الحرية أولاً , والديمقراطية غاية وطريق

حوار شامل مع الدكتور جمال الاتاسي عن الناصرية والناصريين / 2- 9 /

 مجدي رياض 

ثانياً: القسم التاريخي وقائع وأحداث (1) الجيل

[قد تمنحونهم حبكم ولكن دون أفكاركم فلهم أفكارهم.. لقد تؤوون أجسادهم لا أرواحهم تسكن في دار الغد.. وفي وسعكم أن تجتهدوا لتكونوا مثلهم ولكن لا تحاولوا أن تجعلوهم مثلكم…. فالحياة لا تعود القهقرى ولا هي تتمهل عند الأمس]،

                                              جبران خليل جبران

                                              (كتاب النبي)

  • في بداية الحديث نود الوقوف على قضية هامة في رصد تاريخ الحركة الناصرية، انها قضية ((الجيل)).. ووفق تعبير الزعيم الرّاحل فإن ((جيل تحدى اليأس)) الذي قام بالتغيير يوم 23 يوليو هو جيل الثورة..، هذا الجيل في مصر عانى- ما قبل الثورة- تداعيات الأزمة الوطنية من ملكية واحتلال وظلم اجتماعي… الخ، وكانت مهمته الأولى هي إلغاء النظام الملكي وإنهاء الاحتلال ثم أتت القضية الاجتماعية والقضية القومية كدرجات تالية في سلم الأولويات..

ماذا عن ((الجيل)) المقابل له في المشرق العربي وخاصة في سورية؟ وهل كانت المسألة القومية أو أية مسألة أخرى لها الأولوية؟ وهل يرجع ذلك الاختلاف عن جيل مصر إلى طبيعة الظروف والمشكلات هنا بسورية؟

□ عند الإجابة على هذا السؤال لا بد وأن تحدد تعريف كلمة الجيل..، هل يقصد بها الجيل الاجتماعي- كل الشريحة السنية- أم يقصد بها الجيل السياسي أي الطليعة المناضلة حتى وإن كان معظمها ينتمي إلى مرحلة سنية واحدة.. هي مرحلة الشباب؟!

نحن بالطبع نميل إلى التعريف الثاني، ومن ثم فإن الجيل الذي سنتحدث عنه هو تلك الشريحة القيادية- الطليعة- التي تتقدم القوى الاجتماعية والثقافية والسياسية وتسعى بالتوعية وبالتنظيم لتطالب بالتغيير وتدفع إليه، فالجيل السياسي حركة وعي.. ودور قيادي مرتبط بواقع المجتمع وواقع الجماهير وآمالها..

هذا الجيل- الطليعة كما تبلور في مصر.. تبلور أيضاً في الوطن العربي، فلقد عاش نفس الظروف والمصاعب والمعاناة.. وعاصر دخول أمته في خضم الصراعات الدولية إبان الحرب العالمية الثانية وما أعقبها من متغيرات وتوزيع مواقع النفوذ وصراع الاستعمار القديم مع الجديد.. ورغبة الأخير في إعادة ترتيب وتنظيم المنطقة بل والعالم..، ومن جهة أخرى عاصر هذا الجيل طموحات التحرر ويقظة العالم الثالث والمنحى الجديد في صنع كتلة غير منحازة… الخ..

هذا الجيل أيضاً في سورية واجه تحديات آثار الاستعمار الكولونيالي ورواسب العهود الماضية، ومثل نظيره في مصر كان يهدف إلى الخلاص من الطبقة التي كانت سائدة ومسيطرة والتي ترعرعت في ظل الانتداب والحكم الاستعماري ثم اتخذت فيما بعد صيغة تحالف بين الإقطاع والرأسمالية التابعة للسياسات الإمبريالية وبرزت كطبقة واحدة لتحل محل الاستعمار القديم.

أما الاختلاف أو لنقل درجة الاهتمام والأولوية بين الطليعة في مصر والطليعة في سورية فإنه قد برز في المسألة القومية، فالقومية العربية كانت فكرة ضاغطة وطاغية على برنامج الطليعة في سورية.. والدعوة للوحدة العربية كانت لها الأولوية في مطالب هذا الجيل، وربما يكمن السبب في طبيعة ظروفنا وخصوصية واقعنا بالمشرق.

1) فمن ناحية تاريخية واجتماعية كانت سورية ضحية انقسامات اجتماعية وسياسية وطائفية قام بترسيخها الحكم العثماني والتخلف والاستعمار الأجنبي، هذه الانقسامات فرضت على الطليعة هنا أن تدرك بوضوح أهمية الدعوة القومية وضرورة الوحدة كتطلع مشروع- إلى جانب كونه حقيقة تاريخية- لتجاوز هذه الانقسامات المعوقة لوحدة هذا القطر.. ونزوع شعبه للحرية والتنمية.. (فالموزاييك) السوري مهدد بالانفجار إذا ما انحصر مشروعه في إطار إقليمي.. بينما المشروع القومي الكبير هو الضمان الحقيقي للتماسك الاجتماعي والتطور.

2) ومن ناحية تاريخية وجغرافية أيضاً لم يكن هناك قبل عهد الانتداب الفرنسي  ما يسمى بحدود سورية الحالية.. بينما مصر بحدودها المعروفة لنا كانت موجودة من آلاف السنين في ذات المساحة والحدود، وشعبها الكبير يحمل قدراً من المقومات والبنية الاجتماعية المتماسكة والتي لا تعاني من التمزق الوطني، ومن هنا كانت المسألة القومية ضرورة ملحة ومطلباً وطنياً عاجلاً بينما في مصر كانت أقل درجة وبتوتر أخف.

3) ومن ناحية تاريخية وفكرية فإن الوعي القومي برز في المشرق مبكراً عنه في مصر أو المغرب العربي، وقد تكون ظروف الحقبة العثمانية وقبضتها الأعنف في المشرق وكذلك المجازر أو (الشوفونية) الطورانية كلها أسباب وراء هذا البروز المبكر لذلك الوعي، ولكن بصفة عامة وفي كل معارك الحركة الوطنية، هنا ضد الانتداب الفرنسي أو الطبقة التي ورثته أو حتى في البحث عن هوية وشخصية وطنية كانت القومية والعروبة جزءاً أساسياً ورئيسياً في صلب مطالب الحركة الوطنية، بل وظهرت قوى ومنظمات تتبنى الفكر القومي والدعوة للوحدة العربية.

مرة أخرى أعود لأؤكد على أن الفارق كان في الدرجة وفي الأولوية، وكانت الثورة وزعيمها ذات توجه قومي.. ويكفي أن تكون حرب فلسطين هي الهاجس الضاغط على جيلنا هنا بضرورة الوحدة لتجاوز الهزيمة- 1948- وفي  الوقت نفسه تكون المحرض المباشر للجيل في مصر- الضباط الأحرار- لضرورة التغيير وأن المعركة تبدأ من القاهرة. إن مأساة فلسطين قد كشفت خطر النضال الإقليمي وحصره في الأطر الضيقة التي وضعها الاستعمار.. ومن ثم ارتفاع صوت النضال القومي والوحدوي بين هذا الجيل.

  • ولكن كان في المشرق أيضاً دعوات إقليمية وارتفع صوتها وقدمت مشاريعها.

□ هذه المشاريع- كمشروع سورية الكبرى أو الهلال الخصيب- طرحت للقضاء على التيار الوحدوي، فلم تأت هذه المشاريع كلعبة فقط من النظم المسيطرة والمتعاونة مع الاستعمار القديم أو الجديد الذي بدأ يفرض سيطرته وهيمنته على المنطقة اقتصادياً وسياسياً، بل أتت أيضاً لترضى التطلع الوحدوي القومي المتأجج. ولكن بصور وصيغ تحكم هذا التطلع وتأطره ضمن حدود السيطرة والهيمنة الاستعمارية.

وفي هذا المناخ جاءت الانقلابات العسكرية لتجهض حركات التحرر الوطني. فتحت شعارات التعبير عن مطالب الجماهير ونقمتها من (الطبقة البورجوازية الحاكمة) أتت هذه الانقلابات بينما  كان هدفها إزاحة هذه الطبقة الضعيفة غير القادرة على بناء نظام رأسمالي واضح وقوي وغير قادر على تأسيس نظام سياسي قوي يواجه مطامح الشعب الوطنية والاجتماعية، ومن هنا كانت الانقلابات تأتي بشعارات جماهيرية لضرب أهداف الجماهير ولتحقيق مطالب الاستعمار في التبعية والسيطرة، ضمن مشاريع عديدة ومضللة مطروحة من قبل هذا الاستعمار.

  • هل كان هذا الوضع هو السبب وراء التحفظ والحذر من جيلكم في سورية تجاه ثورة يوليو؟

□ نعم.. فقد نظر إليها من منظور الانقلابات العسكرية بسورية.. ومن ثم تصور أنها أداة أو لعبة في يد الاستعمار تقوم بتحقيق رغباته في السيطرة.. وفي التعامل مع الطبقات داخل المجتمع..

  • هل هذا الحذر اتخذ شكل الندوات والتحليلات الحزبية أم ظل ضمن إطار الأحاديث السياسية العامة؟

□ عندما قامت ثورة يوليو كانت سورية في ذلك الوقت تحت حكم ديكتاتوري، وهو نظام (أديب الشيشكلي) ومن ثم فإن الجو السياسي لم يسمح بوجود حركة سياسية نشطة كالندوات أو التحليلات الحزبية، لكن كانت هناك بعض النشرات الخاصة والتي تصدر عن المجموعات الشيوعية واليسارية وبعض الأطراف القومية، هذه النشرات كانت أحياناً تتهم وأحياناً تثير الشك وتقارن بين الثورة وبين الانقلابات التي تعاني منها في ظروف قطرنا.

  • متى بدأ التحول في النظرة إلى ثورة يوليو لدى الطلائع الثورية في سورية؟ وهل هناك حدث يعينه وقف وراء ذلك أم وقع التحول بالتدريج؟

□ بالطبع بدأت تدريجياً هذه النظرة السلبية تتراجع أمام صعود النظرة الإيجابية للثورة، كانت البدايات مع خطوات الإصلاح الاجتماعي لصالح الطبقات الشعبية- إلغاء الألقاب، محاكمة الفساد، الإصلاح الزراعي،.. الخ.. – وفي نهاية عام 1953 وبداية عام 1954 بدأت الأنظار تتجه للصراع القائم في القاهرة بين اللواء محمد نجيب وبين البكباشي عبد الناصر، ودخول القوى السياسية التقليدية إلى جانب نجيب.. بينما التفت القوى الجديدة حول عبد الناصر، وسرعان ما أمسك عبد الناصر بالقيادة..

ثم اتضحت مواقف عبد الناصر من اللعبة الاستعمارية- رغم وجود القوات الانجليزية آنذاك- وسعيه لإنجاز اتفاقية الجلاء وسط تصعيد الكفاح المسلح في مدن القناة، ثم سعيه لكسر احتكار السلاح والحديث عن الحياد الإيجابي ورؤيته الاستراتيجية في فلسفة الثورة، كل هذه الأمور بدأت تكشف أمامنا حقيقة ما يجري في مصر..، وبدأت نظرتنا تتغير..

في الوقت نفسه كانت سورية تشهد مناخاً من التحرك الوطني العريض، شاركت فيه كل القوى للتخلص من الديكتاتورية العسكرية، ثم استطاعت هذه القوى وبفضل العناصر الوطنية الشابة داخل الجيش أن تقف في وجه مشاريع الوحدة مع التاج العراقي والهلال الخصيب… الخ، وأن تسعى في اتجاه التغيير…

في هذا الإطار أذكر أنني قمت بمهنة حزبية إلى لبنان لكي ألتقي بالقيادة القومية المتواجدة هناك والتي ابتعدت عن بطش الشيشكلي مثل ميشيل عفلق وصلاح البيطار، في هذا اللقاء جرى تقييم الوضع في مصر بعد إبعاد نجيب وبروز القيادة الجديدة، وكانت مصر قد شكلت لجنة- أعلن ذلك في الإذاعات- لوضع مسودة دستور جديد، وعلى ضوء ذلك اقترح الأستاذ ميشيل عفلق وكذلك المرحوم كمال جنبلاط- وكان قد انضم للحوار وللاقتراح- بإرسال برقية باسم حزبيهما إلى عبد الناصر آملين فيها أن ينص ذلك الدستور على الانتماء القومي العربي لمصر وعلى التزامها بقضية وحدة الأمة العربية..، ولكن عبد الناصر كان سباقاً في ذلك فقد خرج الدستور وهو ينص على أن مصر جزء لا يتجزأ من الأمة العربية..

وتوالت بعد ذلك الأحداث لتؤكد زعامة عبد الناصر وتوجهه القومي.. (إذاعة صوت العرب.. تدعيم الثورات وحركات التحرر العربي.. مواجهة المخططات الاستعمارية في المنطقة.. الخ)، إلى أن هز العالم.. وفجر طاقات الأمة بمعركة تأميم قناة السويس والتي أصبح بعدها بلا منافس في قيادة الأمة العربية من مشرقها إلى مغربها..

  • هذا التحول من الواضح أنه كان ضمن هموم القطاع الوحدوي في جيل الثورة بسوريا، ماذا عن القوى الماركسية؟ فهناك انطباع بأن الماركسيين قد اتخذوا موقفاً مضاداً من عبد الناصر خاصة بعد حل الأحزاب في مصر، فهل كانوا من ضمن القوى التي تجاوبت مع ما يحدث في مصر آنذاك أم لا؟.

□ الموقف الشيوعي جاء متأخراً.. لأنه في البداية كانت رؤيتهم تتركز على الاتهام للثورة في مصر، وذلك ضمن نظرتهم لكل القيادات والثورات في العالم الثالث والتي كانوا يرونها (لعبة استعمارية) أو حركة تابعة للاستعمار، وقد زاد من تصلب موقفهم بالفعل ضرب الشيوعيين بمصر.. وارتفعت أصوات الإدانة للحكم الناصري..

ولكن بعد تبلور المواقف في القاهرة، وبصفة خاصة بعد مؤتمر باندونج، أخذ الموقف الشيوعي يتحدث عن الحكم في مصر بأنه حكم وطني..، وقد ساعد على قبول هذه النظرة ظهور تكتل وطني في مجلس النواب السوري- 1955- حيث تكونت جبهة تضم الحزب الشيوعي وحزب البعث وأطرافاً وطنية أخرى، هذه الجبهة كانت تدير الصراع مع القوى الرجعية بالداخل، وتسعى في اتجاه العمل القومي والقاهرة على وجه الخصوص.. وتصاعد هذا السعي للمطالبة بالوحدة فيما بعد.. وقد كان الشيوعيون أقل اندفاعا وطرحوا الوحدة ولكن بتحفظات عديدة..

  • قبل الدخول إلى مرحلة الوحدة ثم الانفصال.. نريد الوقوف قليلاً أمام الشريحة القومية من هذا الجيل- الطليعة- وبالتحديد حزب البعث ونرصد ظاهرة اندفاعها للوحدة مع مصر عبد الناصر ثم اندفاع جزء منها إلى الانفصال ثم انقسامها على نفسها فيما بين الوحدة والانفصال؟ كيف بدأت الظاهرة وما آلت إليه؟

□ في البداية يجب أن نشير إلى طبيعة حزب البعث الذي اتسم بطابع الإطار التنظيمي الواسع والجامع للتيارات والاتجاهات المتعددة ذات الانتماء الوحدوي، هذا الإطار اندفع بحماس تجاه الوحدة واستطاعت قيادته اقناعه بضرورة حل نفسه تحت حجة أن الاتحاد القومي سوف يكون تنظيماً جماهيرياً أوسع لنشاط كوادر الحزب وسيكون الصلة بين هذه الكوادر وبين عبد الناصر..

في داخل تجربة الوحدة اندمج قسم من الحزب مع التجربة ونظام الحكم، وقسم آخر تمسك بالوحدة وتحفظ تجاه نظام الحكم بسورية، وقسم ثالث بدأ يتحرك وفق تحفظاته تجاه نظام الحكم ليحرض وينقد التجربة الوحدوية، وهم يعلمون أن هذا الموقف سيؤدي للانفصال بل عملوا وساعدوا قوى الانفصال بوعي وإرادة..

بعد الانفصال انقسمت هذه الشريحة القومية.. فالتيار الأوسع والعريض ذهب إلى الناصرية وأدان القيادات البعثية التي اتخذت موقفاً داعماً لحكم الانفصال، وحاول البعض تجسيد الاتجاه الوحدوي بإعادة تشكيل الحزب في سورية خاصة وأن الحزب- البعث – كان محافظاً على وجوده القومي في لبنان والعراق والأردن، ولكن هؤلاء رفضوا انضمام الأطراف المدانة بوقوفها مع حكم الانفصال، وحتى في هذا التشكيل الجديد للحزب حدثت صراعات داخلة بين الاتجاه الذي يريد أن يقدم الحزب على قضية الوحدة بحيث تكون الأخيرة نتيجة لامتداد وقوة الحزب، وبين الاتجاه الآخر الذي ينظر إلى المرحلة على أساس انها فرصة تاريخية للأمة ولوحدتها بإعادة الوحدة مرة أخرى بين مصر وسورية..

وبعد تردد من التشكيل الجديد.. وبدافع من التيار الوحدوي داخله اتخذ الحزب موقفه ضد حكم الانفصال، وبدأ يتفاعل مع القيادات الناصرية في المطالبة بعودة الوحدة، وبينما كان الناصريون يطالبون بالوحدة أولاً مع مصر، كان البعثيون يطرحون صيغاً جديدة كمشروع الوحدة الاتحادية وغيرها، وبينما كانت المحاولات تجرى لخلق تحالف فعلي وجبهة ذات ميثاق عمل للحكم بين البعثيين والناصريين، أتى انقلاب 8 شباط (فبراير) بالعراق وصعد حزب  البعث هناك للسلطة. مما أعطي قوة للحزب في سورية وهز الأوضاع لحكومة الانفصال، وتتابعت الأحداث لتندفع القوة العسكرية من حزب البعث وتستولي على السلطة في سورية بانقلاب 8 آذار (مارس)..، ثم ما تلى ذلك من أحداث ومناورات وتصفيات للتيار الناصري والوحدوي داخل الجيش والحكم مما أفشل مباحثات الوحدة الثلاثية وأدخل سورية إلى نفق الاقليمية والاستبداد والعداء للقاهرة..

  • بالنسبة للتيار الوحدوي الأصيل داخل حزب البعث آنذاك أو بالنسبة للناصريين كيف يمكن أن نفهم سيطرة مجموعة عسكرية أو غير وحدوية على الحكم- في الانفصال- أو إعادة السلطة مع رفض الوحدة – 8 آذار – بينما الجماهير الشعبية بزخمها الثوري وبتضحياتها ومبادراتها- مظاهرات وإضراب ومواجهات- لا تجد من يقودها؟ وهؤلاء – الوحدويون – لا يستطيعون حسم المواقف ولا تغيير الأوضاع؟

الحقيقة أن هذه الأحداث تحتاج إلى تحليلات وإعادة قراءة تاريخية، ولكننا سوف نحاول أن نلتقط الخطأ الجوهري وراء هذا القصور إنه عدم تأطير الجماهير وقيادتها، إن جيلنا تقدم لمواجهة المصاعب والتحديات واندفعت قوى اجتماعية شعبية معه كالعمال والفلاحين، لكنه لم يكن ممسكاً بزمام حركة الجماهير إلا في حدود ضيقة، فعندما تحرك الشعب في الوحدة أو في أيام الانفصال كان الذي يسيطر عليه ويقوده ويقيده زعاماته التقليدية والعشائرية- في الحي والأسرة والقرية.. الخ- هذه الزعامات كانت مغلوبة على أمرها فلا هي تملك الوعي أو المنظور الثوري ولا هي قادرة على نقل حركة الجماهير في اتجاه التغيير.. بل إن بعضها دون وعي أو بالمصلحة دفع الأمور في الاتجاه المضاد..

وقد تكون إحدى ثغرات جيلنا والتي كنا نغفلها.. أن العقلية السائدة هي العقلية النخبوية، فهذا القصور يتمثل في التصور الصوري للمسألة: فما دمنا نمتلك الوعي ونمسك بالحقيقة ونخلص للقضية فإن الشعب سوف يندفع وراءنا، ولم ندرك أن هذا الشعب أسير ومكبل بميراث واقعه الاجتماعي والثقافي، وأنه لن يتجاوز هذا إلا إذا ارتبطت به الطليعة ارتباطاً عضوياً.. وأن نساعده على شعوره بامتلاك إرادته وتحديد هدفه..

لقد بدأ هذا الجيل – جيل الثورة- حركة وعي واستيعاب وجهد نضالي، لكنه لم يستطع أن يصل إلى تحريك وقيادة الكتلة الشعبية والقاعدة الجماهيرية، ومن ثم لم يستطع أن يبني حركة تاريخية أو ثورة آنذاك، لقد استطاع عبد الناصر أن يحقق الارتباط العضوي بينه وبين الشعب.. ومن ثم استطاع أن يخلق كتلة شعبية واسعة وعريضة شاركت معه في صنع الدور التاريخي والتغييرات الكبرى بالمنطقة والعالم..

ومن عجائب الأمور أننا كنا نظن أنفسنا طلائع متقدمة فكراً ومعاناة ونضالاً عن عبد الناصر في البداية، ثم وجدناه أمامنا ومتقدماً علينا وشعرنا بما صنعه للجماهير وبالجماهير..

إن الجماهير في الوحدة والانفصال تحركت عفوياً، والقيادات التقليدية والعشائرية كانت هي الأكثر ارتباطاً بها، بينما القيادات الوحدوية بمعزل عنها وأسيرة عقليتها النخبوية..

  • هذه الأسباب وقفت وراء عدم سيطرة جيل الثورة على زمام الأحداث في سورية أثناء الوحدة والانفصال، ولكن الوعي النقدي بعد سقوط الانفصال لدى قيادات في هذا الجيل- وخاصة الناصريين- لماذا لم يجن في المسار العام ثمار الزخم الشعبي الناصري في إطار وحدوي يقود ويغير ويحكم في سورية أو مصر؟

□ من واقع عملي السياسي مع القيادات الناصرية في تلك الفترة أستطيع القول بأن هذه القيادات كلها كانت تأخذ صفة القيادات الوحدوية، بينما معظم هذه القيادات لا أستطيع أن أضعها ضمن جيل الثورة.. لأنها في حقيقة الأمر ركبت الموجه..

أما جيل الثورة فهو جيل آخر.. جيل يحيط ويستوعب ويمثل القدوة والنموذج، هذا الجيل دخل في صراع مرير مع هذه المجموعة من القيادات في سورية، وقد عانينا طويلاً من هذه المسألة..، بالإضافة إلى أن كل القيادات كانت متخلفة جداً عن عبد الناصر، وبينما كان هو القيادة والدولة في مصر، فإننا في سورية كنا نعاني غيابه عن الدولة وحضوره كقائد..

لقد كانت المشكلة بالنسبة لنا منذ البداية هي كيفية صياغة حركة تستوعب التفاعل بين زعامة تاريخية تستقطب الجماهير وبين عملية تأطيرها واستيعاب وجدانها. إن هذه الجماهير كانت عيونها معلقة على القاهرة ودولة عبد الناصر وكانت هذه الدولة غير ثورية- (الصراعات بين الأجهزة- العقلية العسكرية التي تريد أن تسيطر- القوى القديمة.. الخ)، وكانت قيادة عبد الناصر الثورية لا يمكنها أن تكشف كل شيء أمام الجماهير إلا في حينه.، ومثلما غاب الوسيط- التنظيم- الثوري بين القائد وشعبه في مصر.، مثلما كانت المشكلة أفدح هنا في سورية.. لغياب هذا الوسيط، ولتواجد القيادات هنا وهناك التي تركب الموجة وتتدعي الانتماء لفكر وثورة ناصر..

المسألة باختصار لم تكن سهلة.. ولم تكن الظروف مهيأة.. فالأحداث الجسام متوالية، والموروثات السياسية والتنظيمية معقدة.. ولكننا حاولنا هنا أن نصيغ قدر استطاعتنا هذه الرؤية وتلك الحركة التنظيمية المميزة..

أتت النكسة ثم رحل عنا عبد الناصر، وأصبحت المعاناة واضحة وبصورة أفدح، وأحس الشعب بالضياع.. وراحت القيادات الناصرية بدلاً من سد فراغ غياب الزعيم بقيادة طليعية ثورية.. تبحث عن المخلص المنقذ وبدأ كثير من القوى الناصرية بلبنان تأمل خيراً  في السادات وتراهن عليه حتى بعد أن كشف مخططه وتآمره منذ مايو 1971م، وتعددت المراهنات.. وأغفل الحل النضالي.. والارتباط بالجماهير وبناء التنظيم..

  • بعد هذه المرحلة الطويلة من التجربة والخطأ.. من النضال والمعرفة من الاكتشاف والنقد ما الذي يمكن أن تلخصوه كجيل؟ وماذا تقولون للجيل الجديد من الناصريين؟

□ نحن نقول أننا ممسكون بخط الثورة الناصرية..، نحن الجيل الذي تبلور من خلال حركة التفاعل مع الأحداث والتبدلات التاريخية الكبرى التي كانت في مرحلة قيادة عبد الناصر..، وشهد الإنجازات التي حققها.. والاندفاع الشعبي العارم الذي انفجر في الأمة كلها، لقد كان هناك نهوض لأمة.. وكان هناك خط ومسار ناظم لهذا النهوض أعطى مقومات كانت إيجابية ومنسجمة مع مسار التاريخ بحتميته الإرادية لا الجبرية..

الآن وفي ظل غياب عبد الناصر الذي لعب دور القيادة والحزب الثوري والدولة أيضاً، لا يمكن سد هذا الفراغ الكبير إلا بقيادة قوى طليعية.. جيل ثوري متماسك له هدف وإطار ناظم، ولهذا فإن الجيل الذي نشأ بعد النكسة وبعد حركة الردة ونشعر به يتحرك في أرجاء الوطن العربي، منوط به هذا الدور.. إنه جيل يتحدى اليأس أيضاً لأننا رجعنا لواقع ما قبل الثورة وإن كانت بصيغة أخرى: فالإقليمية عادت والمصالح الضيقة برزت.. ويعاد صياغة نمط جديد من الرأسمالية ينهب الداخل ويصب للخارج.. مستعمرين من داخلنا بسيطرة واستبداد النظم ومن الخارج بالتبعية الثقافية والاقتصادية.

هذا الجيل الجديد مطالب بتحدي اليأس وهو يحمل إرادة التغيير، ودور جيلنا أن ننقل له الوعي بتجربتنا.. وننير له حقائق المرحلة التي عاصرناها مع عبد الناصر بسلبياتها كما نراها نحن لا كما تراها قوى الردّة.. وإيجابياتها العظيمة دون أن نلوى الحقائق أو ندعى ما لم يكن، علينا أن نعطى تجربتنا ونتواصل مع هذا الجيل الجديد لأن الإنسان الثوري لا تنطبق عليه هذه التسمية إلا إذا كان في تواصل ذاتي مع نفسه، وفي تواصل مع الأجيال التالية.. أن ينقل تجربته ومعاناته للجيل الذي يأتي من بعده..

إن هذا الجيل الجديد مطالب بالثورة.. فالوضع الراهن لا يمكن أن يتغير بمجرد إصلاحات وتعديلات في هذا الواقع العربي أو ذاك، بل بحاجة إلى ثورة جذرية.. وهناك الشعب الذي أعطى من قبل ويمكنه أن يعود ويعطي من جديد..

يتبع..