ولم تحسن حتى استعمال قوتها الشعبية الضخمة ولا قوتها العسكرية الكبيرة والأقوى..، لم تمسك بزمام  المبادرة بل وقع بعضها فريسة في خدمة المناورة البعثية، ان هذه القيادات لم توحد قواها ولم تحدد مواقفها وحركتها بشكل واع ومدروس للسيطرة والاستيلاء على الحكم أو زمام الأمور بل راحت تنقاد وراء عفوية الشعب..

  • أين موقع حركة 18 تموز- يوليو- 1963 بقيادة جاسم علوان في هذا السياق؟!

□ العملية المسلحة الباسلة التي قامت بقيادة جاسم علوان في 18 تموز 1963 والتي كانت تستهدف الاستيلاء على قيادة أركان الجيش وعلى الإذاعة والتلفزيون لتنادي القوى الناصرية والشعب الوحدوي إلى الثورة..، هي أيضاً خضعت للعفوية التنظيمية وكانت مخترقة من قبل العسكريين البعثيين وكانت أجهزة الحكم على دراية بها وقامت برصدها بل ويبدو أنها أرادت دفعها لهذا الاتجاه حتى تبرر لنفسها حمام الدم ومحاكم الإعدام الفوري التي قام بها عسكريو البعث، وكذلك اندفاعها نحو عمليات القمع وسحق التحركات الشعبية وتسريح الناصريين من الجيش ووظائف الدولة..

لقد امتلأت السجون بالقيادات الناصرية.. وبدأ العمل الناصري يعيش أزمة حقيقية، وبدأ نظام البعث منذ ذلك الحين يأخذ الطابع العسكري/ الاستبدادي، وبدأت حركة الجماهير تصاب بالتراجع والانكفاء.

  • ما هو إذن معيار ناصرية هذه القيادات؟! وكيف واجهت هذا الواقع الجديد؟

□ كانت هذه القيادات تعتمد في تزكية مواقعها بين الجماهير على قاعدة الولاء لعبد الناصر.. أو أن عبد الناصر راضياً عنها، وكان نضالها ضد الانفصال والمطالبة بعودة الوحدة الفورية مع مصر معياراً أساسياً في فرز ناصريتها…

لم تكن تعي دورها الطليعي كحركة وعي وتنظيم يقود الجماهير إلى طريقه وهدفه، بل كانت أقرب إلى العفوية والتبسيط لطبيعة الصراع وحقيقة الدور، وكانت أيضاً إتكالية .. وتتصور أنه بسقوط الانفصال أو النظام التالي له سوف تحل المشاكل كلها.. وسوف يأتي عبد الناصر على حصان أبيض وينتهي الأمر كله!

وقد واجهت هذا الواقع الجديد لا بالبحث عن إقامة حزب ثوري.. أداة ناصرية جديدة تستوعب المتغيرات والقوى الجماهيرية، بل بالتوجه إلى عبد الناصر ليجد لها مخرجاً! وبالفعل خرجت بعض القيادات الناصرية إلى بيروت ومنها إلى القاهرة لتلحق بالقيادات السابقة والتي أقامت هناك نتيجة اضطهاد وتنكيل نظام الانفصال أو استبداد النظام البعثي العسكري..، وتصورت تلك القيادات أنها ستعود على رأس حملة لتحرير سورية..، وقد مارست هذه القيادات ضغوطاً على عبد الناصر من أجل إعطاء الضوء الأخضر والدعم لتصورهم الانقلابي..، ولكن عبد الناصر منذ 1962م كان قد استبعد نهائياً أية فكرة لاستعادة الوحدة أو لأي عمل توحيدي عن طريق القوة العسكرية أو عمليات انقلابية..

  • متى كان هذا التوجه إلى القاهرة بالتحديد؟

□ في ربيع 1964م.. وكان الوضع في العراق قد تغير وتولى القيادة هناك عبد السلام عارف المعروف بصداقته لعبد الناصر واتجاهاته الوحدوية، وقد هرب الكثير من البعثيين المعادين له من بغداد إلى سورية، وتوترت الأجواء بين النظام العراقي والنظام البعثي السوري آنذاك..

  • كيف سارت الأوضاع مع هذا التوجه لتلك القيادات بالقاهرة؟

□ ظل هؤلاء يمارسون ضغطاً مستمراً على القاهرة من أجل تحقيق توجهاتهم، ثم سرعان ما تراجعت القيادة العراقية من تنفيذ طموحها الوحدوي وكان مبررها هو عدم الاستقرار الداخلي والخوف من تفجرها أو من تلقى طعنة في الظهر..، وظل الاخوة السوريون حائرين بالقاهرة لكنهم مصممون على رؤيتهم..

في هذه الآونة كان الرئيس أحمد بن بيللا في زيارة للقاهرة.. وحضر جانباً من مناقشات بعض القيادات السورية- الناصرية- مع الزعيم الراحل، وذات مرة انتحى بهم جانباً في غياب عبد الناصر ودخل معهم في نقاش، وكان مجمل رأيه ما يلي:

((كفاكم إحراجا لعبد الناصر وتحميله مشاكلكم فوق كل الذي يحمله، إن عبد الناصر يحمل نقطة ضعف منهكة له تجاه السوريين والشعب السوري، ويشعر بالمسؤولية الشخصية أمام ما يحيق بكم من ضيم، وأنا لا أقول لكم لا تنتظروا أن يقوم عبد الناصر بثورة في سورية بدلاً عنكم، فالأولى بكم أن تعودوا بشكل أو بآخر إلى وطنكم، وأن تنظموا صفوفكم وقواكم، وأن تقوموا بثورتكم وعندما تستطيعون أن تنادوا: ها نحن جاهزون يا عبد الناصر)).

  • ماذا كان تصور عبد الناصر شخصياً تجاه هذه الرؤية؟

□ يبدو أن هذا الجو من المصارحة قد انعكس على مناقشات تالية بين السوريين وعبد الناصر، مما دفعه للتصريح بموقفه المبدئي وقال لهم:

((لو سلمنا بقدرتكم على إسقاط نظام البعث، فما أظنكم ستكونون قادرين على إعادة الوحدة وأنتم على هذه الصورة التي أراها من افتراق.. حيث النزاعات والخلافات في الرأي والانقسام وسوء التنظيم والتناحر والتنابذ، بل ستقعون فيما وقع فيه البعث للسيطرة على السلطة من تصفيات وستقيمون انفصالاً آخر أو تتوالى سلسلة من الانقلابات، يجب أن يسود بينكم أولاً: التفكير السياسي لا العقلية الانقلابية، ولا بد أن تقوموا ثانياً: بتوحيد قواكم وتنظيماتكم وقاعدتكم الشعبية، ثم أن يكون لكم فكركم الموحد ومنهاجكم)).

  • ما هو رد فعل الاخوة السوريين من تصور عبد الناصر؟

□ أدرك الجميع موقفه وإن كان الإدراك بمستويات مختلفة وفق تفاوت الوعي والتصورات التنظيمية فيما بينهم، ولكن بصفة عامة كانت مصارحة عبد الناصر مع الاخوة هي المدخل والأرضية التي نبتت منها فكرة إنشاء تنظيم ((الاتحاد الاشتراكي العربي السوري))، ولقد أسهم عبد الناصر بالتوجه والتوجيه والمشورة في وضع اللمسات الأولى على مخطط تشكيل الاتحاد الاشتراكي السوري..

  • هل يعني هذا تدخل ((عبد الناصر)) في تشكيل التنظيم أو فرض آرائه عليه مما يشير إلى اتهامات النظام آنذاك بالتبعية للاتحاد الاشتراكي بمصر أو للدولة الناصرية؟

□ بالطبع لم يحدث هذا التدخل.. فقط شارك بالمشورة كواحد من الاخوة..، بل أراد منذ البداية أن يكون هذا التنظيم مستقلاً كل الاستقلال عن نظام حكمه وبمبادرة سورية حرة، وحينما تمنى على الاخوة الممسكين بهذه العملية أن يحشدوا فيها كل المناضلين الوحدويين شدد على تأكيده بأنه رأى وبأنه لن يمارس أي ضغط على أي فرد في هذا الاتجاه..

وأصر على أن يكون تركيز اهتمامهم الرئيسي في وجودهم وحركتهم بالداخل- سورية- وتجاه القواعد والقوى الشعبية التي تتحرك في الساحة، ورفض أن يكون التنظيم السوري فرعاً للاتحاد الاشتراكي في مصر ولا ملزماً له.. ولا ملتزماً بالمناورات السياسية لنظام حكمه وتكتيكاته.

وبالفعل جاءت محاولة بلورة التيار الشعبي الوحدوي الناصري بسورية في إطار معين هو الاتحاد الاشتراكي وتمت الدعوة إلى المؤتمر التأسيسي الأول له في بيروت تموز- يوليو- 1964م، وشكل مكتب سياسي كقيادة للتنظيم وانتخب لرئاسته الأستاذ ((نهاد قاسم)) رحمه الله..

  • لماذا المرحوم ((نهاد قاسم)) بالرغم من أنه ينتمي للقيادات التقليدية أو هكذا كانت الرؤية له؟!

□ الأستاذ ((نهاد قاسم)) رحمه الله كان إنساناً صلباً ونقي السريرة وتثق به كافة العناصر والجهات لنزاهته وصلابته ورغم أنه من جيل آخر.. ورغم أنه كردي، ولكن بإسلاميته وعروبته كان له هذا الولاء والحنين الوحدوي وكان من أشد الناس إيماناً وحرارة وتمسكاً بالوحدة..

في أيام شبابنا كنا ننظر له وإلى غيره من الجيل السابق ونتهمهم بأنهم رجعيون، وإذا بنا نجدهم أيام الوحدة أو في ليالي الانفصال السوداء أمامنا لا وراءنا..، وكانت صلابتهم نابعة من ثقافتهم الإسلامية والعربية التقليدية وكذلك حبهم للعروبة..

  • ما هي القوى التي دعيت لذلك المؤتمر؟

□ نفس القوى التي تحدثنا عنها- حركة الوحدويين الناصريين، حركة القوميين العرب، والجبهة العربية المتحدة- بالإضافة إلى قيادات من الأحزاب القديمة كحزب الشعب والحزب الوطني والتي أخذتهم الموجه الناصرية..

وكانت هناك قيادات مستقلة غير حزبية أو كانت تنتمي لأحزاب سابقاً وخرجت عنها، فأنا مثلاً كنت مستقلاً ليس لي تنظيم فقد تركت حزب البعث أنا ومجموعة من الاخوة في مقدمتهم المرحوم عبد الكريم زهور..، هذا إلى جانب القيادات الناصرية التي كانت خارج القطر في بيروت أو القاهرة..

  • هل تم هذا اللقاء- المؤتمر- بناء على برنامج فكري وسياسي شامل للمرحلة والقوى ونظرية الأسلوب… الخ، أم كان على برنامج حد أدنى أو اتفاق عام؟

□ بالطبع كان هذا البرنامج مجرد قواعد عامة.. أقرب للبيان منه للبرنامج كما نفهمه، وقد أصدر المؤتمر ميثاقاً لعمله وبياناً عن تأسيسه بتاريخ 18 تموز/ يوليو وقد اختير هذا اليوم باعتباره الذكرى الأولى لمرور عام على استشهاد عدد من الناصريين في حركة المناضل جاسم علوان..

كان البيان دعوة لجميع القوى الوحدوية للانضواء تحت لوائه والانتظام في صفوفه، وأعلن البيان في القاهرة ونشرته الصحف..

وكان الميثاق مجرد التزامات أولية- ولم تنجز صياغته إلا في المؤتمر التأسيسي الثاني الذي عقد بعد أشهر في القاهرة- تعبر عن الموقف المبدئي العام حيث الالتزام بقضية القومية العربية والوحدة وبالنهج الثوري الذي سار فيه عبد الناصر وأهدافه في الحرية والاشتراكية والوحدة، أما الجانب السياسي فيه فقد تركز حول إدانة نظام البعث السوري في استيلائه على السلطة بالمناورة والبطش، ورفع شعاره تعبيراً عن هذا التوجه يتلخص في ضرب حكم الانفصال البعثي حتى يسقط وإعادة الوحدة تحت قيادة عبد الناصر..

  • ذكرتم أن المؤتمر التأسيسي الثاني عقد بعد عدة أشهر من المؤتمر الأول، هل كانت هناك مشاكل وظروف دفعت إلى هذا؟ وهل فشلت القيادة في إنجاز مهمتها؟

□ نعم كانت هناك مشاكل.. وكانت القيادة عاجزة..، وللتاريخ فإن القيادة الأولى كانت في غالبيتها على مستوى وطني وأخلاقي ممتاز وكان بينها عناصر لها خبرتها السياسية وتجربتها الحزبية السابقة وبالإضافة إلى كفاءتها الفكرية المتقدمة على غيرها..

المشكلة الأولى التي واجهتها هي قضية الالتزام، فمهمتها كانت دمج القوى وتوحيدها وإلزامها بنهج فكري وسياسي موحد في إطار التنظيم لكن أغلبية القيادات والكوادر التي توجهوا إليها كانت ترفض هذا الالتزام.. وترفض تسمية التنظيم بالحزب لأن عبد الناصر ضد الحزبية!!

المشكلة الثانية تمثلت في قضية الوضوح الفكري، فمعظم هذه القوى وتلك القيادات لم تمتلك رؤية فكرية أو نهجاً محدداً بل إن القاسم المشترك بينها- وهو الميثاق الناصري- كان كل طرف ينظر إليه من خلال فهمه واختلافه مع الآخرين، بالإضافة إلى عدم وضوح تصورهم عن صيغة النظام أو الحكم فيما بعد القضاء على دولة الانفصال البعثي أو حتى كيفية التغيير.

والمشكلة الثالثة كانت المصالح والشللية، فهناك قيادات كانت لها خلفيات اجتماعية ومصلحية ولم تفصل بين هذه الخلفيات وبين التزامها وقد أدى هذا إلى خروجها فيما بعد، أما الشللية فكانت في المجموعات العسكرية والمدنية والتي كانت تحمل عقلاً بيروقراطياً وتأمرياً- انقلابياً- فقد رفضت الانصياع للالتزام الجماعي وعملت على إعاقة تقدمه..

هذا إلى جانب انكفاء الجماهير التي فقدت زخمها الضاغط، وتدخل بعض الأجهزة المصرية والمكاتب الرسمية لمساندة بعض المجموعات المرتبطة بها، وتغير الظروف السياسية العربية حيث بدأ عبد الناصر مع تصاعد العلاقات الأمريكية/ الإسرائيلية وتكديس الأسلحة في المنطقة بطوي التناقضات العربية/ العربية  أمام التناقض الرئيسي ألا وهو إسرائيل، ومن ثم بدأ في فتح صفحة جديدة مع النظم وفي مقدمتها النظام السوري..

  • لماذا لم يتم مناقشة هذه الأمور داخل مؤسسات التنظيم- الحزب- وهل كانت هناك ضرورة لعقد مؤتمر استثنائي؟!

□ الشكل التنظيمي لم يكن ملائماً لحسم أو مناقشة هذه الأمور، فالقيادة كانت خارج القطر.. والمكتب السياسي أخذ صلاحيات القيادة المركزية- اللجنة المركزية- ولم تقم قيادة في الداخل.. الذي وجد هو قيادات للفروع بالمحافظات، أوكلت إليها تلك العملية دون أن تمتلك القيادة المركزية- الموجودة بالخارج- إمكانية المتابعة أو الإشراف عليها مما أوقعها في العجز..، وشعرت بعد أشهر قليلة من تحلمها المسؤولية بأنها غير قادرة على الاستمرار أو أداء المهام الموكولة إليها، وتقدم عدد من أعضاء القيادة باستقالتهم وأحيطت قيادات الداخل بمجريات الأمور، ودعت القيادة المؤتمر التأسيسي للانعقاد من جديد لتسلمه الأمانة التي عجزت عن تحقيقها..

  • قلتم أن قيادات الداخل أحبطت بمجريات الأمور، فماذا كانت تصوراتها؟ وما هي حدود مشاركتها بينما ليس لها تمثيل في القيادة؟

□ عندما وضعت الحقائق بين يديها.. تداعت القيادات بالداخل وعقدت جلسة عامة ضمت أنشط العناصر في التيارات المختلفة، وبرغم اختلافها في المنظورات الفكرية والسياسية إلا أنها كانت مجمعة على ضرورة إنجاز عملية الدمج بين الفصائل الناصرية المشاركة، واتفق الجميع على عدة اقتراحات:  منها ضرورة إنشاء التنظيم على قاعدة الحزب الثوري، وضرورة تشكيل قيادة في الداخل تملك قدراً من حرية الحركة والمبادرة في النضال السياسي المحلي، بالإضافة إلى الإجماع على الاستمرار في الخط السياسي المعادي للنظام البعثي الحاكم ورفض المهادنة أو حتى التحالف معه..

أما ما يخص اسلوب وحدود المشاركة فقد تم اختياري للتحدث باسمهم والتعبير عن أفكارهم ومطالبهم، وأن أقوم برفع هذه التصورات إلى المؤتمر الثاني على أن أختار مساعدين لي واتخاذ الاجراءات اللازمة والبحث عن صيغة للاتصال، وبعد المناقشة والتشاور قررنا توجيه رسالة مكتوبة إلى عبد الناصر كمرجع قيادي قومي وحيد.. ولكي يمارس تأثيره على القيادات الناصرية بالخارج، وقد بعثنا بالرسالة عبر المكتب السياسي أي القيادة الخارجية (وقد حملها رئيس المكتب والذي كان مستقيلاً)، وبالفعل بدأت القيادات الناصرية المتواجدة بالقاهرة التحضير لعقد المؤتمر الثاني لتلتقي بعبد النصر وتطرح أمامه المشكلات وحيرتها في البحث عن صيغ وتصورات جديدة..، وكانت وجهة نظر عبد الناصر أن التنظيم هو عمل وطني سوري وعليه تحمل مسؤولياته بنفسه ودون وصاية من أحد، وهو شخصياً لا يريد التدخل في مشاكل هذا التنظيم..

  • هل يعني هذا عدم تبنيه لمطالبكم التي طرحتموها في الرسالة المبعوثة إليه؟

□ بلى.. لقد كان يوضح موقفه الثابت حتى لا يفرض على المجتمعين تصوراً أو يملي عليهم رأياً، أما عن الرسالة فقد أشار إليها في حديثه معهم.. وقال ((إن إخوانكم في سورية على حق فهم يطالبون بأن تكون لهم مبادراتهم السياسية والتنظيمية وأن تكون لهم قيادتهم المسؤولة في الداخل..، وإذا كانت الظروف الأمنية تفرض وجود قيادة في الخارج فإن عليكم خلق صيغة مناسبة تعطى قيادة الداخل قدراً من حرية التصرف لتقيم تنظيمها كحزب سياسي نضالي)) .

في هذا الحديث استغرب البعض من استخدام عبد الناصر لكلمة ((حزب)) وهو يندد الحزبية، فقال عبد الناصر: ((إن الوضع في سورية مختلف.. هناك أحزاب سياسية تتصارع.. هناك البعث والحزب الشيوعي.. ومن حق الوحدويين بل من واجبهم أن يكون لهم حزب يجسد إرادة ومصالح الجماهير الشعبية، نحن في مصر لدينا ظروف أخرى.. فالاتحاد الاشتراكي ليس ((حزباً)) بل هو ((تجربة)) لممارسة الشعب للديموقراطية السياسية والاجتماعية في صيغة تحالف))..، ثم أنهى حديثه عن هذا الموضوع قائلاً ((أنتم أحرار في تسمية تنظيمكم التسمية التي تريدونها، ولكن يجب أن تعرفوا بأن هذا الذي تعملونه هو عمل حزبي وإنكم بصدد إقامة حزب سياسي)).

بعد ذلك انفض الاجتماع.. وتمت مداولات عديدة ثم عقد المؤتمر وضم إليه عناصر جديدة وخرجت بعض العناصر، وصدر ميثاق أو برنامج للعمل ظل ملتزماً بالمقولات الأساسية التي صدرت عن المؤتمر التأسيسي الأول، على أن يكون للتنظيم مؤتمرات نظامية وتنظيمية..، وسلمت الصلاحيات كلها للقيادة الجديدة ((الأمانة العامة للاتحاد)) والتي تشكلت من أمين عام وأمينين مساعدين إحداهما يختص بشؤون التنظيم خارج سورية والآخر يختص بشؤون التنظيم في الداخل ويرتبط بالأخير قيادة ومكتب أمانة بالداخل، وتأخذ هذه القيادة بسورية حرية الحركة في تشكيل المستويات وفي الأداء النضالي ..

  • كيف سارت الأمور بعد أن نجح تصوركم في المؤتمر التأسيسي الثاني؟

□ سارت الأمور سيراً معقولاً في الأشهر الأولى من عام 1965م، فقامت قيادة الداخل بتشكيل المستويات القيادية في المناطق والفروع، وتقدم العمل خطوات إلى الأمام خاصة وأن التنسيق بين قيادة الداخل والمسؤول عنها في مكتب الأمانة- والذي أقام ببيروت- كانت جيدة ومستمرة..

وبالفعل تشكل تيار داخل الاتحاد ومن الفئات الناصرية المتعددة.. هذا التيار تجاوز الولاءات القديمة وتوحد فكرياً وسياسياً وهو الذي ظل ثابتاً ومستمراً منذ ذلك التاريخ وحتى الآن رغم كل الانقسامات والانشقاقات اللاحقة..

ولكن بعد هذه الخطوات الأولى ما لبث أن اصطدم الاتحاد- الحزب- بتيارين متناقضين لا يقبلان التعايش أو الاندماج، الأول يتجه يساراً ويمثله القوميون العرب، والثاني يتجه يميناً وتمثله قيادات ظلت تحمل طابع الزعامات الفردية والمحلية وتحافظ على ولاء العناصر والشللية، وكلا الاتجاهين حاول الاستيلاء على الحزب وفرض هيمنته عليه، وإذا كانت الأمور قد انتهت بخروجهما من الاتحاد إلا أن هذا لم يتم إلا بعد أن أغرقت الاتحاد ثلاث سنوات بصراعاتها الداخلية وعرقلت عملية بنائه وشغلته عن عمله السياسي والنضالي مما تسبب في عزوف القواعد الشعبية عن الحركة وتشتتها..

  • ولكن حركة القوميين العرب كان لها التأثير الأقوى في أزمة الاتحاد وظلت جيوب هذه الحركة تسبب المشاكل حتى بعد خروجهم عن الحزب، فهل هذا يكمن في بنية وفكر حركة القوميين العرب؟ أم في أخطاء تنظيمية وبنية الاتحاد؟

□ الإجابة تشمل كلا الأمرين.. فمن ناحية كانت حركة القوميين العرب لها خبرتها التنظيمية  والفكرية الطويلة.. ولها امتدادها القومي وخاصة وسط الثورة الفلسطينية وفي لبنان والأردن بل وفي اليمن، وقد شهدت انقساماتها تأثيرات واضحة على الثورة الفلسطينية وحركة النضال العربي، ومن ثم فإن بنية الحركة ووعي كوادرها النشطة كانا وراء شدة التصدع وتأثيراته الجانبية بالاتحاد.

ومن ناحية أخرى فإن الاتحاد كحزب ناشئ وجديد كان من الطبيعي أن يحتل كوادر حركة القوميين العرب مواقع قيادية هامة في عملية التأسيس بحكم خبراتهم التنظيمية والسياسية، بل إن المسؤول عن شؤون الداخل بالأمانة العامة كان من حركة القوميين، وفي البداية كان موقعه القيادي وإقامته ببيروت إيجابية عظيمة لنا من حيث وسائل النشر وإمكانيات الدعاية والدعم سواء بالعلاقات أو بالامتداد القومي للحركة..، ولم تكن لدينا أية حساسية أو تناقض تجاه وجود الحركة كحزب قومي وفي الوقت ذاته وجود فرعه السوري في حزبنا- الاتحاد- ولكن سرعان ما اتضح خطورة هذا الأمر..

فعندما حدث الخلاف بين التيار الوحدوي الناصري وبين التيار اليساري الذي أخذ بالماركسية داخل حركة القوميين وانتهى بالانقسام وسيطرة الاتجاه المتمركس وتبنيه للماركسية اللينينية، انتقل الصراع لداخل الاتحاد الاشتراكي وكان لا بد من خروج التيار ((المتمركس))، إلا أن عناصره وقياداته داخل الاتحاد الاشتراكي حاولت الاستيلاء على ما تحت إشرافها من قواعد وتنظيم لتسحبها لحزبها من الاتحاد واستخدمت في ذلك كافة أساليب الخداع والتمويه وشنت حملة دعائية شرسة ضد قيادة الاتحاد وضد الأطراف الأخرى فيه..،

  • هل كانت هذه الخلافات والانشقاقات نهاية مرحلة تعدد الجذور الفكرية والمجموعات الشللية وسيادة التيار الجديد الذي تحدثت عنه؟ ومتى عقد المؤتمر الثالث؟

□ لم تكن الخلافات هي النهاية..  ففي المؤتمر الثالث والذي كرس فصل حركة القوميين العرب وعقد تحت شعار ((الولاء الكامل لنهج عبد الناصر)) ، برزت اختلافات الوعي بين الحاضرين، فالمناقشات أوضحت وجود تيارين متعارضين في فهم الناصرية والقومية والثورة، التيار الأول: تيار متقدم ومواكب لمسار عبد الناصر ومستوعب لاستراتيجيته ونهجه المتطور وما وصل إليه منذ الميثاق وبعده، منفتح على معطيات الفكر الإنساني ويريد للاتحاد أن يكون حزباً سياسياً له فكرة الموحد ونهجه السياسي الواضح والمحدد.. كما أن له قواعده التنظيمية الراسخة..

والثاني: تيار يحمل في طياته عصبية دينية مذهبية ويحمل عداء تقليدياً للماركسية وللفكر الاشتراكي والديموقراطي.. ويرفض كلمة الاشتراكية العلمية الواردة بالميثاق ويريد تحريفها، وفي مجمله كان متخلفاً عن تقدم مسار عبد الناصر، يريد الوحدة الفورية ويريد أن يحصر التنظيم في طائفة واحدة، يريد حزباً ثورياً وسياسياً لكنه يرفض الجبهات والتحالفات ويقف عند نهج الانقلابات!

هذا التباين في الآراء والمناهل سرعان ما تم القفز من فوقها وكان التركيز على نقاط الاتفاق، وخرج المؤتمر بصياغة توفيقية..، ويبدو أن السبب وراء هذا النهج التوفيقي هو رد الفعل للأزمة التي مر بها الاتحاد الاشتراكي- الخلاف فانشقاق المجموعة المتمركسة.

هذا المؤتمر عقد في بدايات عام 1966م وكان أول مؤتمر يعقد في الداخل، وقد دعيت إليه قيادات المناطق وكذلك أبرز وأنشط العناصر ومثل الأمانة العامة فيه رئيس مكتبها بالداخل.، وكما قلت تم البحث عن القاسم المشترك وتم التجاوز للفهم المتباين للميثاق الناصري على أن يتم الالتزام به والاحتكام إليه كدليل عمل..

  • هل ساعد هذا الالتزام بالميثاق وتلك القرارات والصياغة التوفيقية على حسم الخلافات بين التيارين؟

□ المسار التوفيقي لا يصنع حزباً.. وبصفة خاصة الحزب الذي يطمح لمهام نضالية كبرى ويعيش تحت وطأة الاستبداد والملاحقة من السلطات، ما كان من الممكن توحيد ما لا يقبل الوحدة أو الاستمرار في مسار التغطية والتوفيق، لقد تفاقمت المشاكل وازدادت المجادلات العقيمة وترافق مع هذا تعديلات وتغيرات في المواقع التنظيمية، سنتان بعد ذلك المؤتمر أمضيناها في الجهود الصعبة والمرهقة صبت في النهاية في اللا جدوى..

صحيح أن الكثيرين من أفراد ذلك التيار اليميني كانوا طيبين ومستعدين للبذل والتضحية ولكن قصور وعيهم السياسي والاجتماعي كان يحجب الرؤية الصحيحة عنهم ولا يؤهلهم للقيادة والتوجيه، ولكن كان هناك من يقف عائقاً أمام التوعية السياسية والفكرية وأمام عملية دمج القواعد واحتفظوا بالولاء الفردي والشللية بل بعناصر أبقوها خارج الاتحاد، ووقفوا سداً أمام الحوار مع القوى السياسية الأخرى أو التفاعل مع الحركة السياسية..

إن الخلافات التنظيمية التي برزت، مست الالتزام التنظيمي والخروج عليه إلا إن النظرة في العمق تؤكد دوماً على وجود خلفية من الخلاف الفكري والسياسي..

وكيف تم حسم هذا الخلاف؟ وما هي الظروف التي أحاطت بهذا الحسم؟

□ الانقسام امتد إلى القيادة واللجنة المركزية.. وكانت الأوضاع العربية في وضع الكارثة- يونيو 1967- اهتز كل شيء وساد الإحباط والبحث عن الحل للخروج من هذه الأزمة الطاحنة للواقع العربي، كان لابد من حركة جديدة تستوعب الظروف الجديدة وتتجاوزها.. هذه الحركة لا بد لها من الوضوح الايديولوجي والسياسي من الصلابة والوحدة التنظيمية، ومن ثم فإن الإبقاء على وضع التوفيقية لم يعد محتملاً، حاولت الأمانة العامة أن تدخل كحكم وساندت ممثليها الشرعيين في الداخل، ولكن الاتجاه الناصري الأساسي- التيار الأول- في الاتحاد وقف بحزم لرفض النهج التوفيقي، وخرجت جماعة الهروب إلى الخلف- التيار اليميني- بعد أن سبقتها بسنوات جماعة الهروب إلى الأمام- القوميون العرب- ودخلنا إلى المؤتمر الرابع برؤية جديدة ونهج جديد..

  • متى عقد المؤتمر الرابع؟ وما هي ملامح هذا النهج الجديد؟

□ عقد المؤتمر الرابع في أوائل عام 1968م.. وقد قررنا في هذا المؤتمر أن الميثاق الصادر عن المؤتمرين التأسيسيين الأول والثاني قد انتهى ولم يعد يخاطب الواقع المتغير ولا يجيب على مسائله ومتطلباته، وأن مقولاته السياسية الصدامية تبعدنا عن الفعل والتأثير وتدفعنا إلى اللا جدوى، وقررنا الاعتماد على النهج الوطني الديموقراطي لإعادة وحدة القطرين وللوصول إلى أية وحدة ورفض الطابع الانقلابي.

وإذا كنا قد أكدنا على أننا جزء من طلائع الثورة العربية ونعمل لتحقيق أهدافها الديموقراطية والاشتراكية والوحدوية فإن هذا يتطلب منا التعاون مع القوى الأخرى وإيجاد صيغ لتحالف القوى وتعاونها.. تلك القوى الوطنية الملتقية معنا في مرتكزات الثورة العربية كما تجسدها مصر وقيادة عبد الناصر، والمساندة الكاملة لنضال مصر ضد الحلف الامبريالي الصهيوني.

وعلى الصعيد الفكري أكدنا على أن أي قصور في الناصرية- عدم اكتمالها كنظرية جاهزة- يرجع إلى حركة الثورة العربية ككل وطلائعها الثقافية، بينما نرى الناصرية من خلال منهجها الاستراتيجي ابتداءً وتمثلها لأهداف الأمة من خلال التجربة والممارسة قد أخذت طريقها كنظرية في مسار التشكل، وإن علينا الإسهام في إغناء مضامينها وتوضيح منظوراتها كتطلع مستقبلي يعمل للإغناء والتجدد باستمرار.

وقد رفضنا مذهبية العمل السياسي.. وقلنا أن وجود تيارات ومنظورات متعددة للكون وللوجود وللمادة والروح وللمعتقدات الفلسفية والدينية أمر واقع حتى داخل الحزب الواحد، لا يجوز أن تفرض هيمنة واحدة على الدولة والمجتمع، ولا بد من قبول التعددية، بل إننا شرطنا الاشتراكية بالديموقراطية لا العكس وجعلنا مدخلنا للتفاعل السياسي مع باقي القوى الوطنية والتقدمية هو موقفها من الديموقراطية ومدنية المجتمع والقبول بالتعددية السياسية..

وقد أخذنا بالاشتراكية العلمية من غير إلزام لها بأي فلسفة كونية مادية كانت أو مثالية أو وجودية، إلا الإلزام الديموقراطي وحرية الإنسان وكرامته، وأردناها تلبية لحاجات شعبنا لا مصادمة ومتعارضة لقيمة الروحية والأخلاقية العميقة الجذور..

وانطلقنا منذ هذا المؤتمر ونتيجة لظروف الهزيمة لنركز على العمل الوطني وبالتحديد مسألة الوحدة الوطنية حيث أن الانقسام الطائفي يهدد اللحمة الوطنية للمجتمع، ونركز أيضاً على التطلع للتغيير الديموقراطي وإيجاد صيغة لتحالف وطني واسع على طريق هذا التغيير للوضع الاستبدادي القائم..، ومن هنا كانت تجربة الجبهة وفتح الحوار مع النظام ثم الاستمرار بعد رفضه حتى اعتقالنا..

  • عن هذا الوضع السياسي والوطني الجديد بسورية والذي فرض نفسه على توجهات حزبكم أريد أن أطرح سؤالين، الأول خاص بالنظام السياسي الاستبدادي الذي كان قائماً والثاني خاص بالقوى السياسية الأخرى وفكرة الجبهة..

لنبدأ بالسؤال الأول

  • ترددت تحليلات وآراء حول الدور المشبوه الذي لعبه النظام السوري في توريط عبد الناصر بمعركة حزيران- يونيه- 1967م هل هذه التحليلات أو الآراء كان لها صدى داخل سورية آنذاك؟

□ بالفعل كانت هناك شكوكاً عديدة في الشارع السوري تجاه النظام ودوره في هذه الحرب، وكانت هناك أزمة ثقة تجاه هذا النظام، فقد كانت التساؤلات تدور حول الدور الذي لعبه نظام الحكم السوري (سواء بقصد أو بدون قصد) في الاستدراج للمعركة؟! وكذلك حول الدور المتخاذل أثناء الحرب ورفع قياداته لشعارات الحفاظ على الثورة ونظام الحكم قبل الحفاظ على الأرض والدفاع عنها؟

ودارت شكوك حول وجود عناصر غير وطنية داخل النظام هي التي دفعت بالأحداث للإيقاع بعبد الناصر وقد قيل أن بعضهم شرب الأنخاب فرحاً باستقالة عبد الناصر في 9 يونيو..

  • إذن كيف يمكن العمل على قاعدة الوحدة الوطنية والاسلوب الديموقراطي لا الانقلابي مع نظام تدور في الشارع الشكوك حوله؟

□ لم يكن المناخ العام وفق ظروف المرحلة هو الثورة على هذا النظام أو التحرك ضده، بل كان الإحساس بالحاجة إلى الوحدة الوطنية أكثر من أي وقت مضى، فالعدو على الأبواب والوطن في خطر والأمة كلها في مأزق، وليس الوقت بوقت تصفية الحساب مع هذا النظام..

هذا هو المناخ.. والإحساس الذي تحركت فيه وبه قوى وعناصر وطنية عديدة ومنها حزبنا لتطالب النظام الحاكم بان يراجع مساره ليكون هناك مجال للمشاركة الشعبية والوطنية في الإشراف على الحكم والإعداد لمعركة المصير، وبرغم من كل هذا استعصى النظام على التغيير أو التفاعل وسرعان ما عاد إلى سابق عهده من التنكيل والاستبداد بعد أن مرت فترة الاهتزاز والحيرة لديه بعد هزيمة يونيو..

  • أما السؤال الثاني فيختص بالتداعي إلى التحالف الوطني الواسع. من قبل ذكرت أن هذا الأسلوب رُفض من التيار اليميني الذي خرج، وبالرغم من الوعي وصدق النوايا فإن تجربة الجبهة سرعان ما كشفت عن عدم التزام الأطراف الأخرى بما قررتموه جماعياً بل ناورت وخذلتكم فما هو تعليقكم؟

□ لا نستطيع أن نعمم فقد كانت هناك أطراف من هذه القوى مخلصة بالفعل للعمل الوطني وواعية وملتزمة بالصيغة للجبهة أو الميثاق الذي جئنا به، وفي طورنا الثاني أيضاً تعاملوا معنا وفق ذات النهج، أما القضية التي كانت إحدى نقاط الخلاف مع التيار اليميني فهي الانفتاح على الواقع السياسي.. التفاعل مع معطياته وأيضاً قواه.. بينما كانت لديهم نزعة انغلاقية وعدم فهم لديناميكية العمل السياسي..

  • ولكن قيل أن المرحوم عبد الكريم زهور كان متحمساً لفكرة الجبهة وشارك في صياغة الميثاق وعندما اعتقل مع الجميع ورأى ما رآه من أساليب القوى الأخرى وما آلت إليه الأوضاع خرج من السجن واعتزل العمل السياسي نهائياً حتى رحيله؟

□ بالنسبة للأخ عبد الكريم زهور رحمه الله فإن موقفه من العمل السياسي وعزوفه عنه وعن الحزب بدأ قبل هزيمة يونية، وظروف الحرب هي التي أعادته للساحة وكان أول من اتصل بنا وأول المبادرين لعملية الجبهة ووضع الصيغة الأولى بعد الحوار والنقاش وأجريت عليها بعض التعديلات وقدم الأخ ياسين الحافظ صيغة أخرى ولكننا أخذنا بصيغة عبد الكريم زهور.

كان هناك اتجاه عام بضرورة وجوده كأمين عام للجبهة ولكنه رفض وقال: إنكم أصبحتم قوى حزبية ولا مكان لي للعمل معكم..، والذي جاء به للسجن هو كتابته للصيغة الأولى للميثاق..

أما موقفه من التناقضات وأساليب التعامل التآمري والضيق بين القوى وارتباطاتها الخاصة.. الخ، فإنه كان يعلمها قبل تكوين الجبهة وعلى دراية بها ولديه رؤية نقدية تجاهها، والذي أتى به إلى هذه المبادرة هو الشعور بحجم المسؤولية وأننا أمام مسألة مصيرية، وقد تكون المعاناة داخل السجن وكذلك بعض الحقائق عن الأدوار أو التصرفات الحزبية للقوى الأخرى وراء قراره، لكنني أؤكد أن قرار ابتعاده عن العمل السياسي كان سابقاً للجبهة كما كان لاحقاً لها..

  • هل يعني هذا صحة هذه الخطوات وعدم وجود أخطاء خاصة من الأطراف الأخرى؟ وما هو تقييم الحزب لهذه المرحلة؟

□ بالطبع لا.. كانت هناك أخطاء.. وكانت التجربة درساً لنا وللآخرين، بل إن تقييمنا أن مجرد صدور البيان الخاص بالجبهة كان خطأ يسجل علينا..، فقد كنا أدركنا أن هذا العمل فاشل فلا قيمة لصدور بيان موجه لعفوية الشعب في مناخ استبدادي لا يعطي لهذه العفوية مجالاً وفي مناخ اختلفت فيه استجابة هذا الشعب فلم تعد عفويته كأيام الوحدة والانفصال، وبالرغم من هذا الإدراك فإننا تحت الضغط الواقع علينا من قواعد التنظيم قبلنا بهذه العملية الانتحارية دون تراجع وكأنها مسألة كرامة شخصية..

أما عن الأطراف الأخرى وسلبياتها فإن عدم إلمام البعض بنمط التعامل الديموقراطي داخل جبهة أو الارتفاع عن جزئيات المناورة الضيقة من أجل الإحاطة بالاستراتيجية العامة وصراعات القوى ووضع نهج مرحلي.. الخ كان سمة بعض الأطراف، كما كان هناك القوميون العرب بتنظيماتهم السرية والعسكرية وعلاقتهم الغامضة وأسلوبهم اليساري الطفولي، وكان هناك أيضاً حزب البعث القومي الذي دخل الجبهة في نهايتها والذي كان يتحرك بعقل وتصور عسكري انقلابي دون أن تحيط به..

هذه الأساليب المتباينة والرغبات الضيقة هي التي سلبت الجبهة مقومات قوتها وتمثيلها كجبهة شعبية تقود المرحلة..

  • قيل أيضاً أن الزعيم الراحل قد اطلع على ميثاق الجبهة واعترض عليه وأنه أخطركم- عبر قنوات حزبكم- بتحذيره من إيقاع بعض الأطراف بكم؟ فلماذا تم تجاهل هذا التحذير؟

□ لم يحدث أننا تجاهلنا هذا التحذير.. لكن الحقيقة هي وصول تحذير عبد الناصر متأخراً أي بعد صدور البيان الأول واعتقال القيادات وما كان بمقدورنا أن نتراجع أمام تنظيمنا أو حلفائنا..

وحقيقة الأمر أيضاً أنه لم يعترض على الميثاق بل عبّر عن ارتياحه تجاه نصوصه وأفكاره ونهجه الاستراتيجي في مواجهة ظروف الصراع العربي مع الحلف الإمبريالي/ الصهيوني، بل أكد على تطابق جزء كبير منه مع منهجه وأفكاره.

ما أشار إليه عبد الناصر من اعتراض أو تحذير تمثل في (1) ((عدم تقديم المبرر والفرصة للنظام حتى يبطش بكم أو بالمعارضة)) (2) عدم قناعته ((بأن هذه الجبهة قادرة على التغيير ووضع ميثاقها موضع التطبيق)) وخاصة أن بعض الأطراف لن تخلص لهذا الميثاق وذلك النهج ويخشى من ((أن ينتهي بعض أطرافها للإيقاع بغيرهم)).

  • ماذا حدث بعد ذلك الصدام وحملة الاعتقالات التي أعقبت صدور البيان الأول للجبهة؟

□ حملة الاعتقالات لم تقف عند حد إلقاء القبض على غالبية القيادات المسؤولة عن الجبهة، بل امتدت لتشمل القيادات الأولى للتنظيمات السياسية المشاركة في الجبهة لتصل إلى أكثر القيادات الرديفة،

وقد اتسعت هذه الحملة لتضم عناصر ومجموعات عسكرية ومدنية كانت تعبر عن معارضتها أو عدم قناعتها بنهج النظام بما فيها عناصر يمينية ورجعية بل وعناصر من الحزب الحاكم نفسه..، وادعى النظام وجود مؤامرة محلية مدعمة من نظم عربية تستهدف قلب نظام الحكم..

وبالطبع مر حزبنا بظروف عصيبة في هذه الفترة، فقواعدنا التنظيمية بدون قيادات، ومناخ استبدادي قاتم، وجماهير غير مستعدة، مما جعل هذه القواعد في حيرة وعجز عن الحركة، ولكن الظروف الجديدة بدأت تتوافد.. فالصراعات الداخلية في النظام ذاته فرضت قدراً من التغيير في المواقع القيادية للنظام الحاكم، وتبع ذلك شيء من الانفتاح ومع نهاية عام 1968م أطلق سراح غالبية المعتقلين من عناصر جبهتنا الوطنية، وخرجت قيادات حزبنا من السجن لنجد أنفسنا أمام ظروف حزبية خاصة وظروف عامة وجديدة.

  • ما هي هذه الظروف الحزبية الخاصة؟

□ بعد هذه الضربة ساد جو من التسيب في العديد من المواقع التنظيمية وتوقفت عمليات التوجيه والتوعية والنشر، وأصبحت رؤية متغيرات الواقع السياسي وصراعاته غير واضحة، ومهمات العمل الوطني والنضالي غير محددة الأهداف على المدى القريب، ومر الحزب بمرحلة من التردد التنظيمي والسياسي..

ومن زاوية أخرى ظهرت داخل الحزب عدة نشاطات شللية لا تخضع للأقنية التنظيمية وقواعد الالتزام وأرادت هذه المجموعات أن تمد نفوذها داخل التنظيم، فحاصرها التنظيم وحصرها.. أخرج بعضها من الحزب وحاول بعضها الاستمرار ولو بوتيرة ضعيفة في الأداء السياسي والتنظيمي..

في هذا الجو أخذت القواعد بالدفع لعقد المؤتمر الخامس وفي ربيع 1969م عقد المؤتمر تحت شعار ((مراجعة الموقف السياسي والوضع التنظيمي)) في سبيل تحديد منهج مرحلي في إطار الظرف الوطني الذي يمر به القطر وصراعاته والظرف العربي المحدد بالمعركة التي يخوضها عبد الناصر في سبيل تحرير الأرض ودحر العدوان.

محصلة هذا المؤتمر لم تكن شيئاً يذكر في حياة حزبنا فقد أقر باستمرارية النهج الذي أخذ به الحزب منذ المؤتمر الرابع، وتركزت الانتقادات على الوضع التنظيمي والتي حُسمت باستعجال عملية تجديد انتخاب الأمين العام وأعضاء اللجنة المركزية..، وقد استطاعت إحدى المجموعات التي اتخذت مسمى ((الجهاز السياسي)) فيما بعد أن تشكل تكتلاً من حولها للوصول إلى المواقع القيادية، ولعبت دوراً من التشويش داخل هذا المؤتمر ووصل بعض أفرادها للجنة المركزية، وفي مراحل لاحقة خرجت عناصر هذه المجموعة من الحزب وإن بقي بعض أفرادها..، وبعد المؤتمر بدأ الحزب يستعيد نشاطه وتماسكه شيئاً فشيئاً..

  • وما هي الظروف الوطنية الجديدة التي أوجدتم أنفسكم في مواجهتها؟

□ الظروف الوطنية الجديدة كانت متمثلة في الانفراج الوطني الداخلي والذي حدث نتيجة التغيرات في مواقع القيادات بالنظام الحاكم ومراكز القوى فيه والأجهزة عنده، وغلبة الاتجاه الذي يدفع للتعاون أكثر مع عبد الناصر.. ومع التيارات الوطنية في الداخل..

لقد بدأ النظام يمد جسوراً للحوار معنا ودعانا للتعاون معه عبر عناصره الوطنية المنفتحة، وطرحت القيادة الجديدة لحزب البعث الحاكم اللقاء معها وضرورة تناسي الماضي وفتح صفحة جديدة من التعاون الوطني، وطالبونا بالمشاركة في الوزارة الجديدة التي يجري تشكيلها بوزير أو وزيرين يمثلان حزبنا، ولم نقبل بهذه المشاركة التي قبل بها الشيوعيون البكداشيون، فقد كان ردنا هو ضرورة الانفتاح على الشعب وعلى القوى الوطنية وإقامة جبهة حقيقية بين القوى السياسية لها دور في اتخاذ القرارات السياسية لا المشاركة الوزارية الصورية..

وإذا كانت القيادة في النظام الحاكم قد أظهرت تفهمها لموقفنا ولانتقاداتنا لواقع النظام وسلبياتها فإنها قد صارحتنا بعدم قدرتها على تحقيق هذا الانفتاح بسبب الظروف العامة والظروف الخاصة لحزب البعث.

من جهتنا أكدنا على بقائنا في المعارضة ولكنا سنكون إيجابيين تجاههم بمقدار ما ينفتح نظامهم للشعب وبمقدار تصميمهم على المعركة وتعاونهم الاستراتيجي مع عبد الناصر، وقد ألمحوا لي بأن المواقف قد تتغير وكاشفني بعضهم بأنهم على علم باللقاء الذي سيتم مع عبد الناصر- وهي دعوة سرية لزيارة مصر ولقاء الزعيم- وأنهم سعوا لهذا اللقاء حتى يضغط هو علينا من أجل التعاون.

  • هل تغير موقفكم بعد اللقاء مع الزعيم؟

□ بالطبع لا.. لأنه كان موقفاً مبدئياً مبنياً على رؤية وتحليل صحيحين للواقع وقد أقتنع عبد الناصر بأننا نملك عقلية سياسية واستراتيجية لا عقلية انقلابية تآمرية..

  • هل ظلت قنوات الحوار مفتوحة مع النظام حتى بعد عودتكم من لقاء الزعيم؟

□ نعم.. أصبح حزبنا شبه علني.. وأخذنا نُصدر جريدتنا مطبوعة، وأفسح أمامنا المجال للمشاركة في الانتخابات النقابية كالعمال والمعلمين، وجرى بيننا وبين ممثلي الحزب الحاكم تعاون في بعض المجالات أو الاتفاق على عدم التصادم في أوقات أخرى، ولكن كل هذا لم يمنع الأجهزة من رصدنا وممارسة بعض الضغوط، وعلى صعيد حزبنا كانت بعض القواعد تواجه هذه المواقف بكثير من التحفظات والشكوك وردود الفعل..

  • متى بدأ الصدام يعود مرة أخرى؟

□ منذ مبادرة روجرز حين وافق عبد الناصر في 23 يوليو 1970 على وقف إطلاق النار لمدة ثلاثة شهور، وبالرغم من أن مقاصده التكتيكية والعسكرية والسياسية لم تكن خافية على قيادات النظام فإن التكتل الطائفي داخل الحزب الحاكم والذي كان يرفض مشروع الاتحاد بين مصر وسورية وليبيا قبل ذلك سرعان ما انتهز الفرصة ليضرب المشروع ويثبت أقدامه في توازن الحكم، وفتحت حملة مسعورة على عبد الناصر وعملوا على تحريض فصائل من المقاومة الفلسطينية وأطلقوا كل الأبواق الحاقدة على مصر وعلى عبد الناصر..

ووقفنا بكل قوتنا ضد هذه الحملة الغاشمة رغم وسائلنا القاصرة، وقامت القطيعة من جديد بيننا وبين النظام، وتلاحقت الأحداث المأساوية في الأردن في أيلول الأسود، وهرع الجميع إلى عبد الناصر لينقذ هذا التصدع الرهيب، وبمجرد الوصول إلى تسوية مرّضية للأطراف..، سقط عبد الناصر شهيداً.. ورحل عنا.. وشعر الجميع بالفراغ الكبير.

يتبع..