الحرية أولاً , والديمقراطية غاية وطريق

 الــتــقــريـــر الــعـــام للاتحاد الاشتراكي العربي لعام /1968/ القسم الأول

الاتحاد الاشتراكي العربي في الاقليم السوري

=======================================

التقرير العام

للاتحاد الاشتراكي العربي

لعام /1968/

المقدم الى المؤتمر العام الرابع للاتحاد

و المقدم من قبله

القسم الأول

(1)

الحقيقة واحـــدة والخطــــأ كـــثير.. ولا دليــــل إلـــى الحقيقـــة إلا الممارســـة وإلا العمــــل والتطبيــــق .

          ولقـد قـال قـادة أحــد الأحـــزاب الاشتراكــية: إن الحسنات في العمــل السياسي كـثيراً مـا تلقى جزاءهـا، وأما الأخطاء فلا بد وأن تؤدي الثمن دومــاً.. وفي السياسة من الطبيعي أن يخطئ الانسان، وأن تخطئ القيادة أو لا تحسن التقديــر وحساب الاحتمالات.. وإذا كانت هناك أخطــاء قاتلـة، فإن من الأخطاء ما تعّـلّـم وتـدل إلى الطريــق الصواب، بل يكــاد بعض الخطـأ يكون ضرورة للتعلُــم.. فالواقع الإنساني كثيــر التعقيد، وهو صـراع وجــدال بين متناقضـات، ولا يستطيع الإنسان السياسي أن يقول أنه ملك الحقيقــة ما لــم يسلك إليهــا طريــق الممارسة وما لـم يدخــل في الصــراع وما لـم يتعلـــم من التجــربة والخطـــأ.

          والإنسان الثوري هو مناضل جاء ليبدل الواقع، جاء ليكافــح في سبيل بنـاء عالم جديد.. ولكن ثوريتــه ليست مجرد قناعـات وأفكـار وشعارات يحملهـا، أو مبادئ ينادي بهـا، بل ان ثوريته تبدأ حين تبدأ ممارستــه لتلك الأفكـار، حين يلتزم بمشروع للعمل في سبيل التبديل، حين ينخرط في واقع الصراع في مجتمعه، حين يربط مصيره نهائيــاً بمصير الجماهيــر المسحوقة، حين يضـع نفسه بينها يأخــذ منهـا ويعطيهــــا، يتعلــم من تجربتهــــا ومن المسائــل والقضـــايا التي تطرحهــا، ويعلمهـــا من تجربتـــه ويعطيهــا من فـــكره وجهـــده.

          وليس من إنسان يأتي إلى العمل السياسي، ويلتزم بمنظمة حزبية أو مجموعة، إلا و هو يحمل زاداً من الأفكــار والقناعات؛ فيها الغـث وفيهــا السميــن، فيها الحــق وفيها ما ليس كــذلك، أو ما لــم يوضع بعد على محـك الاختبــار؛ فيها الواضح وفيهـــا المُعمــي، والتجربــة هي المحــك، والممارسة هي الحكــم الأول والأخـــير في الإثبـــات وفي النفــي.

إن موقف الانسان الثوري من تجربته ومن أخطائه وعثراتـه هو أهم وأوثق مقياس للحكم على ثوريته ذاتهـا وعلى جدواهــا.. فالذي يكـابــر ويُمـاري في الحق، الذي يُزور الوقائع ليُخضعها لمعطيات فكره المسبقة بدلاً من أن يجعل من الوقائع محكاً وحكماً، ليس ثورياً، بل ولا إنساناً جدياً، وهو بهذا الموقف إنما يتأرجح بين الانتهازي وبين المتعصب، وكلاهمــا يأتي العميل أو الخائن ليلعب بهمـا، أو لينفخ في مصلحية الأول وانتهازيتــه أو في غرور الثاني وعصبيتــه، ليجرهمـا في طريق خيانـة قضيــة الثورة والجماهيــر أو الانحــراف عن طــــريقهـــا.

          والناس أحزاب؛ وقوى التغيير التي تفعل مباشرة في المجتمع، هي قوى المنظمات الجماهيرية والأحزاب، تلك التي تمثل الجماهير وتقودها.. وإذا كان الصراع الطبقي وصراع المصالح والأفكار هو الدافع الأول لحــركــة التاريخ، وإذا كانت إرادة الثــورة، إرادة التغـير الجـذري للمجتمع وللعلاقات الإنتاجيـة فيه والعلاقات الانسانيـة عامة، إنما تصعد اليوم من خلال تفتح وعي الطبقات الكادحة وتقدم وحدتها ونضالها فإن إرادة الثورة و التغيير هـذه لم تستطع أن تشق طريقها إلى فرض سلطتها و تحقيق التغـــيير، وأن تســقط نظمــاً رجعيـة و تقيـم نظمـاً اشتراكية، وأن تحمي هذه النظم وتطورها وتحقق منجزاتهــــا إلا عن طـــريق أداة قيــادة وأداة عمـــل؛ هــي الحـــزب الســياسي.

          لســنا الآن في صدد البحث عن واقع الأحـزاب السياسية في وطننا العربي وعن مدى تجسيدها لإرادة الثورة والتغـيير لدى الجماهير العربية ولا في صدد البحث في نظرية الحزب الثوري الواحد أو الأحزاب المتعددة، أو جبهات الأحزاب، ولا الحزب الذي يمثل طبقة أو تحالفاً طبقياً، وإنما نحن بصدد حقيقة لا بــد من إقرارهـا قبل كل شيء آخــر، وهـي، أن الاتحــاد الاشــتراكــي في الإقـــليم الســـوري حــزب سياسي بكل ما في كلمة الحـزب السـياسي من معنى.. إنه حــزب ثوري حسـب المفهــوم العلمـي للحـزب، أو أنــه مصمم علـى أن يكون ذلك الحزب ذو الأهداف الواضحة والاستراتيجية البينة، والذي يجسد بحــق إرادة الجماهــير الكــادحــة، ويمثــل طلائعهــا الواعيـة المنظمـة الــتي تقــود نضالهــا.

          وإن تأكيدنا على حــزبية الاتحـاد سواء في إطاره الضيق الحالي أو في الإطار الذي يتطلع إليه ويناضل من أجله، إطـار حـركة عربية ثورية واحدة؛ أي حزب، عربي، ثوري، مجال نشاطه و نضاله الوطن العربي كـلـه؛ إن هـــذا التأكيد نقطـة بدايـة لا بـد منهــا، وهـي بذاتهـا تفسر الكثير من التطورات والأزمـات التي مر بهــا الاتحاد والتي كانت تدور حول خلافات تنظيميـة في الظاهر بينما كان عاملها الأساسي الخلاف حول مفهوم الاتحاد، ومفهوم العمل الحزبي ومفهوم العمل الثوري .
لقد ســـاد الأوساط الناصــريـة في سورية، أيام الوحـدة وبعــد الانفصال منطـق رفض الحزبية والأحـزاب.. وكان ذلك تجاوباً مع الأفـكار التي كان ينادي بهـا عبـد الناصـر، وتجاوباً مع أطر العمل السياسي الأولية التي سارت عليها ثــورة 23 تموز.. إن رفض الأحــزاب التي كانت قائمة قبل الثـورة، والتي وقفـت في غالبيتها تعترض طريـق الثورة التي جسدت ارادة الجماهير، وإن ما كشفته الثورة من واقــع تلك الأحـزاب و ولاءاتهـا الطبقية أو الأجنبية انتهى إلى تعميم مفهـوم رفض الحـزب و الحـزبية.. ومن هنا فان الوحدة بين مصر وسورية قامت أيضـاً على أساس حـل الأحــزاب، لا لتندمــج الأحـزاب ذات الاتجاه الواحد ببعضهـا ولا لتنصهر في إطـار حـزب أقـوى وأوسع، ولا ليقــوم بديـلاً لهـا حـزباً ثورياً جــديداً يمثل قيادة الشعب وإشرافه على أجهزة الدولة، بل قــام بديــلاً لذلك الاتحــاد القـومي، ذلك التنظيم الشعبي المُفــرغ من كل محتوى سياسي وثوري فعلي، والمفتوح لجميع القوى بما فيها الرجعية والمُخربة والتابع لأجهــزة السلطة والخاضع لإشرافهــا، لا المشرف عليهـا والمراقب لهـا، وفي هذا الاطــــار اللامحـــدود تبعثرت قــوى الجماهــــير الثوريــة وضاعــت معالـــم الثـــورة.

إن المنطق الذي أقيم على أساسه الاتحـاد القومي هـو أولاً أن الوحدة قامت بالإرادة القومية لقوى الشعب كلــه والإطار السياسي لدولة الوحدة هـو جميع هذه القوى التي أرادتها.. ولم يُستبعد من هذا الإطار إلا الحـزب الشــيوعي لــولاءاتــه اللا قــوميــة ولمــواقفــه المعـــاديــة لدولـــة الوحــــدة.

لقد أقصي تحالف الاقطاع مع رأس المال عن الحكم، وعُزلت بعض الرؤوس السياسية للإقطاع ورأس المال عن العمل السياسي وعن الاتحـاد القومي في مصر ولم تُعزل عنه في سوريا.. ومفهوم الصراع الطبقي الذي أتخــذ تبــريــراً لحل الأحــزاب ولــرفض الحزبية باعتبار أن الحــزب يمثل مصالـح طبقة ووجــود الأحــزاب يــزكــي الصــراع ويــؤدي للصــدام الطبقي؛ هــذا المفهـوم لـم يجــد ذلك الحيـــن صيغــة حــل صحيحــة وواضحــة.

          إننــا نعــرف جيــداً أن قيادة الثورة قد قامت بنقــد ذاتي بعـــد الانفصـــال لتـلك التجــربة، وأن ميثاق العمل الوطني للاتحــاد الاشتراكي بعـد الانفصال لتلك التجربة، وأن ميثاق العمل الوطني للاتحاد الاشتراكي قد وضع الاطار الصحيح للعمل الوطني وللقاعدة الجماهرية التي يستند إليها النظام الثوري، والقائمة على تحالف قوى الشعب العاملة.
ومـا جــــاءت هنا تذكـرتنــا بتـــلك التجربـــــة إلا لأن عـــدداً من العناصـــر التــي كانت في قيــــادات الاتحـــاد (( والتي تجمّع أكثرهــا في الفئة التي كانت للاتحـــاد أزمته عـام 67 معهــــا والتي انتهـــت بخروجها من الاتحـــاد )) هي وليدة تلك التجربـة.. وقـد ظلت تحمل عقليتها ليس فقط في عدم استيعابها لمفهـوم الحــزب الـــثوري، وممارستهـا للعمل في الاتحـاد وكأنـه جمعيـة خيريـــة أو جمعيــة ثقافيـــة يقتصر همهــا على إصـدار أو طباعة نشرات، بل وفي عدم استيعابها لجميع الأبعاد الفكرية والنضالية التي ارتفعــت لها قيــادة ثورة 23 تمــوز بعد التحــويل الاشـتراكي والأخذ بالاشتراكية العلمية وبواقع الصراع الطبقي للمجتمع وتجسـيد هـذه الثورة لإرادة الجمــاهير المسحوقـة والكادحـة ولتطلعاتهـا إلى التحـرك الكلي .. إنهــا عقول متخلفـة توقفت عند مرحلـة وكان لها مكانها في تلك المرحلة، وتجاوزت الثورة تلك المرحلة، وكان من الضروري أن تتجـاوز تلك العناصر أو يتجاوزوا أنفسهم، ولكنهم حملوا اسم الناصـــرية، وانتصروا للوحـدة وعودتهـا وكان ذلك كافياً لأن يتقدموا على رأس القوى الوحدوية بعد الانفصال، مع رفضهـــم المستمـــر لأن تصــبح تلك القـــوى حـــــزباً أو منظمـــة ثوريــــة.

والانفصـال ذاته قد ولّد بالفعل حركة جماهيرية واسعة و قوة ضده، وخلق كتلاً وتجمعات ناصرية، ولكنها جميعها ظلت تحت وطـأة تلك الفكرة المسبقة التي سادت، فكـرة اللاحزبية ورفض الحزب.. كانت القوى الناصرية تتجمع حـول قيادات وحـول أشخـاص، ولم يكن ولاءهـا لتلك القيادات والأشخاص بل كان ولاءها عاماً للوحدة وعبد الناصر، ولم تأت تلك القيادات على رأسها بشكل نظامي، أو عن طريق الاصـطفـاء النضـالي، بل جاءت مصادفـة أو لمجـرد كونهـا كانت في منصب معيـن أو مكان معين أيـام الوحـدة.. بل وبعد التجارب المريرة التي مر بها النضال الوحدوي إبان الانفصال الرجعي، والانفصال البعثي بعـد /8/ آذار وبعـد حوادث 18 تموز الدامية، وعندما أصبح واضحـاً وضوح الشمس، أن فشل القوى الوحدوية لم يكن ناشئـاً عن قـوة أعدائهـا وشراستهـم وحسب، بل كان مصدره الأول تشتت هـذه القوى وتمددها وتخلف قياداتها، وانقسامها، عندها وعندما تـولـدت الضرورة لقيـام المنظمة الوحدوية في سورية، لقيام الاتحـاد الاشــتراكي، ظلت تلك الفكـرة، فكرة رفض الحـزب والتنظيـم الحـزبي، ظلت سائـدة لدى الكثيرين ممن جاؤوا إلى الاتحاد، فجاؤوا إليه على أنه ليس حزباً بل شيئاً يقوم على غرار ما هو قائم في المتحدة، والمتحدة فيما تعلن كانت ترفض على الصعيد الرسمي فكرة قيام الدولة على حزب سياسي، وعلى أساس ذلك المنطـق السابـق الذي كان يحـلل واقـع الأحـزاب في مصـر، سواء من حيـث تعبيــرها الطبـقي أو ارتباطاتهــا الخارجيـة أو من حيث تصارعهـا على السلطة وتصادمهـا، وتمزيقهـا الوحـدة الوطنية للشعب، تلك الوحـدة الوطنية الضرورية لمواجهـة الاستعمار والتـخلف والرجعيـة.

وعلى أســاس رفـض فـكرة الحـزب والتنظـيم الحـزبي، فإن المجموعات والقوى الوحدوية كانت تنتظم تحت اسم حركات وجبهات.. وهـذا لم يكن في حـدود الاسم فقط، بل انعكس أيضاً على الفكر والعلم وطبيعـة التنظيم.. فالفكــر ظل في حدود الشعارات العامـة، والعمل ظل بلا إطار واضح ولا حدود، مما أبقى على الأضداد تتعايش من غير أن تعرف أنها أضداد، والأفكار المتناقضة تتلاقى من غير أن تعرف أنهـا متناقضة.. وعدم التنظـيم الحزبي، وعـدم إقامة هـذا التنظـيم على قـواعد ثورية وعلى مسؤوليات قيـاديـة محــددة، أبقى تلك القــوى الوحدويـة، تلك القوى الجماهيريـة الكبرى، مبعــثرة مشتـتة.. نعم إنها تحـركت وكانت تتحـرك في بعض الظروف كتلة واحـدة، وتنزل إلى الشوارع بقـوى جماهيريـة هـائلة ثائــرة، هكذا نزلت بعد ضربـة الانفصال وهكـذا نزلت بعد /8/ آذار تطالب بعودة الوحدة، ولكن فقدان التنظــيم الحـزبي والثـوري لها جعلها تعـود وتتشتت عندما وجـّهت لها الضـربات اللئيمـة الساحقـة من سلطـــات الانفصــال ومــن سلطــات البعــث.

          ورفّض فكرة الحـزب والحزبية كان يستند إلى شيء من الرفض أو من التجاهل للبناء الطبقي للمجتمع وللقاعدة الطبقية لبنـاء التنظيم الثوري، لقد كان واضحاً أن الجماهر العمالية والفلاحية هي التي تشـــكل بالأسـاس قاعــدة النضال الوحـدوي، ولكن تلك القيادات الناصــرية والتي كانت تحتمي برايــة عبد الناصر، والتي كانت في غالبيتهـا الساحقـة متخلفـة عن فكــر عبد الناصر بل وعـن منجزاتـه، تلك القيادات كانت في غالبيتهــا لا برجوازيــة التكوين الطبقي فحسب بل وبرجوازيـة التفكير أيضاً، وكأنه كان بحسبانها أن بمقدورها أن تقود الجماهير الناصرية لمجرد أنها تعلن ولاءهـا للوحدة وعبد الناصـر.

          وكانت هــذه البنيـة البرجوازية لتلك القيادات تنعكس على تفكيرها الاشــتراكي وعلى نظرتهـا للاشتراكية وكأنها شيء ثانوي ومضاف للعمل الوحـدوي.. أو لـم تكن بعض تلك القيادات الناصـرية أن عودة الوحـدة وامتدادهـا كان أمراً سهـلاً وميسوراً لـو أن عبدالناصر أوقف إجراءاته الاشتراكية؟ أو لم يكن بعضهم يخافــون من التركيز على البحث الاشـتراكي، أو يقولـون أن القضية التي تعنيهم هي قضية الوحـدة أولاً، وكأن من الممكن اليوم أن تفصل قضية وحدتنـا القومية في شيء عن قضيتنا الاشتراكية؟

          ورفض المفهوم الطبقي لبناء العمل كمـا قلنـــا، كان يعني بالضـــرورة، وأياً كانت الادعاءات والأقــــــــوال، رفــض التنظــــيم الثــــوري.

          في أيار عـام 1965 قبيل المؤتمر الثاني الذي عُــقد للاتحــاد الاشـتراكي الســوري في القاهرة اجتمع أعضـاء المكتب السياسي لهــذا الاتحــاد بالرئيس عبد الناصر، والمكتب السـياسي كان أول قيـادة قامت للاتحـــاد من مؤتمــره التأسـيسي الأول في تمـــوز عام 1964.. وبعض أولئك الاعضاء ممن لم يأخــذوا بالاتحـاد كحـزب، كانت مُباغتـة لهم أن يحدثهـم عبد الناصر عن الاتحاد كحزب سياسي، وعن ضـرورة التنظـيم الثوري الحـزبي، وأن يحدثهم عن الفارق الأساسي بين الاتحاد الاشتراكي في المتحدة الذي يقــوم على تجميع وتحـالف وبين الاتحـاد في سورية الذي يقـوم ليواجـه سلطـة حزبيـة معاديـة له وأحــزاباً أخرى قائمة.. ثم إن الاتحـاد الاشـتراكي في المتحــدة إذا لم يكن حـزباً بل تحالفاً لقوى الشعب العـاملة؛ فقد كان رأي عبد الناصـر واضحـاً بأن هذا الاتحـاد لا بد أن يقوم في داخله وعلى رأسه تنظيم ســـياسي يحــمل بالضــرورة تكويــن الحــزب ومفهــوم الحـزب.

أمـــا لمــاذا لـــم يقــم هـــذا الحـزب في المتحـــدة حتى الآن فهــذا ما سنــأتي على بحثــه أيضـاً في هـذا التقــريــــر.. والـواقـــع أن عـــدم قيامـــه مــازال ثغرة في المتحــــــــدة.
إن مشكلـة التنظــيم السـياسي، كانت ومــــــازالت مـن المشاكل الأساسيــة التي تواجــه القيـادة الثـــوريـــة للمتحـــــدة.. لقــد عالجهــا الميثــاق عنــــد بحثـــه في الــــديمقـــراطيـــة حيـــن قـــــــــال:

’’ إن الحاجــة الماسة إلى خلـق جـهاز سياسي جـديـد داخـل إطار الاتحاد الاشتراكي الذي يجند العناصر الصالحة للقيادة وينظم جهودها ويطـور الحوافز الثورية للجماهير ويتحسس احتياجاتهـا ويساعد على إيجاد الحلــول الصحيحة لهـا…‘‘ ومـا كان عبد الناصـر يقصد بهذا الجهـاز السياسي إلا إقامـة الحـزب الثوري، ولـو أن الميثاق ومـا جـاء بعــد الميثاق لـم يطــور هـذه الفكرة بالقدر الكافي ولم يعطهـا ثقلها العملي.. وفي محادثات الوحــدة عام 1963 كان موضوع التنظـيم السياسي يتصـدر جميع المسائـل في البحـث.. وكذلك الأمـر عندما طرح عبد الناصـر في العام ذاتــه شعــار ’’ الحركة العربية الواحدة ‘‘ أو عندما طرح بعـد ذلك صيغ تلاقي ووحدة القوى الثورية.. ولكن بعض القيادات الناصرية في سورية لم تستوعب هــذه القضايا أو لـم تُـــرد أن تستوعبهـــــا.
والــواقع أن عبد الناصــر ووراءه الضباط الأحـرار، قــد قامـوا بثورة 23 تمـوز جــاؤوا إلى السلطة بتنظــيم سياسي أقامــوه داخل الجيش وهــو في واقعــه حـــزب ســياسي، أو هــذا ما قالــه عنـه عبد الناصــر في محادثات الوحـدة، وإذا لم يكن بالحـزب الجماهيري الذي نشأ بينها فلقد تعلمَ من تجربة الجماهير وتحدث باسمها.. لقـد اصطدم ذلك التنظيم بواقع الأحزاب في المتحدة، وكانت له تجربة معها بل وأراد مشاركة بعضهـا، ولكن منجـزات الثورة وتطلعاتهــا كانت قد تجـاوزت جميع تلك الأحزاب، ســواء من حيث الأفكــار والأهـداف، أو من حيث المنجـــزات والتطبيـــق.

          والواقع أيضاً أن قيادة عبد الناصـر لعبت دوراً كبيراً وهاماً، فلقد كان هناك منذ البداية تجاوب كبير ومباشر، وكان هناك تفاعل مستمر بين هذه القيـادة الثوريـة المنظمـة ’’ الضباط الأحرار ‘‘ وبين القاعـدة الواسعة للجماهير الكادحة ومن خلال هـذا التجاوب والتفاعل طـور عبد الناصر أهداف الثورة وعمّــق أبعادها، وعلى قاعدة واسعة من دعم الجماهير أقام النظام الثوري الجديد في المتحدة دعائمه وركائـــزه، وخـرج عن كونه حركة الضباط الأحـرار، وحـركة البرجوازية الوطنيـة ضد النظام الملكي المتواطئ مع الاستعمـــار، ليكون حركة لجماهـير الشعب، وثـورة حقيقية تبدل المجتمع وتبدل علاقات الانتاج وتسير على طريق التحويل الاشتراكي وتنفتح على الوطن العربي آخذة أبعادها القومية، وعلى العالــم آخـذة أبعادهــا الانسانيـة التحرريــة.

          وفي القمــة نهضت قيادة عبد الناصـر الفــذة، القيــادة الثورية المتقدمـة المنفتحة على الجماهير وتطلعاتها، والمنفتحة على جميع الأبعــاد الثوريـة لهذا العصــر.. ولكن وبمقـدار ما كانت هذه القيادة الثـوريـة تُـــرسخ دعائم حكمهــا في الداخــل وبمقـدار ما كانت فُسحة دعوتهـا تتسع لتلقى تجاوب أوسع الجماهــير العربيـــة، من خـــلال معــارك نضــالهــا الوطني، كانـت الحـاجـة تتعمــق لوجــود التنظـــيم الســـياسي الشـــعبي لهــــذه الثــــــــــورة.

          لقـد تخلفت جميع الأحزاب المصرية السابقة للثورة عن أهداف هذه الثورة وعن المستوى الذي طرحت فيه، قضايا الشعب، فتجاوزتهـا الثورة ولم يعـد موضع بحث بالنسبة لها أن تستند إلى أي واحـد منهـا أو إلى جبهـة منها في بناء تنظيمهـا السـياسي.. وانحـلت كل الأحزاب وزالت، بل إن ما بقي منها في السر، كمنظمة الإخوان المسلمين، أخذ موقف التآمر الإجرامي الخائن على الثورة وموقف معاداتها.

          لقد أخرج عبد الناصر غالبية أعضاء منظمة الضباط الأحرار من الجيش، لتقود العمل السياسي وأجهـزة الدولة، ولكن واقـع الأمـر أن قلـة منهم استطاعت أن تواكب مسـيرة عبد الناصر الأيديولوجية الملتزمــة بمصالح الجماهــير الكادحة وتطلعاتهـــا، بينما انتقلت غالبيتها الى العمل السياسي تحمل معها عقليتها البيروقراطية وفكـرها البرجوازي الصغير المتردد وغير الملتزم، فأقامت من الأجهزة الخاصة بديـلاً عن الجهاز الحزبي السياسي العام، وأقامت بين الجماهير وقيادة الثورة فاصلاً وعازلاً.. وهكذا لم يتم اعتماد القيادة الثورية على منظمة ثورية جماهيرية، بل أخذ العمل السياسي صيغة التجمع الوطني لجماهير الشعب، ســـواء أخذ ذلك الإطــار الأولي العام في الاتحـاد القومي، أو ذلك الاطـار الوطني في صيغتــه المتقدمــة، صـيغـة تحـــالف قـوى الشــعب العاملة في الاتحـــاد الاشــتراكي.. وغيـــاب التنظيم الحــزبي، جعل الاجهـــزة البيروقراطيــة تحتل محل سلطة الشعب، وبخاصة البيروقراطيـة العسكرية.. واليـــوم وبعـــد النكســة نستطيع أن نلمس مــدى الأذى الذي ألحقتـــه تلك الأجهــزة بالثــــورة.
لقـــد وقــف عبد الناصــر في خطابــه الأخـير في مجلس الأمة، وقف ليقول: ’’ لقد سقطت دولة المخــابرات ‘‘ ومن قبلها وقـف في 23 تمـوز في أعقاب المعركة الحربية الخاسرة، وقف ليبشر بانتهاء دور القيادات التي تصـدت للعمل منذ فجــر ثورة 23 تمــوز، أي ليبشـر بانتهاء هيمنة تلك البيروقراطية العسكريـة.. والأمل الكبيـر اليوم، أن يقـــوم في المتحـــدة التنظيم الســـياسي، حـزب الجماهـير الكادحة بقيــــادة عبد الناصــر.

          لقد كان واضحاً، أن عبد الناصـر- وبعــد التجربة المريـرة لنكسـة الانفصال- اتجــه بتفكيره وتخطيطــه العمـلي منحـى ثـورياً جــديـداً.. ولقــد تبلــور ذلك أول الأمــر في ميثــاق العمــل الوطــني وفي الاتحـاد الاشــتراكي كقاعـــدة للحكم الثـوري يستند الى تحـالف قـوى الشعب العاملة ولكن التنظيم الســياسي القـــائد لهذا الاتحــاد لــم يقــــم.

          فـفـي عـام / 63 / أطلــق عبد الناصـر شـــــعار الحـركة العـربيـة الواحــدة كقــاعــدة للثـــورة العربيـة الواحــدة، وكــأداة لا بــد منها لتحقيـق الوحـدة القوميـة ولبنـاء وحمايـة دولتهـا الاشـتراكيــة.. وكان هــذا أيضــاً يحمل تـطــوراً كـبيراً، يحمل مفهوم وحـدة الثورة العربية ووحـدة أداتها، أي الحزب الثـــــوري.. ولكـــن هـــذا أيضـاً لـم يلّــقَ خطواتــــــــه العمليــــــــة.

          وإن اتحــادنا الاشـتراكي نفسه عنـدما قـام في تموز عام / 64 / وأعلن بيانه التأسيسي ملتزماً بأهــداف الثـورة العربيـة الواحـدة وبقيـادة عبد الناصـر وليكـون في سوريـة نـواة لتلك الحركة العربية الواحــدة، فإن واقع تكوينـه الأول وبداياتـه لـم تأخـذ انطلاقـة صحيحـة على هــذا الطريـق، ولـم يـــأت دفعـــاً موثــوق الخطوات نحو ذلك الهــدف، إذ هـو جـاء في طابعـه بل و في مضمونه من حيث التنظيم و القيادات، جــاء وهـو يحمل آثـار الماضي وتناقضاتـه ورواسبـه أكــثر مما يحمل تطلعات المستقبل.

          وهكذا فقد ولـد الاتحاد لا كحـزب ثوري للجماهير الوحدوية، لا كحـزب طلائعي واضح الاطار والتكوين، موحد الفكر والنهج، بيّـن الطريق والأسلوب، بل ولد وهو يحمل في طياته جميع تناقضات الحركة الناصـرية في إطارها العريض في سورية وجميع رواسبها وانقساماتها.. لقد كان بين القياديين الذين أسـسوا الاتحـاد وبين القواعد الواعية التي التزمت بـه عناصر أرادت منذ البـدء أن يكون الاتحـاد تنظيماً حزبياً ثورياً، ولكنها وضمن ظروف وعوامل متعـددة، لم تصمد لإغراءات العمل السريع الذي يتوقــع تغييرات مستعجلة يريــد أن يغطيها بهـذا العمل وهكــذا ما لبثت أن غرقـت في هـذا الخضـم من التناقضـــات.. ولقـد كان بمقدور تلك العناصر أن تصمد كتلة واحدة في وجه تلك التناقضات لتبددها، ولكن بعضها تخلى أو تعب وقعـد، وبعضها فضل تغـذية منظمتـه السابقة أو مجموعتـه الوحدوية السابقة داخل الاتحــاد لينتهي بالخروج بهـا من الاتحاد.. ولكن البعض أيضاً صبروا وصابروا موقنين أن لدى القواعد الجماهيرية للاتحـاد طاقة ثورية حقيقية لا بــد وأن تفـرض في النهاية الطريـق السليــــم.

ولقـــد كان على الاتحــاد أن يقطـع أكــثر من ثلاث ســنوات من عمــره، وهو في صراع مع تناقضاته الداخلية ورواسـب المــاضي، ليصل في النهــاية إلى صيغتــه الأخـيرة كحــزب له اطاره الواضح، هذه الصيغــة التي جئنــا اليــوم لنثبتهــــا في هــذا المــؤتمـــر.
لقــد تحدثنا في البـدايـة عن الممــارسة وأنهـا هي المحك وعن التعلم من التجربة والخطأ.. وأمـامنــا هنــا في الاتحـاد تجربة لا بـد أن ننصــب على دراستها وعلى نقدهــا، لأن استيعابهـا والتعلــم منها هـو وحـده الضمانـة لتجاوزنا لهـا، وللدخـول في مرحلة جديدة من البنـاء والعمل والنضــال.
و لقــد أكــد نظامنـا الداخلي في مبادئـه الأساسية أن النقد والنقد الذاتي هما قاعدة أساسية للعمل الثوري، وعملية النقد هـذه تأتي في مطلع جـدول أعمـال اجتماعــات كل مرتبـة من مراتــب التنظــيم.. فالإنسان الذي يكابـر دوماً في أخطائه ويبررها لنفسه وللآخـرين، إنسانٌ متوقف، لا يستفيد من التجربة ولا يتقــدم إلى الأمــام.. وكــذلك المنظمة أو الحـزب.. والمنظمة أو الحـزب ليس شيئاً مجرداً، بل هو قيـادات تحملت مسؤوليات وقامت بأعمــال، وسـارت على درب ونادت بأفكـار ولا بـد لهـا أن تؤدى حســاباً عن ذلك كله.. وعمليـة النقـد الــذاتي هي عملية بنـاء لا عملية تدمير ولـو أنها تدمر بالضرورة الخطــأ والفســاد لتبني الطريـق الصحيحــة، فهي دافـع حيــوي للتحـــرك إلى الأمــــام.

          وأن موقـف الحـزب من أخطائــه هـو أهـم وأســلم مقياس للحكم على مدى جديـة هـذا الحزب ومـدى ثوريتـه ومـدى ديمقراطيتـه وعلى مـدى إيمانـه بالجماهــير ومـدى تأديتــه لــدوره بيــن هــذه الجماهـــير التي تنطـــع لقيادتهــــا.

          إنــه الطليعة، ولكنه كمنظمة ثورية ليس بطليعة فوق الجماهير بل هو دوماً بينها وفي صفها.. إنــه يتقدمهـا ولكـــن على خـط سيرهـا دون أن يبتعـد أو يحيـد عنهـا.. والحــزب الثــوري هــو الـــذي يكــون بالفعــل أداة وعي الجماهــير؛ عينهــا التي تبصـر وتبلــور تحركهــا العفـوي وتطلعاتها العامــة في صــيغ عمليــة وفي شــعارات نضاليــــــة.

          قـد تسكت المنظمة الثورية في بعض الظروف المحــددة عن مكاشفــة الجماهير بخططها وبكل ما تعمـل، ولكن هـذا السـكوت لا يجـوز أن يطول وإلا انغلــقت المنظمــة على نفسهــا وفقـدت صلتها الحيــة بالجماهــــير، أي صلتهــا بمعينهــا ومصـــدر طاقتهـــا الثوريــــــــــة.

          إن المكاشفــة العلنيــة  والاعـــتراف صـراحـة بالأخطــاء ومناقشـة أسبابهــا وتحليل العوامل والأوضـاع التي أدت اليهــا، وتمحيص وسائل تصحيحها والتغلب عليها، هو الدليل على جدية الحزب الثوري وعلى قيامــه بدوره كقائـد وكـمُثـقِّف للجماهـير.. فبهذا النقد الذاتي المعلن يدلل عن قدرته على استيعاب أخطائـه والتغلب عليها، وبـهذا النقـد يُغني تجربتـه ويُغني تجربـة الجماهــير، ويفتح وعيهــا ويعــزز روابطـــــه الوثقى بهــا ويعــزز ثقتهـــا بـــه.

          والنقــد يجب أن يوجه للجماهير نفسها أيضا، فلا يجوز مخادعتها والاستسلام لما نراه متعجلاً أو انفعاليـاً في نداءاتهــا ومطالبهـــا.. كـــلا لا يجوز اللعب بأهـواء الجماهـير،  ولا الانسياق مع بعض دوافعهــا الناجمـة عن إثارة العصبيـات والتحريض، بــل لا بـد من وقفــة ناقـدة وصـارمـة أمام جميــع الانفعـــالات والعصبيـــات، لكشفهــا والتنبيــه إلى مخاطـــــــرهـــــا.

          وقبـل الدخول في الحساب عن تجربـة الاتحـاد الماضــية وأزمــة عــام /67/ التي مـر بهـــا، والتي يمكن تسميتهـا خلاصــاً لا أزمـة.. نورد هذه الكلمة المعبرة التي جاءت في كتاب المكافح الثوري القتــيل، ’’ تشي جيفارا ‘‘:

” إن طريقنــا طويلــة، وهـي مـــازالت في قسم منهــا مجــهولـة .

كثيراً ما نحتاج إلى التراجـع إلى الوراء فاذا تعجلنا أحيانا في المضي الى الأمام ننعــزل عن الجماهــير، ولكننـــا وفي مناسبـات أخرى، إذا ما أبطـأنا السير أكثـــر مما يجب شــعرنا بالجماهــير وهي تـدعس على أعقـابنـا.. ونحن كثوريين نحــاول أن نحــث الخطى بأقصى ما يمكن من السرعة لنشــق الطريــق ولكننــا نعلــم علــم اليقن أن علينــا أن نتغـذى من الجماهـير وأن هـذه الجماهـير يصبـح بمقدورهــا أن تتقــدم بسرعــة لوحدهــا اذا مـا أعطيناهــا من أنفسنــا القــدوة والمثــــل.‘‘

         يتبع..