الحرية أولاً , والديمقراطية غاية وطريق

كيف فتك أعضاء اللجنة العسكرية السرية ببعضهم؟

مصطفى عباس *

القارئ للتاريخ السوري ما بعد انقلاب الثامن من آذار 1963 سيجد أنّ ما يميز تلك الفترة هو بطش الرفاق ببعضهم البعض، في مرحلة تخللها الكثير من الانقلابات العسكرية، نعرف منها ما نجح، وبات يسمى بثورة، ولا أحد يتذكر المحاولات الانقلابية التي فشلت وسيق منفذوها إلى الإعدام. أعضاء اللجنة العسكرية

بعد فترة، لم يعد الرفاق يسمون انقلاباتهم ثورة، بل حركة، كحركة شباط أو الحركة التصحيحية التي أوصلت حافظ الأسد إلى سدة الحكم، ليكون بذلك أول رئيس من الأقليات، وأطول مدة يحكمها رئيس في سوريا في كل تاريخها المديد.

ضابط مغمور:

رغم أنّه كان مغموراً، وقد ورد اسمه في ذيل قائمة الضباط الذين قاموا بانقلاب الثامن من آذار، الذي تصدّره الناصريون، كالعقيد راشد القطيني، رئيس الاستخبارات العسكرية، آنذاك، والعقيد محمد الصوفي، آمر لواء حمص، والمستقل زياد الحريري، وهؤلاء هم الأعلى رتبة، في حين إنّ أعضاء اللجنة العسكرية السرية هم الأقل رتبة، والذين استطاعوا الإطاحة بالعقداء آنفي الذكر، وسرحوهم من الجيش، بعضهم أعطي جائزة ترضية، كسفير في إحدى دول أوروبا.

محمد عمران:

اللجنة العسكرية التي اجتمعت أثناء الوحدة مع مصر عام 1959، وشكلت تنظيماً سرياً من ضباط الأقليات، وهم العقيد محمد عمران الذي كان الأكبر سناً والأعلى رتبة “مقدم”، ويعتقد أنّه كان الحاكم الفعلي لسوريا، فيما كان أمين الحافظ واجهة، إلى أن وقع الخلاف بين الرفاق، فتمت إحالة عمران إلى المنفى برتبة سفير في إسبانيا، ثم عاد كوزير للدفاع قبل أن ينقلب عليه رفاقه، صلاح جديد وحافظ الأسد وسليم حاطوم وعبد الكريم الجندي، ليودعوه السجن، ثم أطلق سراحه لا حقاً ففرّ إلى لبنان. عمران هو الذي أفشى بدايةً بسر اللجنة العسكرية السورية لميشيل عفلق الذي لم يكن يعرف عنها شيئاً، بل على العكس، كان أعضاء اللجنة يمقتونه كمعلم دمشقي برجوازي نخبوي.

فضح الخونة:

بداية عام 1972، أصدر عمران الجزء الأول من مذكراته تحت عنوان “تجربتي في الثورة”، وقال إنّه سيصدر جزءاً ثانياً من المذكرات، سيذكر فيها الكثير من التفاصيل والأسماء عن الخيانات، فتم اغتياله على الفور، وهو لم يكن يشكل تهديداً فعلياً لحافظ الأسد الذي خلي له الجو بعد تخلصه من كل الكبار، وهو في لبنان منذ عام 1967، والضباط الذين كانوا يوالونه في الجيش قد انقلبوا عنه إلى حافظ الأسد.

مات في السجن:

اللواء صلاح جديد الذي كان القائد الفعلي لسوريا بعد عام 1966، استقال من الجيش كي يصبح الأمين القطري لحزب البعث العربي الاشتراكي، وهنا خلا الجو في الجيش لحافظ الأسد كي يتفرّغ للتخطيط لتسلم السلطة، عبر القوة العسكرية.

في عام 1970، اجتمعت القيادة خلال انعقاد المؤتمر العام القومي لحزب البعث، وقررت تسريح وزير الدفاع، حافظ الأسد، ورئيس أركانه، مصطفى طلاس، بتهمة التخلي عن الجولان وعدم مساندة الفلسطينيين أثناء معركتهم مع الجيش الأردني، إلا أنّ حافظ الأسد الذي كان قد أسس لنفسه بالجيش قد انقلب على رئيسه وصانعه، صلاح جديد، فأودعه السجن حتى مات فيه عام 1993.

انتحار قبل الإذلال:

عبد الكريم الجندي أحد المشاركين في انقلاب شباط، والذي أصبح مديراً للمخابرات العسكرية، وهو من جماعة صلاح جديد، وكان معروفاً بالتعذيب الوحشي، بعد خلافات بينه وبين حافظ الأسد ومحاصرته من قبل رفعت الأسد انتحر الجندي، كي لا يعتقل ويتعرّض للإذلال من قبل رفاقه عام 1969.

أحمد المير الذي كان قائد جبهة الجولان أثناء حرب 1967، هرب على حمار قبل وصول الجيش الإسرائيلي إليها، تم تسريحه عام 1968، نتيجة خلافات حزبية، وإرساله كدبلوماسي إلى إسبانيا.

محاولة انقلابية فاشلة:

سليم حاطوم المندفع حتى التهوّر وقائد لواء المغاوير الذي كان له مساهمة كبيرة في إنجاح انقلاب شباط، وهو كان عضواً في تنظيم الضباط الأحرار الذي ساهم بانقلاب آذار، وضم بالإضافة إلى الأعضاء الخمسة في اللجنة العسكرية السرية عشرة ضباط آخرين. خاب ظن حاطوم عندما لم ينل من الترفيعات والأعطيات ما يتناسب مع مجهوده، بل تم التضييق عليه وتسريح الضباط والعناصر المؤيدين له، فقام بمحاولة انقلابية فاشلة، وهرب بعدها للأردن، وعقد عدة مؤتمرات صحفية تكلم فيها عن طائفية النظام، ثم عاد بعد نكسة حزيران كي يعقد مصالحة مع رفاقه عقب الهزيمة النكراء التي منيوا بها، رغم تصريحاتهم الطنانة والرنانة عن جهوزيتهم لتحرير فلسطين ودحر العدو الصهيوني.

تبرئة ذمة:

تم إعدام حاطوم وأثر التعذيب واضح عليه.. المضحك هو أنّ حافظ الأسد أحد الذين قرروا إعدامه، اتصل بسلطان باشا الأطرش وأخبره أنّ القيادة القطرية قد قررت إعدام حاطوم، وهو بريء من دمه، مطالباً الأطرش بالتحرّك قبل فوات الأوان. أعضاء اللجنة العسكرية

عميل أمريكي:

هكذا لم يبقَ من اللجنة العسكرية وحتى تنظيم الضباط الأحرار سوى حافظ الأسد، فكان يراقب بدهاء كل ما يجري حوله، ويخطط معتمداً على تشبيك علاقات سرية مع الدول ذات الشأن في الملف السوري، ففي عام 1965 استدعاه مدير المخابرات العسكرية حينها، بدر جمعة، وصفعه، متهماً إياه بأنّه عميل أمريكي، إلا أنّ جمعة قد تم تسريحه بعد أقل من سنة، وجرى إعدامه مع سليم حاطوم بعد اشتراكه في محاولته الانقلابية.

محاكم ميدانية:

القارئ للتاريخ السوري ما بعد انقلاب آذار، سيمر معه الكثير من الأسماء، بعد البحث عنها ستجد أنّها إما سجنت أو نفيت أو أعدمت بعد تشكيل محكمة ميدانية برئاسة إما صلاح الضللي أو مصطفى طلاس.

عامين خمس رتب:

حافظ الذي تم ترفيعه خلال أقلّ من عامين وعلى فترتين، من نقيب إلى لواء، قافزاً خمس رتب، يحتاج الضابط عشرين عاماً كي يصل إليها، استطاع أن يبني تحالفات في الجيش عبر شبكة من الضباط العلويين، الذين ينتمون بالدرجة الأولى لعشيرة الأسد “كلبيين”، ثم عبر العديد من الضباط السنة، الواجهات، الذين ليس لهم ثقل في القوات المسلحة، ولا يستطيعون اتخاذ قرار لأنّ معاونيهم لن يطيعوهم، كما قال حنا بطاطو في كتابه “فلاحو سوريا”، وكان هؤلاء أمينين في خدمتهم لحافظ الأسد، ولم يجرؤوا على التمرد عليه طيلة حياته، حتى بعد أن مات وتمردوا على ابنه، اكتشفنا أنّهم لا وزن لهم، سوى ما يحصلونه من سطوة السلطة وأموالها الفاسدة.

السيء يذهب ويبقى أثره:

الأسد الذي أسس لأسرة حاكمة في نظام حكم جمهوري، كان له العديد من المخالب الفتاكة، منها أخوه رفعت الذي كان يدافع عنه بجنون في كل المهمات الموكلة إليه، فهو الذي أنهى تمرد حماة، وهو الذي نفذ مجزرة سجن تدمر بعد محاولة فاشلة لاغتيال حافظ الأسد، وقبلها هو الذي حاصر عبد الكريم الجندي قبل انتحاره.

أسرة حاكمة آذن نجمها على الأفول، ولكن ما اقترفته في سوريا سيبقى طويلاً، وهي كانت قد كتبت التاريخ لفترة لا بأس بها، ولكن هذا التاريخ بحاجة لإعادة قراءة لأنّ فيه الكثير من التزوير، والمبالغة، وإخفاء الحقائق. أعضاء اللجنة العسكرية.

* كاتب وصحفي سوري

المصدر: ذا ليفانت