الحرية أولاً , والديمقراطية غاية وطريق

من يسرق أحلام السوريين؟

محمود الحمزة *

خمسون سنة وحزب البعث وعائلة الأسد المجرمة يتشدقون بالشعارات الطنانة الرنانة حول المقاومة والتصدي للإمبريالية والصهيونية العالمية، بينما جاء تطبيق تلك الشعارات في أرض الواقع بمفعول عكسي تماماً. فعندما كانوا يتحدثون عن الوحدة فاعرف أنهم عملوا من أجل التقسيم وإذا تحدثوا عن الحرية فإنهم حرموا الناس من الحريات وباعوا أجزاء من الوطن ووقعوا اتفاقيات مع العدو الإسرائيلي، وإذا تحدثوا عن الاشتراكية فإنهم فرضوا منظومة سياسية واقتصادية فاسدة، حيث سيطر الظلم وخنق الحريات والتمييز الطبقي ونشأت طبقات من مصاصي دماء الشعب ونهبوا ثروات البلاد.

إذاً النظام الأسدي كان رأس الحربة في خنق السوريين وحرمانهم من أبسط حقوقهم وتحويل البلاد إلى سجن كبير.

وبالرغم من أن الثورة السورية العظيمة كسرت هيبة النظام الأسدي القمعي الفاسد وقدمت أثماناً غالية من دماء أبنائها الأحرار، إلا أننا وجدنا أنفسنا أمام عدة قوى وجهات تكمل دور النظام، وهذا إن دل على شيء فهو يؤكد أن نظام الأسد ليس مُلكاً لعائلة الأسد فقط بل هو يؤدي مهمة ويلعب دوراً منوطاً به من جهات دولية متنفذة في العالم. وهذا سر بقاء النظام إلى اليوم، مع أنه نظام هزيل سائر نحو الهاوية ولكنه قرر ألا ينهار لوحده بل سيجر سوريا بأكملها.

هل صدفة أن تتدخل إيران وميليشياتها الطائفية لتساعد الطاغية على البقاء، وهل صدفة تدخل روسيا بقوتها العسكرية الجبارة لتنقذ النظام من السقوط، وهل صدفة ظهور تنظيم داعش الإرهابي، الذي ساهم في إجهاض الثورة، وهل صدفة بروز جبهة النصرة والفصائل الإسلامية المسلحة التي باعت الثورة، وهل صدفة بروز ميليشيات حزب الاتحاد الديمقراطي (الكردية) وهي وحدات الحماية الشعبية، التي أصبحت الحارس والمفوض من النظام في الجزيرة ولاحقاً توسع دورها المأجور لتهيمن على شرقي الفرات تحت مسمى قسد ومعها مسد، وارتكبت جرائم وانتهكت حقوق أبناء المنطقة وخاصة العرب ومعهم الكرد والسريان..، وهل صدفة أن يجري كل ما يجري شرقي الفرات تحت إشراف ودعم أمريكي مباشر، وهل صدفة أن تحظى قسد وإدارتها الذاتية بدعم غربي وخاصة من فرنسا ودعم إسرائيلي، وهل صدفة أن تواجه ثورات الربيع العربي خلال 10 سنوات من عمرها ثورات مضادة مدعومة من جهات عربية وإقليمية ودولية مالياً وعسكرياً، ساهمت في إطالة حالة الفوضى والصراعات المسلحة لإنهاك الشعوب والبلدان وتجويع الناس لإيصالهم إلى حالة يتمنون فيها أن يحكمهم الشيطان مقابل الماء والكهرباء والخبز والأمان؟

وبمناسبة الحديث عن الوضع السوري والعربي والإقليمي لا يمكن إلا أن نتذكر مشروع “الشرق الأوسط الجديد” الذي طرحه الإسرائيلي شمعون بيريس وأيدته الامريكية كونداليزا رايس، والذي ينص في جوهره إلى خلق دويلات ضعيفة قائمة على أساس عرقي وديني وطائفي تتناحر فيما بينها، بينما تمسك إسرائيل كدولة قوية ومتقدمة بزمام الأمور، حيث يهرول الكل لكسب ثقتها ودعمها وحماية سلطاتهم، لكنهم واهمون بلا شك. لأن ما يحدث مع المطبعين العرب بحجة أن إسرائيل هي صديق وحليف مقابل العدو الأكبر “إيران”، نقول: إن إسرائيل وإيران وجهان لعملة واحدة وما عجزت إسرائيل عن فعله قامت وتقوم به إيران وإن الفرس واليهود لم يتحاربوا على مر التاريخ. وبالفعل ينطبق المثل الشعبي “حاميها حراميها” على إسرائيل، فهل يدرك المُطبعون ذلك؟

إذاً، ما جرى ويجري خلال العقود الأخيرة في منطقتنا هو تحضير هادئ ومنظم لهذه الأيام السوداء، التي نشهد بداياتها وهي أن إسرائيل أصبحت الحمل الوديع، أما الفلسطينيون فليذهبوا إلى الجحيم!

ونفس هذه الحالة تنطبق على السوريين اليوم. ابتليت سورية بنظام سياسي تسلط عليها 50 سنة وكان حامياً لحدود إسرائيل وهذه أهم وظيفة تفسر استمراره بالوجود، وهي أيضاً تفسر الدعم الإيراني والروسي، وهو الذي يفسر المواقف العربية الخائبة التي زادت الطين بلة وأعاقت انتصار الثورة، لأنها عملت مثلها مثل بقية اللاعبين من أجل أجنداتها في الساحة السورية وعلى حساب دماء وعذابات السوريين، لقد حول النظام الأسدي، ومعه القوى الإقليمية والدولية، سورية إلى ساحة لعب وتجريب أسلحة وصراع خسيس ومازالوا يجربون حظوظهم.

هؤلاء سرقوا أحلام السوريين المشروعة والإنسانية، لماذا استكثروا جميعاً على شعبنا أن يعيش بحرية وكرامة وهو له من التاريخ الحضاري الطويل ما يكفي للرد على بعض المفكرين والسياسيين في الغرب والشرق بأن شعبنا، كبقية شعوب العالم الثالث، غير قادر على إدارة شؤونه وحكم نفسه وبناء دولة ديمقراطية عصرية يتمتع الناس فيها بحقوقهم ولو بنسب معينة.

وليس هؤلاء فقط من سرق أحلام السوريين. فهناك استطالات لتلك القوى الإقليمية والدولية وأجهزة استخباراتها تلبس قمصاناً ملونة وترفع رايات ذات ألوان مختلفة منها الأسود والأصفر والأحمر والأزرق.

كل الميليشيات العاملة على الأرض السورية وهي داعشية وإرهابية بامتياز ولها مسميات مثل داعش وجبهة النصرة وقسد كلها إرهابية وعميلة وتنفذ أجندات قوى خارجية لا علاقة لمصلحة السوريين بها لا من قريب ولا من بعيد. وكذلك الفصائل المسلحة التي تسمي نفسها معارضة وتحمل زوراً وبهتاناً علم الثورة لكنها تحولت إلى ميليشيات مرتزقة ومأجورة فمنها من يعمل تحت إمرة روسيا أو إيران أو تركيا أو جبال قنديل أو أمريكا أو فرنسا. كلهم تحولوا إلى مأجورين للأسف، وأكبر دليل هو أن أطراف النزاع في سوريا تبعث الشباب السوريين ليقاتلوا كمرتزقة في ليبيا وإقليم ’ناغورني كاراباخ‘. هذا عار على السوريين أن يذهبوا للقتال في بلاد لا ناقة لهم فيها ولا جمل. وعار على من يرسلهم ويستغل الأوضاع الصعبة للسوريين من فقر وحاجة للمال لكي يؤمنوا قوت عائلاتهم والحد الأدنى من المعيشة، لدرجة أن الكثيرين وخاصة في مناطق النظام أصبحوا يبيعون أعضاء أجسامهم مقابل حفنة من الدولارات لكي يستمروا في الحياة وإلا فالجوع والمرض يتهددهم ليلاً نهاراً.

هذا النظام الإجرامي العميل حوَّل سورية إلى بلد فاشل يجوع فيه الناس ويمرضون ويُقتلون وتُباع فيها بناتهم في بيوت الدعارة (إيران تؤسس فنادق ومراكز لزواج المتعة في دمشق وخارجها).

بشار الاسد أقذر حاكم شهده التاريخ لأنه بدون كرامة وحاقد على الشعب السوري وهو بكل تأكيد لا ينتمي إلى هذا الشعب وإنما جاء أجداده إلى سورية كي يتسلقوا بالتدريج إلى السلطة ويفعلون بسوريا ما فعلوا إرضاء للمشروع الصهيوني الكبير، الذي يتجسد اليوم بالشرق الأوسط الجديد. واليوم تنكشف الأقنعة عن حكام عرب بأنهم أقرب لليهود منهم للعرب والإسلام، وقد فتحوا بلدانهم للعدو الإسرائيلي. وأقول عدو لأنه احتل فلسطين وطرد شعبها وما زال يمارس التوسع والاستيطان ولا يعترف بحقوق الفلسطينيين أو السوريين ويضم الأراضي ويزوِّر التاريخ فكيف نستطيع تبييض صفحة هذه الدولة التي قامت على القتل والتهجير والاستيطان والعدوان.

وليس ذلك وحسب!.. فما نشهده هذه الأيام مخيف ومرعب لأنه يشبه التطبيع مع اسرائيل بالرغم من أنها لم تغير سياساتها الاستيطانية التوسعية العدوانية.

نسمع اليوم عن محاولات بعض القوى السورية المتهادنة مع قسد للتطبيع معها وتصوير جناحها السياسي ’مسد‘ كحمل وديع ديمقراطي سوري، علماً أن كوكتيل حزب الاتحاد الديمقراطي (ومعه ’قسد‘ و’مسد‘ وإدارتها الذاتية) يرتكبون الجرائم ويجندون الأطفال وهم أصلاً مفوضين من نظام الأسد ويتلقون تعليمات من كوادر حزب العمال الكردستاني في جبال قنديل، الذين يتبعون بدورهم لإيران، واليوم يرسلون الشباب الكرد لدعم أرمينيا ضد أذربيجان وتركيا (يعني مأجورين بامتياز). فكوكتيل حزب الاتحاد الديمقراطي ليس سورياً، بل قوة تقاد من الخارج ومأجورة لدى الأمريكان وتمارس سياسة المحتل للمنطقة، وهي ليست ديمقراطية بل هي عصابة حقيقية تقوم على القتل والاعتقال والتهديد وتجنيد الأطفال ونهب ثروات الجزيرة والفرات وترسلها للخارج إلى تركيا. وللأسف هناك سوريون يعتبرون أنفسهم من المعارضين والطامحين للحرية والديمقراطية يروجون من جديد هذه الأيام للحوار والتفاعل مع دعوات مسد الخبيثة بحجة حوار قوى ديمقراطية وعقد مؤتمر “سوريا” للقوى الديمقراطية، لكنه في الحقيقة يدار من مسد، التي لا قرار ولا حل بيدها بل تأتيها الأوامر من حزب العمال الكردستاني الإرهابي وجهات أخرى مشبوهة.

إن كوكتيل حزب الاتحاد الديمقراطي (الكردي) المشبوه، الذي قام بإجهاض الثورة في الجزيرة وحمى مصالح النظام الأسدي، يقوم اليوم بتمرير أجندات نهايتها تصب في حضن نظام الأسد، ولذلك فإن هذا الخليط الغريب المشبوه يشكل أكبر خطر على الحركة الوطنية السورية لأنهم يرفعون راية أمريكا ويدّعون أن كل ما يقومون به هو بطلب أمريكي، باعتبار أمريكا هي صاحبة القرار. ولكن هذا يمثل نوع من لعبة الكشتبان.

لان أمريكا صحيح أنها استخدمت قوات قسد وشغلتها عندها كعصابات مأجورة لفترة ولكن أمريكا لديها أجندات كبرى مرتبطة بالمنطقة ككل وستتخلى عن قسد كما تخلت عن إقليم كردستان العراق وخذلته عندما عمل استفتاء على الانفصال. وقد قالها ’روبرت فورد‘ مرة إن أمريكا ستتخلى عن الأكراد.

أيها السوريون اعرفوا عدوكم من صديقكم ولا تنغشوا بالشعارات. خدعنا حزب البعث بشعاراته الطنانة الزائفة لـ 50 سنة. وها نحن اليوم ننخدع بشعارات الديمقراطية التي تروج لها قوة غريبــة بأجندتها عن المجتمع السوري.

سيبرز الصوت الوطني الصادق الديمقراطي ويُسقط كل هذه الحثالات التي تصطاد في الماء العكر وتريد إركاع السوريين وتطويعهم لكي يتخلون عن أحلامهم.

لا يمكن سرقة أحلام السوريين ما داموا يعرفون صديقهم الحقيقي من عدوهم.

عشر سنوات وقبلها أربعون سنة كافية لكي نعرف الحقيقة!

* باحث وأكاديمي سوري مقيم في موسكو

المصدر: نينار برس