الحرية أولاً , والديمقراطية غاية وطريق

حوار شامل مع الدكتور جمال الاتاسي عن الناصرية والناصريين / 1- 9 /

     

مجدي رياض 

الإهداء
إلى روح شهيد الأمة كمال رفعت
وروح شهيد العروبة عبد الهادي ناصف

أولاً: المقدمة

بسم الله الرحمن الرحيم

  • عندما بدأت المضيفة الجوية في الاعلان عن اقترابنا من مطار دمشق الدولي.. بدأنا في ربط الأحزمة والتوقف عن التدخين، نظرت في النافذة متلهفاً على روية المدينة ونحن نقترب منها رويداً …، وانتابني شعور جارف لا يدركه إلا من زار الشام أو دمشق ..

فمن لم يزر الشام كما يعرفها شعبنا العربي في مصر والمغرب- أي بلاد المشرق العربي- ومن لم يزر الشام كما يعرفها شعبنا العربي في سوريا ولبنان والأردن- أي دمشق- لا يستطيع أن يدرك أو يعبر بالكلمات وعلى وجه الدقة :

■ ماذا يعني الشعور القومي والوحدوي؟

■ ولا يستطيع أن يشعر بحرارة القومية الملتهبة.. وببرودة الاقليمية المتجمدة..

لقد صدق المرحوم عبد الكريم زهور عندما تحدث في حفل استقباله كعضو بمجمع اللغة العربية ( وهذا البلد- الشام- كم في باطن أرضه وعلى وجهها بعد من شهيد في سبيل هذه الأمة وإسلامها ولغتها) ومن خلال رصد تاريخي يؤكد بأن ((على أرض هذا البلد دارت معركة الوحدة العربية مرتين، مرة في عهد محمد علي (1831- 1840) وأخرى عشناها في ( 22 فبراير 58 – 28 سبتمبر 1961) ويصل إلى أن المعارك الفاصلة في تاريخ الإسلام والعروبة عندما تحيق بها الأخطار كانت تتم على مقربة من دمشق ويخلص إلى أن ( في التاريخ أحداثاً وظواهر هي إشارات ورموز تكشف عن أقدار المدن، و للأمصار كما للأشخاص أقدار) ..

تذكرت هذا كله وتذكرت زياراتي الأولى لدمشق في تلك الدقائق التي تسبق هبوط الطائرة إلى أرض المطار، والتي ينتاب فيه الجميع ترقب وقلق ما يلبث أن يزول مع انطلاق الطائرة على الممر الأرضي..

*  *  *

  • في الطريق نحو الخروج من المطار الدولي ذي الطراز المعماري العربي الاسلامي وبعد انهاء الاجراءات الروتينية تصافحت مع الفوج السياحي اليوناني وتواعدنا على اللقاء يوم الرحيل، فلقد قررت أن أنفصل عن برنامجهم بسبب هذه المهمة الصحفية التي أتيت إليها خصيصاً، ولكنني استفدت من انضمامي لهذا الفوج القادم من أثينا بتذكرة مخفضة وببعض النشرات والكتيبات عن معالم سوريا السياحية قرأتها في الطائرة ومازلت أحتفظ بها، لقد اطلعت على جانب هام أهملته بغير قصد مني في رحلاتي العديدة.

المسافة من المطار إلى العاصمة طويلة نسبياً، بدأت اقرأ داخل “الباص” بعض المعلومات التاريخية عن الشام ووقفت عند بعض التعريفات لأصل التسمية وتحديد المنطقة:

□ قيل أن الشام كان يقصد بها قديماً سوريا الطبيعية غير المقسمة- لبنان وسوريا والاردن وفلسطين- ((وعرف العرب قديماً اسم سوريا لبلاد الشام، فقال البكري: سورية اسم الشام، وقال المسعودي: سورية هي الشام والجزيرة، كما ورد ذلك في كتب أخرى، وأطلق اسم الشام على دمشق وحدها وهو من باب إطلاق العام على الخاص))(1).

□ وقيل أن العرب أطلقوا عليها دمشق الشام (والشام كما يقول البعض هي مدينة شام الابن الثاني لنوح حسب رواية التوراة والذي منه تحدر الكنعانيون)(2).

□ ولكن الموسوعة السياسية تؤكد على أن أصل التسمية سببها أنها (تقع على مشأمة القبلة أي ميسرتها وتشكل مع العراق الهلال الخصيب لشبه الجزيرة العربية أو حزام الواحات الشمالي مقابل اليمن السعيد في الجنوب(3) يحدها من الغرب بحر الشام- المتوسط- ومن الشرق البادية ومن الشمال الأناضول ومن الجنوب حد مصر (وبتعبير آخر هو القطر الممتد من سقي النيل إلى سقي الفرات ومن سفوح طوروس إلى أقصى البادية(4) أما دمشق فقد كانت على لوحات ماري: آبوم وفي العصر الحثي: آوبي، وفي العهد الآرامي: آرام ثم دمشق )(5).

  • هذه هي الشام- سوريا الطبيعية- حدودها وأصل تسميتها وهذه هي دمشق عاصمتها أو قلبها الذي حمل اسمها قديماً.. وحمله بعد التجزئة حديثاً ليذكرنا دوماً بالتاريخ.. وبالاستمرارية.

                                            *  *  *

  • استمر “الباص” في سيره.. واقتربنا من المدينة، كان الليل يلامس أطرافها على استحياء. فبدأ يتلألأ جبل قاسيون من بعيد، اخترقنا شوارع العاصمة وهبطنا في المحطة الأخيرة، انتقلت بالتاكسي إلى منطقة البحصة وقريباً من فندق الشام اخترت فندقي، وضعت الحقائب بالغرفة ثم قمت بالاتصال تليفونيا بالدكتور جمال وتواعدت معه في اليوم التالي..

قررت الخروج للعشاء على ضفاف بردى.. هناك على الطريق إلى بيروت ومع تعرجات النهر تقوم سلسلة من المطاعم والمقاهي في أحضان التلال ومع ينابيع المياه، في الطريق تحدثت مع السائق فإذا به ينطلق بعاطفة جياشة في حديثه عن مصر والعروبة والوحدة، وفي المطعم رحب بي صاحبه وزاد ترحيبه عندما أدرك أنني من مصر… وجلس معي وراح يتحدث عن ذكريات الوحدة- 1958- وأمنياته بعودتهـا وعودة الأمة العربية الى وحدتها الطبيعية.

هكذا تجد الحديث الوحدوي في سوريا.. هو الهم اليومي.. والعاطفة الجياشة في وجوه وكلمات المتحدثين رغم ثقافاتهم المختلفة ورغم تفاوت أعمارهم، فتلمس حقيقة رضوخ عبد الناصر لمطالب “الشوام” بضرورة الوحدة الفورية بالرغم من قناعته بضرورة التحضير لها، وتدرك بوعي تلك العبارة الموجزة والتي تحولت إلى شعار سياسي يلخص التاريخ عندما قال أن “دمشق قلب العروبة النابض”.

■■ هل يكمن السبب وراء هذا التأجج القومي في موقعها الجغرافي كواحدة من مدن الشام بصفة عامة- حزام الواحات الشمالي للجزيرة العربية- أو بصفة خاصة كمدينة أولى في مدن الشام منذ القدم  فهي حاضرة تلك البلاد وقاعدتها ومدينتها العظمى.. فهي منذ نشأتها مركز تجاري هام ومحطة كبرى من محطات التجارة بين الشرق والغرب، لذلك ظلت ذات مركز سياسي متميز عبر تاريخ طويل(6).

□ فيما بعد ومن خلال هذا الموقع كانت عاصمة أول امبراطورية عربية- أموية- وعندما انتقلت الخلافة إلى بغداد أو مصر وحتى استنبول، ظل موقعها ودورها التجاري جزءاً هاماً من حركة وسياسات عاصمة الخلافة.

□ وهل كانت حقيقة الموقع الجغرافي وارتباطه بأمن مصر هي التي اكتشفها الغرب مبكراً حين أدركوا أن مفتاح بيت المقدس موجود في مصر وأنه إذا أراد الصليبيون أن ينعموا بحياة آمنه في بلاد الشام عليهم أن يسيطروا على مصر أولاً(7).

□ هذا الارتباط الجغرافي الأمني هو الذي وقف وراء المعارك الفاصلة والمصيرية في تاريخ مصر وجعلها تدور فوق أرض الشام حيث خط دفاعها الأول وجعل الشام دوماً في غمار المعارك المُنقذة للعروبة على حد قول عبدالكريم زهور، وجعل الوحدة الاستراتيجية بين الشام ومصر ضرورة جغرافية وحياتية كما يرى د. جمال حمدان(8)، مما جعل باتريك سيل يرى أن الاستيلاء على سوريا يعني في النهاية الاستيلاء على المشرق ككل… بل والمنطقة بأسرها(9).

■■ ومن زاوية أخرى.. قد يكون هذا الهاجس القومي رد فعل طبيعي ومشروع لظاهرة التفتت والتعدد الطائفي والديني بل واللغوي في بعض الاقليات- أكراد وأرمن وتركمان- داخل الكيان الشامي- سوريا الطبيعية- أو الكيان السوري- قلب الشام-، فالأقليات وتعددها في الوطن العربي ظاهرة منتشرة.. ولكن تتفاوت نسبتها وانتشارها وتجانسها من اقليم لإقليم، فبينما لا تمثل 15% في مصر وتونس وليبيا والاردن.. الخ ولا تشكل بؤرة لعدم الاستقرار في تلك الدول، نجد المسألة أكثر تعقيداً- وتعدد- وبنسبة أكبر- 35%- في دول كسوريا والعراق والمغرب… الخ…، ويتهدد الاستقرار السياسي حيث يُعزى إلى تعدد وتعقد وتداخل محاور الاختلاف الثقافي كما هو الحال مع سوريا(10).

إن الانكفاء الاقليمي يعني تفجر الخلافات الطائفية واللغوية والدينية، بينما الارتباط القومي… المشروع الأكبر والأرحب يعني جذب الكيان الاقليمي كوحدة مترابطة إلى حد كبير، فالمنطقة تحوي فسيفساء من الفئات تزيد من خاصيتها الخلافات الدينية(11) وبدون الوحدة العربية سوف تتشرذم إلى قطع زجاج متناثر ومتناحر..، والذاكرة التاريخية تعي حوادث الفتن والصراعات… وتعي الدور العثماني وفيما بعد الدور الأجنبي قبل وطيلة الانتداب في منح الامتيازات للأقليات أو تأليبها أو تفجير الصراع الداخلي…، بل إن ذلك الصراع غالباً ما يكون ذريعة للتدخل الأجنبي كما حدث في بيروت إثر مذابح الدروز والمسيحيين في مايو/أيار 1860 وفيما بعد- بالخمسينيات- فالحرب الأهلية- في السبعينيات … الخ.

■■ ويبدو من ناحية أخرى أن الظروف التاريخية- السياسية لمنطقة الشام عامة وسوريا خاصة قد وقفت وراء هذا التمايز في العاطفة الوحدوية الجياشة، فبينما كانت مصر منذ أوائل القرن التاسع عشر مستقلة عن السلطنة ذاتياً أو من خلال الاحتلال البريطاني وكذلك الأمر بالنسبة للسودان وتونس والجزائر وليبيا والمغرب… الخ، كانت الشام تحت السيطرة العثمانية المباشرة بكل مساوئها الاستبدادية والطبقية والإدارية وبينما كانت معركة الهوية في مصر والمغرب العربي- خاصة الجزائر- تعني منازلة التغريب بالإسلام ومن ثم التمسك بالخلافة الاسلامية العثمانية في مواجهة الاحتلال- البريطاني والفرنسي والايطالي والاسباني- كانت الشام وسوريا بصفة خاصة لا تجد في معركة الهوية سوى التأكيد على العروبة التي يراد لها أن تذوب في عملية التتريك والقهر.

ومنذ النصف الثاني للقرن التاسع عشر وبعد الاستقلال الذاتي والانفصال الذي فرضه الفرنسيون على لبنان، (ظلت سوريا المقسمة إلى ولايتي دمشق وحلب خاضعة لإدارة كانت من المركزية بحيث يكاد تاريخها من عام 1864 إلى الحرب العالمية الأولى يختلط بتاريخ السلطنة العثمانية نفسها(12).

□ إن ظهور الجمعيات والمنتديات القومية في مرحلة ما قبل الحرب العالمية الأولى كانت المقدمة للثورة العربية وإذا كانت المذابح العثمانية قد أقامت حواجز من الثأر والكراهية للسلطنة، فإن تآمر الحلفاء وتوقيع اتفاقية سايكس بيكو قد فجرت من جديد عوامل الشعور بالذات القومية وبالرغبة في الاستقلال وفي التوحد، وقد برزت منظمات قومية عديدة… وبدأت الكتابات القومية ما بين الحربين- الاولى والثانية- تلعب دورها وخاصة دور المفكر ساطع الحصري، ومع الانتفاضات والثورات..

ومع الحركات والمنظمات ومع الاستقلال المبكر في الأربعينيات.. كانت سوريا صاحبة النصيب الأكبر في المناداة بالوحدة العربية.. وبالسعي شيعاً واحزاباً نحو أمتها ومحيطها العربي ومبكراً..

  • كانت هذه الملاحظات تدور في ذهني وأنا أتساءل عن سر هذا التأجج القومي لدى المواطن العربي في سوريا، وأكدتها القراءات المختلفة التي عكفت على بعضها طيلة الليلة السابقة لزيارتي للدكتور جمال الأتاسي كجزء من محاولتي الوقوف على أرضية الجدل في البحث عن الأسئلة التي جئت بها إليه وبرغم إرهاق السفر فإن السهر مع القراءات في هذه الليلة قد امتد حتى الفجر، وكانت الفرصة متاحة أمامي لأن موعدنا قد تم الاتفاق عليه ليل اليوم التالي..

                                         *  *  *

  • في مساء اليوم التالي.. جاءني الأستاذ حسن اسماعيل المحامي لمصاحبتي إلى منزل الدكتور، لم تكن هذه أول مرة ألتقي به بل كنت على معرفة حميمة معه منذ أوائل السبعينيات..، بل إن هذا اللقاء وإنجاز هذا الكتاب يرجع إلى تشجيعه وحماسه المعتاد.. بل وسعة صدره وكرمه المعهود به.

ففي أوائل السبعينيات وعندما كان الاتحاد الاشتراكي السوري في الجبهة الوطنية الحاكمة وكان هناك اتحاد الجمهوريات- مصر وسوريا وليبيا- كان الأستاذ حسن اسماعيل كواحد من أبرز عناصر الاتحاد وكعضو بمجلس الشعب السوري يتردد دوماً على القاهرة، في هذه الفترة التقيت به عدة مرات وتحاورنا كثيراً حول الناصرية كما يراها جيل أنتمي إليه- بدأ عمره مع ثورة يوليو- وطبقة تضمني شرائحها- الطبقة الوسطى- يختلفان في تحليلهما عن تحليل الأجهزة والمنظمات الرسمية المصرية آنذاك والتي لم تكن قد خلعت رداء الناصرية علناً.. وتتسارع الاحداث.. ويخرج الاتحاد الاشتراكي من الجبهة، وتتم معركة اكتوبر وتتدهور العلاقات المصرية السورية لتتجمد بعد زيارة القدس واتفاقيات السلام، وينتهي عقد السبعينيات وبداية الثمانينيات. لم أرَ فيها الرجل.. ولم يأت هو للقاهرة إلا نادراً..

وفي نهاية عام 1986 وبعد ثلاث سنوات وأكثر بقليل قضيتها في أوربا كمراسل صحفي مقيم في أثينا، وأثناء إعدادي لحقائبي وأمتعتي وكتبي للعودة النهائية للقاهرة..، وقبل رحيلي بيومين فوجئت به في قلب العاصمة اليونانية… حيث جاء للدفاع القانوني عن بعض الفلسطينيين أمام محكمة بأثينا.

ويدور حديث الترحيب والتعليق على المصادفات.. ويمتد لهموم الأمة وواقعنا العربي، ثم أقف عند فكرة كانت تراودني آنذاك. وهي حوار بين جيلين(13) وأساله عن إمكانية موافقة الدكتور جمال وترتيب هذا الأمر…، وكان في ذهني حتى هذه اللحظة أن ذلك سيتم بعد عودتي أي بعد عام على الأقل، ولكن حماسه ووعدٌ منه بالرد السريع بعد عودته في اليوم التالي، وبتشجيع قوي للفكرة قررت تأجيل سفري للقاهرة..، وبعد أن جاءني صوته بالإيجاب عبر الهاتف. وجدتني أقوم بترتيب الإجراءات ووليت وجهي نحو دمشق..

                                        *  *  *

  • عندما استقبلنا الدكتور جمال الاتاسي في قاعة الضيافة بمنزله والتي تحتوي على مكتبته الضخمة والمنتقاة كان عائداً لتوه من “عيادته ” وترتسم على وجهه بعض علامات الإرهاق إلا أنها لم تمحُ بشاشته وحفاوة الترحيب ولم تفرض نفسها على الحوار أو صفاء ذهنه..

كانت هذه هي المرة الأولى التي أراه فيها.. من قبل تعرفت عليه عن بُعد من خلال الطلبة العرب السوريين بالقاهرة- وكذلك الأستاذ حسن اسماعيل- في النصف الاول من السبعينيات، واستمعت إلى تفاصيل مواقفه الصلبة، وفي النصف الثاني من السبعينيات عرفته من خلال أحاديث المرحوم عبد الكريم أحمد وكان صديقاً حميماً له ودائم التردد معه على مصيف بلودان، أو الزبداني على مقربة من دمشق .

وقرأت له من قبل بعض ترجماته لكتب سياسية وفكرية هامة وبعض مؤلفاته ودراساته، ثم أخيراً قرأت له كتابه القيم “إطلالة على الفكر الاستراتيجي لجمال عبد الناصر” وكان ذلك في النصف الأول من الثمانينيات .

من الروايات ومن الكتب تشكلت لدي ملامح ذلك الرجل، وكانت في تصوري أقرب ما تكون لقائد عسكري متجهم عنيد تبدو علامات القسوة على ملامح وجهه، ومن ثم فإن الحوار معه إن لم يكن مستحيلاً فهو صعب.

وعندما التقيت به وجهاً لوجه فوجئت بعكس ما تصورت- وقد صارحته بذلك- وفوجئت أكثر بالاقتراب منه في الحوار، إنه إنسان يحمل شفافية وبشاشة أقرب ما تكون لصورة شاعر أو فنان، فبالرغم من فارق السن وفارق المعرفة فإنني قد هيأت نفسي لجدل قد يكون عنيفاً وصاخباً أكثر منه حواراً، لكن الانطباع الجديد ثم الاقتراب دفعني للحوار الناقد والمحلل لكنه الهادئ والباحث عن الحقيقة.. والاستفادة من تجارب الزمن…

وخلال أسبوعين تعددت اللقاءات معه، كان الهدف هو إقامة حوار في بعده الزماني بين جيلين: تفصلهما سنوات من الحرث والصراع وتبدل الموازين والعلاقات والشخوص ويجمعهما فكر واحد ومنظور واحد في مواجهة الواقع ومشكلاته وكان هدف الحوار ثانياً- في بعده المكاني- هو الالتقاء مع رمز من الرموز البارزة والأصيلة في التيار الوحدوي والناصري بالمشرق العربي، ومن ثم الإطلالة على تجربة فكرية وسياسية وتنظيمية نمت من خارج السلطة.. وخارج حدود الإقليم الجنوبي- مصر-.

  • وقد يكون الهدف الأول- حوار الجيلين- أمر غير ذي بال في الواقع السوري أو في أي إقليم آخر بينما كان هذا الأمر أكثر إلحاحاً بين التيار الناصري في مصر آنذاك:

□ وحيث أن سبل الحوار في القاهرة كانت متقطعة إن لم تكن مسدودة

□ فإن هذا الحوار في دمشق قد يكون سداً لعجز قائم أو تجاوزاً لسد أو جدار عائق..

ومن ناحية أخرى فإن الرجل يمثل الجيل المشرقي المماثل لجيل ما بين الحربين العالميتين في مصر أي الجيل الذي صنع ثورة 23 يوليو، وفي الوقت ذاته يجسد الشريحة الوحدوية المناضلة والواعية داخل هذا الجيل، ومن ثم فإن الحوار معه يتوافق مع الهدف الثاني وينضجه..

                                           *  *  *

  • عندما عدت إلى القاهرة في أواخر عام 1986 انغمست في البحث عن موضع قدم في الأرض التي رحلت عنها فترة ليست بالقصيرة، شغلتني هموم الحياة. وشغلتني السياسة أو بمعني أدق العمل السياسي الذي هجرته غير آسف فيما بعد، واكتشفت حينما بدأت في تفريغ الأشرطة أن الحوار مع الدكتور جمال به ثغرات عديدة، لا بد وأن تستكمل.. وانتهزت فرصة السفر إلى بيروت للتعاقد على عدة كتب لي طبعت هناك… وأكملت رحلتي إلى دمشق عن طريق البر..، كان هذا في أواخر عام 1988 وفي النصف الاول من العام التالي بحثت دون جدوى عن أعداد جريدة “الجماهير” في كل المراكز المختصة (دار الكتب- الاهرام- الاخبار،… الخ)، وحاولت البحث عن مصادر توثيقية أخرى تتيح للكتاب وللتحليل فيه مساحة أوسع من المعلومات والسيَّر الذاتية لأبرز الشخوص الواردة في الكتاب ولكن محاولاتي باءت بالفشل..
  • في أواخر عام 1990 وفي خضم أحداث الخليج سافرت لدمشق وبيروت لأمور تخص عملي في المركز، وكان هناك فصل غائب شعرت أن الكتاب بدونه سوف يفقد جزءاً هاماً من سياقه وترتيبه وأن القسم الأول وهو التاريخي لا يُستكمل بدونه، هذا الفصل هو الخاص باللقاء السري مع عبد الناصر.. ظروفه وملابساته، وبالفعل اثقلت- كما تأخرت- على الدكتور جمال في استكمال هذا الفصل.
  • ثم طحنتني أزمة الخليج وتداعياتها.. فأضّربَ القلمُ عن الكتابة بعد أن تجمد العقل عن الفهم..، وهكذا دخلت إلى النصف الثاني من عام 1991 قبل أن أبدأ في إعداد هذا الكتاب للطبع ..، ولكن آثار أزمة الخليج تركت في داخلي تساؤلاً ممتداً في كل الاتجاهات حول جدوى الكلمة؟! وعندما ترددت قليلاً.. قفز الوعي بالمستقبل- كأحد عناصر الزمن والتاريخ- ومن ثم بالحلم ليؤكد من جديد ويحسم ترددي على ضرورة وأهمية صدور الكتاب، هذه الضرورة وتلك الأهمية ينبعان من تاريخ ودور الرجل.. ومن الدروس أو النتائج المستفادة، من هذا الحوار..

                             *  *  *                    *  *  *

□□□ فالدكتور جمال الأتاسي واحد من هذا الجيل الذي ولد وتفتحت مداركه على الانتفاضات والثورات التي شهدتها الشام ككل قبل استقلال سوريا، ينتمي إلى عائلة الأتاسي الكبيرة والتي تحتوي كل الطبقات (من الحارس الليلي- الناطور- إلى رئيس الجمهورية) على حد تعبير صديق طرابلسي له.

كان والده مزارعاً يملك بعض الأراضي . وكان بيته مأوى لبعض المُضطهدين من كوادر الثورة السورية، وبعد حصوله على الابتدائية من حمص مسقط رأسه رحل إلى دمشق وحصل على البكالوريا..، دخل كلية الطب بجامعة دمشق وتخرج في عام 1947 ثم ذهب إلى فرنسا للتخصص في الطب النفسي وحصل على الدكتوراه في عام 1950.

في حمص كان قريباً من “عصبة العمل القومي” ومن “الكتلة الوطنية” لكنه لم يشترك معهما في النشاط، وفي دمشق مارس دوراً بارزاً في الحركة الطلابية، وهناك التقي مع “ميشيل عفلق” و “صلاح البيطار” وشارك في الحوار الدائر حول صيغ جديدة للعمل السياسي القومي .. في بدايات عام 1943 شارك في تأسيس رابطة عربية للطلاب العرب بجامعة دمشق، قبلها بعامين شارك في مجموعة طلابية ثقافية ألتفت حول “زكي الأرسوزي”، وفي نهايات عام 1943 وحتى عام 1947 كان رئيساً للمنظمة الطلابية بحزب البعث.

في عام 1947 كان على رأس اللجنة التحضيرية للمؤتمر التأسيسي لحزب البعث وشارك في وضع مشروع الدستور الأول للحزب لكنه رفض الترشيح لمواقع قيادية بسبب قراره السفر إلى باريس لاستكمال دراساته العليا.. عند عودته- 1950- كانت الانقلابات العسكرية من جهة تهدد الوطن.. وكانت الانقسامات الحزبية من جهة أخرى تهدد البعث، فآثر الابتعاد عن القيادة.. ونشط في حماه- موقع عمله الجديد داخل مستشفى خاص- وسرعان ما شارك في توحيد الحزب مع حزب أكرم الحوراني الذي كانت قاعدته الأساسية في حماه.

منذ عام 1955 أصبح عضواً قيادياً في المكتب السياسي بحزب البعث وفي جريدته، وفي عام 1956 عندما عُقد المؤتمر الاستثنائي للحزب في سوريا كان رئيساً للجنة التحضيرية لهذا المؤتمر ثم أنتخب عضواً في القيادة القطرية المؤقتة وكذلك في المكتب السياسي حتى تاريخ حل الحزب مع إعلان الوحدة في شباط- فبراير 1958.. أثناء الوحدة وبعد الانفصال 1961 عندما أعيد تشكيل الحزب ظل بعيداً عن الاندماج في أليات الحزب، وشكل هو ومجموعة من الرفاق جناحاً وحدوياً اشتراكياً مميزاً سوف نشير إليه بعد سطور قليلة.

وعندما قامت ثورة 8 اذار/مارس 1963 لتقضي على الانفصال عين وزيراً للإعلام وعضواً في مجلس قيادة الثورة، ولكن سرعان ما استقال من الوزارة ومن المجلس عندما اصطدم هو وصحبه مع الاتجاه المتعطش للسلطة، ولم ينته العام وقد استقال من كل مواقعه القيادية بالحزب(14).

شارك في العام التالي- 1964- في المؤتمر التأسيسي للاتحاد الاشتراكي وسمي عضو مكتب سياسي بالداخل، وفي بداية عام 1965 أصبح رئيس مكتب الامانة العامة بالداخل، وعندما ألغيت قيادة الخارج- الامانة العامة- في 1968 رُشح كأمين عام للاتحاد الاشتراكي، وفي 1971 وحتى 1973 كان عضواً بالقيادة المركزية للجبهة الوطنية التقدمية الحاكمة بسوريا.

ومنذ ترشيحه في 1968 وحتى الآن مازال الدكتور جمال الأتاسي أميناً عاماً للاتحاد الاشتراكي العربي في سورية، ومازال رمزاً مميزاً داخل التيار الناصري بالمشرق.. وقيادة واعية داخل الحركة الوطنية والتقدمية..

                            *  *  *                    *  *  *

□□□ كان هذا هو التاريخ.. أما الدور فقد تمثل- إلى جانب النضال السياسي- في الجهد الفكري المميز الذي لعبه الدكتور جمال في جريدة البعث في الفترة من انهيار حكم الشيشكلي عام 1954 وحتى بداية الوحدة 1958 وذلك ضمن نواة تيار فكري جاد (كانت تحاول النمو والتطور داخل ذلك العماء الفكري والفقر المذهبي) وبرز هذا التيار عبر المقالات والترجمات، وكان يقود هذا التيار نحو الفكر الثوري العلمي زمرة من كبار مثقفي الحزب أمثال الأستاذ عبد الكريم زهور والدكتور جمال الاتاسي(15).

وعندما قامت الوحدة تولى الدكتور رئاسة تحرير جريدة “الجماهير” والجريدة لم تعمر أكثر من تسعة أشهر ولم تأخذ حقها من الاهتمام أو الدراسة، وقد كانت الجريدة لسان حال دولة الوحدة في سوريا وقد ضمت في صفوفها كتاباً مصريين كرجاء النقاش وأحمد عبد المعطي حجازي ومحمد عودة وحمدي قنديل وآخرين، وفي هذه المرحلة خاض معركة طويلة- كتب غالبية مقالاتها وتحليلها السياسي- ضد الشيوعيين وضد حركة عبد الكريم قاسم في العراق، وعندما كان يتابع عن كثب تناقضات الأجهزة داخل دولة الوحدة، وفي الوقت ذاته يلاحظ ردود الفعل السلبية لقيادات البعث، وفي غمرة الصراع النفسي بين الرغبة في النقد الموضوعي وبين خشية استخدام هذا الأمر بشكل سيء من قبل الذين يريدون ضرب الوحدة، وفي هذا المناخ وضح موقفه المتميز والذي سيظهر فيما بعد في افتتاحية أحد أعداد “الجماهير” تحت عنوان “الصمت موقف” وسوف يقف عبد الناصر عند “أصحاب الصمت” موقف أثناء مباحثات الوحدة الثلاثية- 1963- مشيراً بذلك إلى عبد الكريم زهور وجمال الاتاسي.

وحينما حدث الانفصال وخلال هذه الفترة السوداء لعب دوراً كبيراً مع بعض القيادات التي شكلت اتجاهاً اطلق عليه مجموعة جريدة البعث والتي بدأت في الصدور 21 تموز/يوليو 1962 وعلى صفحاتها وبالتدرج بلورت الموقف المضاد والحاد في مواجهة الانفصال وواجهت مواقف المترددين وكان لهذا الموقف المتصاعد للجريدة أثره المميز مما دفع الاستاذ حسنين هيكل بالقول بأن (جريدة البعث كانت كبصيص النور في الظلمات التي خيمت على سوريا الانفصالية)(16).

وخلال الانفصال أيضاً برز دور المجموعة- الأتاسي، زهور، سامي الدروبي والياس مرقص من خلال مجلة الفكر السياسي والتي صدرت في شكل كتاب منذ السنة الأولى للانفصال وتوقفت منذ حلول ثورة 8 آذار/مارس 1963.

كانت مقالات هذا التجمع تخلق أزمات مع التيار العفلقي، وعندما قامت ثورة شباط/فبراير بالعراق (دعي كل من الأتاسي وزهور إلي زيارة بغداد وكان موقفهما مزيجاً من الإعجاب بتنظيم الحزب الحديدي هناك، وخوفاً شاملاً من الفراغ الفكري الذي تميز به قادة الحزب الجدد في العراق ومن انعدام التجربة السياسية لديهم ومن هذا الغرور الصبياني الذي أخذ يدير رؤوس بعضهم)(17).

وبعد ثورة أذار/مارس 1963 بسوريا ومشاركتهم في الوزارة، واكتشافهم المماطلة في محادثات الوحدة الثلاثية من أجل تفريغ شحنات الغضب الجماهيري.. وضرب القوى الناصرية والتفرد بالسلطة (انسحب زهور والأتاسي من الحكم ثم حدث أن افترقا عن الحزب نهائياً وأصبحا موضع اضطهاد غير مباشر من قبل السلطات، وأنضم سامي الدروبي إليهما بعد استقالته… ثم استقال الفريق لؤي الاتاسي من قيادة مجلس قيادة الثورة عقب أحداث 18 تموز- يوليو وتألف بذلك جناح وحدوي مناهض للبعث العفلقي)(18).

وعلى غير عادة الكثيرين.. عندما خرج الفرسان الثلاثة- جمال الاتاسي وزهور والدروبي- عن حزب البعث لم يعودوا إليه أبداً، وعلى حين انعزل الثاني عن العمل السياسي قرب السبعينيات وانكفأ الثالث على الأدب، ظل الدكتور جمال في قلب المعارك السياسية يقود النضال من أجل توحيد التيار الناصري المشتت غير المنظم، ومن بعد قاد العمل التنظيمي والفكري في حزب الاتحاد الاشتراكي ثم تولى قيادة جبهة المعارضة لكل أنواع التسلط والاستبداد فتعرض للاعتقال(19) وظل يؤرق القيادة السياسية السورية فتشتكي منه كثيراً لعبد الناصر فترة ما بعد النكسة والذي يلتقي به في أواخر الستينيات، وعندما قامت الحركة التصحيحية بقيادة حافظ الأسد اتصلت به واعتمدت على الاتحاد الاشتراكي في حمايتها وتأييدها جماهيرياً خاصة وأن صلاح جديد كان مسيطراً على الحزب وتشكيلاته المدنية والمؤسسات الشعبية(20) وشارك في الجبهة الحاكمة(21) وفيما بعد خرج منها يقاتل تحت راية الناصرية فكراً ويقود الاتحاد الاشتراكي حركةً.

                            *  *  *                    *  *  *

□□□ كان ذلك هو الحديث عن الدور… أما هنا وبتركيز لا يخطف بريق الحوار بين دفتي الكتاب، فإننا نستعرض أهم النتائج والدروس التي نريد إلقاء الضوء عليها كمدخل للقراءة المتأنية في الفصول القادمة.

■ ربما تكون أول هذه الدروس هي ” قضية الديموقراطية ” تلك القضية التي دفعت شعوبنا ضريبة غيابها.. ومازالت تدفع حتى هذه اللحظة، وغياب الديمقراطية داخل الأنظمة يماثل ندرته داخل الأحزاب والقوى المعارضة، ومن هنا تبقى أهمية التركيز على هذا المطلب أو كما يقول الدكتور جمال “نحن نقدم مطلب الديمقراطية كمطلب أولي وفي مقدمة كافة المطالب ونجعلها البديل الذي نناضل من أجله”.

والدكتور مبكراً ومنذ أن كان في حزب البعث صاحب رؤية مميزة حتى في قضية الاشتراكية وربطها بالديمقراطية فهي “اتجاه جديد للإنسانية لا تقف عند تحديد الملكية وتوزيع الثروات ولكنها هي المجتمع العربي الحديث القائم على أسس ثابتة من الوحدة والعدالة والحرية ضمن مفهوم إنساني علمي” وأثناء الانفصال يقدم ترجمته مع رفيقه سامي الدروبي لكتاب موريس دوفرجية ويؤكدان على أن أهمية الكتاب تكمن في تبنيه للاشتراكية الديمقراطية(22).

ومبكراً يرصد أو يتنبأ بأزمة الاتحاد السوفيتي حينما راح يتحدث عن النظام صاحب التجربة والحزب والنظرية الذي (لم يضع حرية للإنسان موضع التكوين والبناء منذ البداية بل جعلها مشروعاً مؤجلاً وبرر لنفسه اتباع مختلف الوسائل)(23) وعندما تنهار الكتلة الاشتراكية والاتحاد السوفيتي لا يعزي هذا إلى فشل الاشتراكية… فمازال التطلع للعدل الاجتماعي هو المحرك والامل ولكن “نمطاَ معيناً من البناء والعمل الاشتراكي” الذي سارت عليه الكتلة الاشتراكية ويحدد قائلاً “جوهر الاشكالية هي عملية قسر التاريخ” لم تتشكل نظم ديمقراطية بل تحولت إلى (نظم سلطوية واستبدادية وتحولت إلى هذه الهيمنة الشمولية وفي النهاية عطلت مبادرات الأفراد وأثرت على إمكانية التطور الحر في المجتمع)(24) وهكذا يقف غياب الديمقراطية وراء فشل الأحزاب أو الدول أو النظام العالمي … وهكذا كان ومازال موقفه الصلب دفاعاً عن.. ومطالبةً بالديمقراطية.

■ اما ثاني هذه الدروس فيتمثل في رؤيته النقدية المتيقظة ورفضه للمذهبة السياسية أو الدوجماطيقية المغلقة وإصراره على أن “الناصرية” ينبغي أن تندفع ’’بالإبداع ” لا ” بالاتباع‘‘ ومن ثم ضرورة الاجتهاد والانفتاح على العصر وحاجات الأمة وفق الضابط المنهجي للناصرية.

ولقد كانت الناصرية في الخمسينيات هي التعبير الذي أطلقه الاستعمار والرجعية على كل الحركات والقوى التي ترفض الاحتلال أو الرجعية أو التجزئة أو كل القوى التي تؤيد عبد الناصر.. أو حتى الانقلابات العسكرية أو نزعات التهديم والتخريب(25).

وكانت الناصرية في الستينيات هي المنظمات والقوى التي التزمت بفكر واستراتيجية عبد الناصر في الوطن العربي، بينما كانت هي الثورة والانجازات في مصر والتي تقوم على أكتاف الدولة و في الوقت ذاته تهدد بها.

وقد كانت الناصرية في السبعينيات تعني الفكر المقاوم والدور المعارض لتحطيم انجازات الثورة بمصر، والفكر المقاوم والدور المعارض لعمليات الردة المصرية والعربية عن نهج عبد الناصر.. وفي مواجهة الاستلاب القومي والاجتماعي.

ولكن الناصرية ومنذ الثمانينيات تعاني مأزق وأزمة وجود ولن تبقي كفكر أو تؤثر كحركة إلا إذا قامت بعملية نقدية جريئة وبعملية ابداعية- اجتهادية- شاملة المتغيرات والثوابت والضرورات، ومن هنا تأتي مبادرات الدكتور جمال- والتيار الناصري في سورية- مبكراً كدليل على فهم هذه الحقيقة.. وتأكيداً لضرورتها وإمكانية تحقيقها..

■ وثالث هذه الدروس هي تجربة بناء الحزب في سورية منذ الستينيات بصفة خاصة، مروراً بالسبعينيات والثمانينات بصفة عامة، وهذه التجربة أثبتت أن.. زعماء العشائر “يؤخرون عملية البناء التنظيمي ولا يضيفون ويضيقون بالديمقراطية ولا يتنفسون إلا في الحلقية والامتيازات الضيقة، وتثبت التجربة أن العمل التنظيمي يحتاج إلى عقول مبدعة ولا يتحقق “بالعقلية النخبوية” أو “التآمرية” إن بناء حزب يعني بالضرورة وجود برنامج واضح.. وكوادر منفتحة على الوعي والواقع ومندفعة نحو الجماهير ومتجاوزة “القبلية والشللية”.

إن التجربة في سورية كانت ومازالت نموذجاً ينبغي أن يبدأ التيار الناصري في أي اقليم من حيث انتهت لا أن يعيد ما قطعته من خطوات فوق المحن والأشواك ونمو الخبرات، وفي غياب هذا الفهم يصبح التيار في باقي الأقاليم بلا ذاكرة.. ومن ثم يكرر الأخطاء ويؤجل الانجازات ويجرب ولكن في زمن غير الزمان…. ومرحلة غير التي تفصلنا عنها حقب ثلاثة.

إن النقد الواعي للتجربة ولبعض النقائص في الفكر الناصري الذي مارسه الدكتور جمال في كتابه القيم “إطلالة على الفكر الاستراتيجي” ويُكمله في هذا الكتاب، يوازيه ويرافقه هنا نقد للمسألة التنظيمية وتكمن أهمية هذا النقد في صراحته وفي أنه من داخل دائرة الانتماء للناصرية، كما تبرز أهميته في إثارته لضرورة النقد لجيل جديد… داخل كافة التيارات كمدخل للحوار المفتوح تحت ضوء الشمس ومن أجل إشراقة مستقبلية… ديمقراطية.

                                                  مجدي رياض– الجيزة – يناير / 1992

المراجع:

1- حسن الأمين: الموسوعة الإسلامية، بيروت 1980، الجزء الخامس ص 258.

2- جان هيرو: سورية اليوم، ترجمة الياس مليكي، باريس 1984 ص 65

3- فوزي الكيالي وآخرون: الموسوعة السياسية، بيروت الجزء الثالث ص 286.

4- حسن الأمين: المرجع نفسه ص 258.

5- جان هيرو: المرجع نفسه 129.

6- حسين سليمان: مدينة دمشق من سقوط الخلافة الأموية حتى زوال السيادة الفاطمية، رسالة دكتوراه ، القاهرة 1976، المقدمة.

7- محمد العزب موسى: وحدة تاريخ مصر، بيروت 1972 ص 206

8- جمال حمدان: شخصية مصر، القاهرة 1981، المجلد الثاني.

9- محمد عبد المولي: الانهيار الكبير، بيروت 977 1 ص 23 وأنظر ايضا حسن الأمين في المرجع نفسه ص 259. “كانت الشام بين عاملين: الاول دولة الآشوريين والبابليين إذا قويت إحداهما يمتد سلطانها على الشام أو تكتفي من أهله والجزية وتجنيد بعضهم، والثاني إذا كانت القوة (لفراعنة) مصر حكموا الشام أو اقتنعوا من سكانها بالجزية وبعض الجند، وقد ظلت الشام تابعة لمصر وأحياناً كانت تتبعها اسمية نحو اربعة قرون”.

10- نيفين عبد المنعم: الأقليات والاستقرار السياسي في الوطن العربي، القاهرة 1988 ص 117.

11- جان هيرو: المرجع نفسه ص 66.

12- فوزي الكيالي وأخرون: المرجع نفسه ص 265.

13- تبلورت هذه الفكرة في كتابين تم نشرهما ببيروت 1989 الأول رحلة في عالم هؤلاء (الفريد فرج وفاروق خورشيد وصلاح أبوسيف) والثاني رحلة في عالم د. محمد عمارة المفكر الإسلامي القومي.

4 1- أنظر الاهرام 14/5/63/4 من وزراء البعث لم يدخلوا وزارة البيطار – وانظر الأخبار ” فصل زهور والاتاسي من حزب البعث ” .

15- مطاع صفدي: حزب البعث مأساة المولد والنهاية، بيروت 1964 ص 82.

16- الأهرام 15/3/1963

17- مطاع صفدي: المرجع نفسه ص 296.

18- المرجع السابق صفحة 297.

19- ذكرت وكالات الانباء- 6 مايو 1968- خبر القبض على د. جمال الاتاسي وايداعه سجن المزة، وذكرت مجلة جويش اوبزرفر البريطانية في 26/7/1968 قيام جبهة وطنية تقدمية فيها الاتحاد الاشتراكي.

20- الاهرام 18/11/1970″ المرجح استنادا لمعلومات المصادر الموثوق بها في دمشق ان يتولى الفريق حافظ الاسد وزير الدفاع رئاسة الوزارة الجديدة التي سيتم تشكيلها علي أساس قومي خلال 48 ساعة وكانت بعض الانباء قد ذكرت ان اتصالات قد جرت مع الدكتور جمال الاتاسي الوزير السابق ومع الدكتور سامي الدروبي لتشكيل وزارة تضم الفئات الوحدوية والقومية.

و الاهرام 30/11/1970وقد صرح الدكتور جمال الاتاسي الأمين العام للاتحاد الاشتراكي العربي في سورية بأن الدول الأربع التي تضم أكثر من نصف العالم العربي أصبحت كلها دفعة واحدة على خط المواجهة..

وقد دعا الدكتور الاتاسي- والذي يتمتع باحترام كل العناصر القومية- إلى الإسراع بالخطوات الوحدوية بين الدول الاربعة لتعويض ما فات “

21- الأهرام 9/3/72 وقع الرئيس حافظ الاسد مساء أمس ميثاق الجبهة الوطنية ونظامها الأساسي. كما وقعه ايضاً الدكتور جمال الاتاسي باعتباره اميناً عاماً لحزب الاتحاد الاشتراكي العربي في سورية

22- موريس دوفرجية: مدخل إلى علم السياسة، ترجمة جمال الاتاسي وسامي الدروبي دمشق.

23- جمال الاتاسي وآخرون: في الفكر السياسي دمشق 1963ج 2 ص 127.

24- جمال الاتاسي: النظام العالمي الجديد. سلسلة أوراق عربية بيروت 1991.

25- مطاع صفدي: التجربة الناصرية والنظرية الثالثة ، بيروت 973 / ص 136

———————————————–
يتبع..