الحرية أولاً , والديمقراطية غاية وطريق

السودان: قذارة الابتزاز الأمريكي وحقارة الرضوخ له

جلبير الأشقر *

السودان بلدٌ منكوب: منكوبٌ بما عاناه من استبداد واستغلال وإفقار خلال ثلاثين عاماً من حكم عمر البشير والزمرة العسكرية وما خلّفه هذا الحكم من خراب؛ ومنكوبٌ بأزمة اقتصادية ناجمة عن ذلك الإرث الأثيم في مرحلة انتقالية مجهولٌ مآلها لما بين إرادة التغيير الشعبية وتشبّث العسكر بالحكم من هوّة شاسعة؛ ومنكوبٌ بمفاقمة جائحة كوفيد-19 لأزمته الاقتصادية، وبفيضانات تُعدّ بين الأسوأ التي شهدها في تاريخه وقد جاءت «تزيد الطين بلّة» كما يُقال، غير أن مساحة الطين عظيمة وغزارة البلّة أعظم.

هذا وقد كانت حالة السودان الاقتصادية رديئة قبل الجائحة والفيضانات، إذ لم يبلغ ناتجه الإجمالي سوى 714 دولاراً للفرد في عام 2019 حسب تقديرات صندوق النقد الدولي، بما يضعه في أسفل قائمة بلدان العالم، ولا تزيد فقراً عنه سوى 13 دولة كلّها، عدا أفغانستان، من دول أفريقيا جنوبي الصحراء. ومن فظائع اللامساواة بين دول هذه الأمة العربية التي حلم جمال عبد الناصر بتوحيدها (عبد الناصر الذي يصادف يوم الإثنين القادم ذكرى وفاته الخمسين) أن دولاً عربية أخرى تنتمي إلى القسم العلوي من القائمة ذاتها، في طليعتها قطر (69،687 دولار للفرد) والإمارات المتّحدة (37،749 دولار للفرد).

إزاء هذه الحالة الوخيمة لبلد منكوب، قام شعبه بالانتفاض على طغمته العسكرية وكسر استبدادها واستعاد حريته ورسم خارطة طريق من أجل استكمال انتقاله إلى جمهورية ديمقراطية مدنية وهو لا يزال يواجه عقبات عديدة على هذا الدرب، كان يمكن التوقّع أن تهبّ الدول الغربية الديمقراطية إلى نجدة السودان ومساعدة شعبه على تخطّي المحنة الاقتصادية واستكمال الانتقال الديمقراطي. وأقل ما توجّب على هذه الدول فعله هو إلغاء كافة العراقيل والعقوبات التي كانت قد فرضتها على سودان عمر البشير، وإلغاء ديونه التي ينتمي معظمها إلى فئة «الدَين البغيض» أي أنها ديون لا يجوز فرضها على شعب السودان إذ هي ناجمة عن استدانة عقدها طاغية لفائدة طغيانه. ولربّما فعلت الدول الغربية بعض ما وصفنا لو كانت أمريكا لا تزال برئاسة باراك أوباما، إذ بقي لدى هذا الأخير ولو القليل من المبادئ الديمقراطية التي آمن بها في شبابه، علاوة على اهتمامه بأفريقيا التي تعود جذوره الأبوية إليها. إلا أن الحاكم الحالي للولايات المتحدة أكثر رؤساء تاريخها عداء للديمقراطية وإعجاباً بالاستبداد، فضلاً عن أنه وصف الدول الأفريقية في بداية ولايته بتعبير لا تسمح لنا اللباقة أن نذكر ترجمته على هذه الصفحات. فلا عجب من أن يكون اهتمام إدارة دونالد ترامب المفاجئ بالسودان، الذي عبّرت عنه زيارة وزير الخارجية مايك بومبيو إلى الخرطوم قادماً من دولة إسرائيل في الشهر الماضي، لا عجب من أن يكون اهتماماً لا يمتّ بصلة إلى الحرص على التغيير الديمقراطي في السودان وعلى مساعدة شعبه على اجتياز المحنة الاقتصادية، بل هو محصور بمهمة بومبيو الرئيسية الحالية، ألا وهي خدمة حملة سيّده الانتخابية بتحقيق «إنجازات» في السياسة الخارجية يتغنّى بها ترامب على عادته بأنها «الأعظم في التاريخ».

فإن لما تمارسه إدارة ترامب حالياً على السودان اسماً هو الابتزاز، وهو جرمٌ يعاقب عليه القانون في كافة بلدان المعمورة، لكنّه بلا عقاب في العلاقات الدولية التي لا زال قانون الغاب يحكمها، بل عادت نحو هذا العرف أشواطاً بعد أن اعتلى سدة رئاستها رجلٌ تبجّح بطعنه بما أرساه القانون الدولي وبفرض مشيئة بلاده على سائر البلدان. وإنها لمفارقة كبرى أن تبتزّ أكبر دولة إرهابية في العالم إحدى أفقر الدول برفعها من «لائحة الإرهاب» لقاء ما تبغيه منها! وما تبغيه معروف، ألا وهو اعتراف السودان بالدولة الصهيونية و«تطبيع» علاقاته معها بحيث تُضفى مصداقية أكبر على «اتفاق إبراهيم» المبرم بين الإمارات المتحدة والبحرين، من جهة، والدولة الصهيونية من الجهة الأخرى. فحيث جاءت تعليقات كثيرة تشير إلى أن ذلك الاتفاق لم يكن بحدث ذي شأن كبير، نظراً لما كان قائماً من علاقة قبله بين الدول الثلاث، لا شكّ في أن دخول دولة بحجم السودان وتعداد سكانها في لعبة «التطبيع» لو تم، سيكون حدثاً أجدر بالاهتمام بكثير من ذلك الاتفاق المشؤوم.

وتتواطأ الإمارات تواطأً كاملاً مع الابتزاز الأمريكي وتدعمه بجهودها السياسية، وآخر هذه الجهود استقبالها على أرضها لمحادثات بين وفد سوداني برئاسة الفريق أول عبد الفتّاح البرهان، رئيس المجلس السيادي، ووفد من الخارجية الأمريكية مكلّف بمناقشة شروط الابتزاز. كما يتواطأ النظام المصري برئاسة عبد الفتّاح السيسي في الضغط على السودان من أجل اللحاق به على درب «التطبيع».

هذا ولا تضاهي قذارة الابتزاز الأمريكي سوى حقارة الخضوع له في الخرطوم، بل المساهمة في تسهيل ممارسته على شعب السودان. وبالطبع يأتي على رأس من يسلك هذا المسلك البرهان نفسه، الذي سبق أن بادر إلى لقاء رئيس الوزراء الصهيوني بنيامين نتنياهو في أوغندا قبل ما يقارب ثمانية أشهر. وقد أدانت معظم القوى السياسية السودانية ذاك اللقاء كما أن معظمها يعارض «التطبيع»: ليس القوى الشعبية الحيّة للثورة السودانية، ولاسيما لجان المقاومة وتجمّع المهنيين، وحسب، وليس فقط قوى المعارضة السياسية لحكم البشير، من حزب الأمة بزعامة الصادق المهدي إلى الحزب الشيوعي، بل حتى قسم من القوى الإسلامية التي تواطأت مع حكم البشير.

لذلك فإن التحجّج بما سوف يدرّه «التطبيع» من فوائد مادية على السودان إنما هو ضربٌ من قصر النظر والنفاق، إذ إن أغلى ما لدى السودان اليوم هو السلم الأهلي، أما «التطبيع» فمن شأنه أن يساهم مساهمة خطرة في توتير أوضاع البلاد نحو المواجهة. وهذا ما كان ينبغي على رئيس الوزراء السوداني عبد الله حمدوك أن يدركه، بدل توفيره غطاءً شرعياً جباناً لمساعي البرهان التطبيعية بالتزامه الصمت حيالها. والحقيقة أن «التطبيع» ليس بمغامرة رعناء حيال أوضاع السودان الداخلية وحسب (ناهيكم من أن «التطبيع» مع دولة الاستعمار الصهيوني هو طعنٌ بأبسط المبادئ الأخلاقية)، بل هو رهان أحمق على فوز ترامب بالانتخابات الرئاسية الأمريكية القادمة بعد أسابيع قليلة. ولو رضخ الحكم السوداني الحالي للابتزاز الأمريكي ـ الإماراتي وشارك في مسرحية جديدة دعماً لحملة ترامب الانتخابية، سيكلّفه ذلك الكثير إذا فاز الديمقراطيون في انتخابات الرئاسة والكونغرس. عوض القبول بالابتزاز، بل والتواطؤ معه في حالة البرهان، ينبغي على الحكومة السودانية أن تستعطف الرأي العام الأمريكي والأوروبي ومؤيدي الديمقراطية والتضامن مع الشعوب المنكوبة في الكونغرس الأمريكي والاتحاد الأوروبي، كي تُرفع كافة القيود الدولية عن السودان ويكافأ شعبه من أجل سيره على درب الديمقراطية والسلام بتوفير كافة أشكال الدعم له.

* كاتب وأكاديمي من لبنان

المصدر: القدس العربي