الحرية أولاً , والديمقراطية غاية وطريق

حوار مع الفيلسوف الفرنسي ميشال أونفري

 

الرأسمالية بصيغتها الليبرالية الغربية فككت المجتمعات! *

1ـ كتبتم في نص مواكب لتظاهرة للفن المعاصر، الفن تونس ـ باريس 2011، ما يلي: سأوقع في بيان يقول: ‘كلنا تونسيون’. كيف عشتم، بوصفكم مواطنا من العالم، وكونكم فيلسوفا، الثورة التونسية ؟

= لقد أثبت ‘الربيع العربي’، كما اتفق على تسميته بفرنسا، أن الديكتاتوريات بائدة مثل الحضارات … ثم إنه يسرني التذكير بتلك البداهة في فترة كنا غارقين في ماهو مباشر، كنا عاجزين عن تقدير المدة الطويلة ! بيد أن تلك السلسلة المترابطة من الأحداث ظلت مرئية بلا سبب حقيقي: فلا مات الديكتاتور، ولا حدث انقلاب قام به حزب منتصر، ودون أن تنتصر معركة مقاومة طويلة، وإنما سقوط فاكهة فاسدة من الشجرة من دون أن تتدارك أنها ستتحطم أرضا. وبالنسبة لي، فقد قمت في بحر السنوات الأخيرة، بالذهاب إلى الجزائر، المغرب، تونس، ليبيا، مصر، لبنان، وقد عاينت البؤس، الفقر، وكان المجتمع يسير وفقا لسرعتين، وقاحة الرفاق في الأحياء الغنية والفقر المدقع في بعض الأحياء أو الأرياف. إن الابتهاج برؤية ديكتاتور يسقط هو شيء مؤكد، لكن ميزة الديكتاتورية تتمثل في إعاقة كل تناوب ديموقراطي بعدها بالعمل على تقويض كل الإمكانيات الديموقراطية، فوضوية، جمهورية. بحيث أنه ينبغي تلطيف هذا الابتهاج مخافة أن نظاما أكثر خنقا للحريات لن يواصل ثم إن الثيوقراطية لن تستبدل بالاستبداد وليس الديموقراطية

2ـ تصف الخطابات الغربية المجتمعات العربية مثل مجتمعات ’راكدة‘ تتطور تقريبا خارج التاريخ، مجمدة في تكرار ماض أسطوري يهيمن عليه الدين ؛ وبكلمة واحدة، مثل غرب مضاد. فما اصطلح عليه بالـ’ربيع العربي‘ قد أقام الدليل على أن تلك المجتمعات تتقاسم مع بقية العالم نفس الطموحات الكونية في الحرية والكرامة.

هل تعتقدون أن خطابات المتخصصين، أو ربما أيضا، خطابات الفلاسفة، قد تغيرت بهدف إقحام هذه التوزيعة الجديدة ؟

= إن الترسيمة الغربية للتفكير في مجتمع ما لم يعرف الثورة الصناعية الأوروبية للقرن التاسع عشر، والذي ظل مجتمعا ريفيا بالرغم من تزايد التجمعات السكانية الكبرى، والذي ينبغي ربطه بالقبلانية وذلك لعدم مروره بثورة يعقوبية، مركزة، دولية كثورة 1789، إن تلك الترسيمة والحالة هذه، لم تكن لتشهد انحطاط الدين على أنه، خلافا لذلك، فقد عرفت التكاثر، تعتبر عديمة الفائدة . من باريس إلى موسكو، مرورا بالعواصم الأوروبية، يربك برنامج الثورة الفرنسية العقول الغربية التي شكلتها اليعقوبية: دائما ما يوجد روبسبير صغير في خلاياهم العصبية ثم إن القدرة على التفكير خارج الدولة والأمة، العاصمة والأقاليم، تبلبل أحكامهم … فمعظم المثقفين الغربيين يمتلكون معرفة أقل أو مشوهة عن القرآن، الشريعة، يجهلون سيرة النبي ولا يعرفون مضمون الأحاديث النبوية . منذ ذلك الوقت، كان الخطاب مهدئا (الإسلام كدين للسلام، التسامح والمحبة …)، مشيطنا (كل إسلام هو إسلاموية …). كذلك فإن الخطاطة الديكارتية التي تفترض مبدأ عدم التناقض، العقل الكانطي وتطبيقه للفكر الصارم، الجدل الهيغلي الذي يؤمن بالتسلسل المنطقي للأسباب والنتائج، تكون برنامجا آخر عديم التأثير للتفكير حسب مقولات إفريقيا الشمالية. سوء فهم كلي … فضلا عن ذلك، فأنا لا أعتقد أن الشعوب العربية أبانت عن ‘نفس الطموحات الكونية في الحرية والكرامة’… الرغبة في معاينة زوال نظام فاسد، الرغبة في تناول ما يكفي من الطعام، التوق إلى القدرة على العمل من أجل كسب القوت اليومي والاستهلاك تلعب دورا غاية في الأهمية، كالطموح إلى القيم الشكلية الغربية مثل الحرية والكرامة … فقد أثرت حماية الاستهلاك الغربي سلبا مثلما قد لايخطر ذلك على بال ثم إن الرغبة في قيم أسطورية غربية (حرية، مساواة، أخوة، تضامن، علمنة …) لها أهمية أقل من أهمية امتلاك سيارة، شقة، هاتف جوال، ملابس مسجلة !

لا تحدث ثورات من أجل مثال ثقافي وتصوري، بل من أجل اعتبارات أكثر ابتذالا: أكل، سكن، عمل، استهلاك … لم تحدث ثورة 1789 لكون أن الشعب قرأ العقد الاجتماعي لروسو لكن سؤال أحوال الطقس لسنة 1788 حال دون ملء مخازن الحبوب سنة 1789 فنزل الشعب الجائع إلى الشارع

3 ـ قلتم بأن الشعوب العربية قدمت للغرب درسا جديرا بهذا الاسم في الفلسفة السياسية . فما هو هذا الدرس يا ترى ؟ .

= قدمت درسا فعالا في اللا عنف. فقد برهنت هذه الثورة فعلا أن الضعفاء، حينما يكونون متضامنين ينتصرون على القوي. إن الشعب الصغير المنزوع السلاح والذي يقول لا للديكتاتورية بإمكانه الانتصار على الديكتاتور الذي يملك بالرغم من ذلك ترسانة عسكرية مرعبة ودوائر أمنية مدربة. مثل الأقزام الذين يضاعفون الأغلال بإمكانهم إعاقة العملاق غوليفر . إنه درس إيتيان دولا بويتي (Etienne De La Boetie) في كتابه خطاب الرق الطوعي … إضافة إلى ذلك فهو برهان على صحة ما أسميه منذ أمد بعيد مبدأ غوليفر

4ـ لقد وظفتم عند الحديث عن الإسلام، شأنه في ذلك شأن الديانتين التوحيديتين الأخريين، صيغا مستفزة . هذا حقكم . لكن، ألا تجازفون بتعطيل التلقي الجيد لأفكاركم مع أشخاص يشاطرونكم ذكاء العالم نفسه، لكنهم يختلفون، بحق، مع اقتراحاتكم حينما يتعلق الأمر بالجواب، ذاتيا، عن القلق الروحي والميتافيزيقي اللذين يشغلان جزءا مهما من الإنسانية ؟

= كنت أتمنى أن تمتلكوا القدرة كي تبرهنوا على أني أوظف ‘صيغا استفزازية’. يتصور اليهود أني كنت مستفزا حينما أكدت أن نصوصهم تشرع الإبادة الجماعية بالسماح للشعب المختار باللجوء إلى كل الوسائل لإثبات اصطفائهم عبر العنف العسكري على أرض الكنعانيين. اعتقد المسيحيون أني كنت مستفزا بجلب انتباه قرائي إلى أن الفاتيكان لم يقم بتحريم كتاب كفاحي لأدولف هتلر، ولم يسبق أن تم فصل أي نازي، وبالمقابل، فقد تم منع أعمال سارتر وبوفوار، أو ديكارت وكانط، ثم إن الكنيسة قامت منهجيا بفصل كل من كان منخرطا في الحزب الشيوعي. يعتقد المسلمون أني كنت مستفزا باستدعاء تعاون مفتي القدس الأعظم مع النظام القومي الاشتراكي. على أن أولئك اليهود أنفسهم وجدوا أني كنت على صواب لما كنت أسوق الحديث عن المسيحيين والمسلمين ؛ أولئك المسيحيون أنفسهم وجدوا أني كنت على صواب حينما كنت أتكلم بخصوص اليهود والمسلمين، ثم إن أولئك المسلمين أنفسهم وجدوا أني كنت على صواب لما كنت أتكلم عن اليهود والمسيحيين … فإما أنا على خطأ في كل الحالات، وإما على صواب دائما … إن عدم وجود سخط انتخابي يكلفني إنكارا عاما … أمام تلك الحقائق التاريخية الأكيدة، قام بتهديدي ممثلو الديانات الثلاث بالموت، شتموني، افتروا علي، قاموا بنشر كتب يحتقرون من خلالها مكانتي ثم بالاستمرار في تحريف فكري، فقد توصلت البارحة بكتاب لراعي كنيسة ينم عن حقد واحتقار موضحا بفعله هذا أن محبة الجار ليست رياضة سهلة بالنسبة للمسيحيين، ولاسيما لدى أولئك الذين يجعلون من المسيحية حرفة …). إن تلك السلوكات تثبت إلى حد كبير صدق أطروحاتي: إن الديانات التوحيدية تعتبر في الجوهر خانقة للحرية، متعصبة وداعية للحرب . ينضاف إلى ذلك، أني كفيلسوف أعترف بالطبع بوجود قلق وجودي يشغل حيزا كبيرا من الإنسانية. فأنا لا أجهل أن ذلك القلق يغذي الأديان: فالناس يفضلون وهما يسكن من روعهم أمام حقيقة تشغل بالهم ـ فهذا ما يفسر نجاح الدين والتوفيق السري للفلسفة . لكن اتفقوا معي لو أني اكتفيت بالانخراط في الصيغ السحرية للدين قصد تقديم أجوبة عن ذلك القلق، فإني لن أنجز عملي كفيلسوف ثم إني سأضع الفلسفة في خدمة اللاهوت والدين ! يكمن عملي في وضع العقل والفكر حيثما يوجد الإيمان والاعتقاد: أطمح إلى استبدال طاعة وزراء الديانات التوحيدية بتجربة التفكير الفردي.

5ـ تعتبرون صوت اليمين المتطرف، بفرنسا وغيرها، كسلوك سياسي تمردي . هل بالإمكان عقد مقارنة مع النجاحات الانتخابية للإسلاميين في البلدان العربية ؟

= مقارنة غير صائبة … فهي تدخل في الصوت اعتبارات معترضة: لا نصوت لصالح شخصية أو لصالح برنامج، بل ضد أولئك الذين لايزالون في أماكنهم، بفضل التناوب، منذ ما بعد الحرب ـ فمرة الليبرالية اليمينية، ومرة ليبرالية اليسار، لكنها الليبرالية دائما … إن صوت مارين لوبين لهو غاية في الاعتراض، هذا أكيد، غير أن الإيديولوجيا الليبرالية الفرنسية لليمين واليسار على خطأ حينما تقول بأن الأمور لا تكون إلا على هذا الشكل، لأنه يوجد صوت انتماء إيديولوجي إلى برنامج وطني، قومي، حمائي، سيادي، معارض لأوروبا ليبرالية، يمثله المتحررون كاليمين المتطرف، فاشستي، مناهض للسامية والذي سيصبح ببساطة، في الولايات المتحدة، برنامجا ‘جمهوريا’…

يرتكز نجاح ’الإسلاميين‘ على تلك السببية المضاعفة: ثمة أصحاب هذه الامتيازات في المكان على أنه ايضا الرغبة في برنامج تناوبي، وهو صراحة برنامج ضد غربي، يرتكز على تقليد ديني يسمح بضمان خط مستقل دون أن يكون متميزا عن الغرب . إن الشريعة باعتبارها قانونا ثيوقراطيا، هي معادل للحق الثيوقراطي الفرنسي الذي ألغته الثورة الفرنسية. فاللجوء إلى القرآن من أجل بناء سياسة، لهو امتلاك خط أصيل ضد غربي. يتم تقديم الغرب كما لو أنه سبب كل المآسي (الاستعمار، البطالة، البؤس ،الفقر، المخدرات، الدعارة، البورنوغرافيا بالوراثة دائما …) والشريعة كترياق (هوية، شخصية، شغل، توظف كامل، رفاهية، كرامة، شرف …)، مع إمكانية من أجل الإسلام لإيجاد كبش فداء مثالي يعفيه عن التساؤل حول مسؤوليته منذ زوال الاستعمار، هو ذا مخطط تبسيطي معه يصبح من السهل صناعة السياسة الاحترافية ومن ثم إغراء الجماهير

عن الرق الطوعي:

6 ـ في واحدة من مقالاتكم الصحافية، سقتم الحديث عن إتيان دولابويتيا بقولكم: ’لا وجود للسلطة إلا بوجود أولئك الذين يرضون بها، فإذا ما أعلنوا عصيانهم ضدها فلن توجد قط‘. هل هذا يعني أن الأنظمة الليبرالية الجديدة التي تدينونها بفرنسا وبأوروبا تتلقى العضوية الشعبية ؟

= بالفعل: عضوية ناقصة. لا يقال لا لليبرالية، يقال لها نعم … لا يتم رفضها، يوافق عليها. لا تقوم لهذه العضوية قائمة بالحماسة، الإرادة والقرار الفعال، لكن بالإقلاع عن فرض شيء آخر بالمقاومة. نضيف الى هذا أن الإغلاقات المؤسسية الفرنسية تحظر على المتطرفين أو الهوامش التي يجسدها أولئك الذين ليسوا ليبراليين، تبوؤ السلطة في يوم من الأيام. فقد تم وضع قاعدة اللعب بهدف الفوز دائما بالمركز الليبرالي ويخسر منهجيا أولئك الذين ينزعون إلى قاعدة مغايرة من اللعب. فأمام هذا اللعب المخدوع والذي تبعا له أربح وأنت تخسر، ينتهي الإقلاع بألا يغطي كل شيء. لذلك يوافق الشعب على انتخاب قادته

7 ـ حاليا، إن العمال الذين كانوا يشكلون جزءا حتى ذلك الحين، من قاعدة ناخبي اليسار، ينضمون ويصوتون لصالح أحزاب اليمين المتطرف؛ في حين أن الطبقات المتوسطة والـ’ميسورين‘ يصوتون لصالح الأحزاب المتموقعة في اليسار. بفرنسا، على سبيل المثال، لم يتبق هناك أي عامل منضو في الجبهة القومية ولا في الحزب الشيوعي. أيتعلق الأمر بإفلاس قطعي لصوت الطبقات، وهو ما درجت الماركسية على وصفه ؟ .

= سأتعامل مع هذا التحليل بحذر … إنه نتاج سوسيولوجيا أصحاب الامتيازات، فهم ليبراليون كذلك. إن مؤسسات جس النبض التي ترافق هذا النوع من الحقيقة النسبية مدفوعة الثمن من لدن أولئك الذين يلتمسون من تلك الآلات صنع الرأي العام بهدف إغراء أو حصر قاعدة الناخبين. ففيما يخصني فأنا أعرف حالات خاصة عملت على تفجير هذه القراءة التبسيطية للأشياء. فقد قرأت في جريدة المساء، أنه أثناء الحملة الرئاسية، فقد تم إغواء طائفة شواذ بحي ماريس بباريس، وطائفة من الميسورين، بواسطة صوت مارين لوبين، في حين ان شيوعيين قدماء، من الاتحاد العمالي، عثروا في جبهة اليسار على مادة أمل جديد … ميسورون من اليمين، شيوعيون من اليسار …

في النصف الأخير من القرن المنصرم، عملت الرأسمالية في صيغها الليبرالية والمالية على تفكيك المجتمع: لم يبق هناك وجود لطبقات متماسكة بمعية سلوك انتخابي في ترابط، بل ذرات في الخواء، جواهر فردية عمياء، ذوات ضائعة تصوت لصالح مكاسب عابرة، تقودها مؤثرات (خوف من البطالة، قلق من الهجرة، قلق من الغد …) بدلا من انقيادها للعقل السياسي (مصلحة عامة، عقد اجتماعي، بناء التضامن، صناعة الطائفة) .

فيلسوف المدينة:

8 ـ لم تقبلوا بالترشيح في الانتخابات الرئاسية في اليسار الجذري. هل ينبغي على الفيلسوف أن يكون بمعزل عن الحلبة السياسية ؟ .

= يوجد تقادم … بمرور خمس سنوات ! فضلا عن ذلك، إن تحمل مسؤولية الترشح للانتخابات الرئاسية لا يشكل بالنسبة لي، الطريقة الوحيدة لممارسة السياسة. لوحظ ذلك مع المرشحين، غير الليبراليين الذين تقاسموا السلطة (الاتحاد من أجل الحركة و الحزب الشيوعي)، اضطروا إلى أن يكونوا ممثلين صامتين من بعد ذلك يبيعون أنفسهم بعد الدور الأول للحصول على مقاعد احتياطية تجيز للأحزاب كي تمول نفسها ثم أن يجد الناخبون أنفسهم ضحية اختلاس … فقد مرت عشر سنوات، على تأسيس جامعة شعبية بكاون بالنورماندي، (بعبارة أخرى، بعيدا عن العاصمة التي تفرغ الأقاليم من مواهبها كي تفيد منها …) لإبراز ما تستطيع فعله العمل التطوعي والمجانية ضد الرأسمالية الليبرالية، أو بإقامة جامعة شعبية للذوق بمدينة أرجونتان سنة 2006، حيث أقيم، دائما بالنورماندي، من أجل العمل بشكل واقعي في حديقة اندماج اجتماعي أقرب بكثير من محرومي النظام، لدي إحساس تجسيد نماذج اليسار الفوضوي النفعي الذي أومن به بدلا من الترشيح لا أدري لصالح أي انتخاب كي أكتفي فيه بتمثيل صامت … إن لعبة السياسة الاحترافية الصغيرة ليست أفقا متعذرا تجاوزه للسياسة. أشار بيار جوزيف برودون أن التعاونية الاقتصادية، الاتحاد الفدرالي، التعاونية تسوغ على الأرجح الثورة التي شرعت الشيوعية القيصرية بإقامة أسلاك شائكة. فهذا هو ما يجعلني أتصور أنه لا ينبغي على الفيلسوف أن يبقى بعيدا عن الحلبة السياسية ؛ غير أن الحلبة السياسية الاحترافية تشكل نفاية ما ينبغي أن تكون عليه سياسة حقيقية: فن تغيير الحياة بشكل ملموس والاشتغال بسعادة كبرى لأكبر عدد .

9 ـ منذ ’بطن الفلاسفة‘، أعطيتم مكانة متميزة للغذاء ولملذاته، للتفكير الجيد، وأيضا لتناول الطعام بشكل جيد. لماذا ؟ .

= لأنه، وفي ظل الإيديولوجيا المهيمنة التي هي [ إيديولوجيا ] يهودية مسيحية، فإن الفلسفة التي يتم تقديمها من قبل المؤسسة باعتبارها الوحيدة التي تعلمنا أننا من جسد وروح، لحم ونفس ثم إن الأهواء، الغرائز، اللحم تعتبر مكروهة هناك حيث النفس، العقل، الروح تستطيع خلاصنا ـ بالعمل منفصلين عن ماديتنا. يوجد والحالة هذه، ألفان وخمسمائة سنة من الفلسفة التناوبية لهذا الفكر الذي يخاصمنا مع العالم الواقعي ببيعه إيانا متخيل عالم مثالي، وهو ما يتقاسمه الفلاسفة المثاليون مع المدافعين عن الديانات التوحيدية. فقد ابتكرت جامعة كاون سنة 2002 للدفاع عن فلسفة المقاومة هنا والآن وفيها نجد ماديين، ذريين، ملحدون، حسويين، تجريبيين، شيوعيين، فوضويين، إباحيين، زنادقة … ليس لدينا سوى حياة واحدة فلا ينبغي إضاعتها، لا نملك إلا جسدا واحدا، إنه ثروتنا، فلا مبرر لإساءة معاملته، نملك زمنا قصيرا واحدا نقضيه على هذه الأرض، فلا مجال لخسرانه، وتبديده . يقول غوته: ’لا تنس أن تعيش‘. إنه برنامج وجودي لحياة كلها .

10 ـ ماذا يعني أن يكون المرء يساريا يعيش حياة يسارية ؟ .

= لا ينبغي الاكتفاء بالكلام يسارا، التكلم بإسهاب وذلك باستعادة عقيدة اليسار، عدم الاكتفاء بفعل الكلام، بمؤثرات بلاغية مألوفة لدى اليسار، بل تجسد هنا والآن الأفكار التي تؤمن بها. أن يكون المرء يساريا، هو الدفاع عن الكينونة ضد الملكية، حينئذ وفيما وراء الكلمات وتصريحات النوايا، يتعلق الأمر بشكل ملموس بألا يقضي الإنسان حياته لاهثا وراء امتلاك المال، الشرف، الثروات، المصالح المادية … إذا كان المرء يؤمن بالقسمة، وبالتضامن، والأخوة، فإنه لا يتعلق الأمر آنذاك بفرض ذلك على الآخرين دون أن يمارسوا تلك الفضائل، بل أن يبين المرء في حياته، كيف يتم الشروع بتجسيد تلك المثالات: إن هذا ما يجعل التطوع، الكرم، المجانية، العطاء، يمارس في حيوات وليس يسمع في كلمات. من خلال هذا المقياس الجديد، هناك العديد من الناس يعطون أصواتهم لليمين يعيشون حياة يسارية ؛ وعدد لا بأس به من الناس يثرثر يسارا يعيش حيوات يمينية ـ مختزلة، بورجوازية صغيرة، متحجرة، أنانية … أنتم تعرفون أنه مع هذا النوع من الكلام، فإن الشيوعي، الإباحي الذي أجتهد في أن أكونه لن يحصل على أصوات اليمين ـ ولا كلام العدد الذي لا بأس به من الناس المنتمين إلى اليسار … لا يهم . إن رغبتي في العدالة والانضباط تقودني أكثر من أي اعتبار. لا ينبغي القول، كما قلت ذلك آنفا، أن الناس يفضلون كذبا يطمئنهم على حقيقة تقض مضاجعهم ثم الشروع في التصفيق من قبل السواد الأعظم !
———–

* حوار خص به ’’ميشال أونفري‘‘ الأسبوعية التونسية Realites بتاريخ: 31 مايو/ أيلول 2012 ؛ ونص الحوار موجود في لغته الأصلية بموقع ميشال أونفري: mo.michelonfray.fr …  [email protected]

المصدر: القدس العربي