الحرية أولاً , والديمقراطية غاية وطريق

الجامعة العربية .. مؤسسة مشلولة وأدوار منعدمة

عبد الصمد بن شريف *

بعد مرور عقود على تأسيسها، كان من المفترض أن تتحول جامعة الدول العربية إلى آلية فعالة وجهاز مؤسسي مؤثر، لبلورة تصور متكامل لتحقيق النهضة والتنمية المنشودتين، وإرساء استراتيجية شاملة ومنسجمة بأهداف محددة وقابلة للتنفيذ في مجالات عدة. وهي التي تعد من أقدم المنظمات الإقليمية، حيث رأت النور مع نهاية الحرب الكونية الثانية، في وقت كانت فيه معظم الدول العربية تحت الاحتلالات، البريطاني والفرنسي والإيطالي بشكل خاص، وهذا ما عزّز الثقة في هذه المنظمة لتلعب دورا تاريخيا وطليعيا في الوقوف إلى جانب الدول المحتلة، والتعجيل باستقلالها. علاوة على أن وجود الجامعة، في حد ذاته، شكل بؤرة أمل، لكونها وجدت أساسا لتعزيز إرادة الدول الأعضاء في تحقيق أهداف مشتركة، تتجسّد في تعزيز التعاون وتقوية العلاقات بين الدول التي تمثلها، وتوفير شروط العيش مع بعضها بعضا في إطار السلم والأمن وصيانة استقلالها، والتخلص من الهيمنة الاستعمارية، وردّ التهديدات الخارجية، والعمل على منع نشوب النزاعات الداخلية، بل كان سقف الطموحات عاليا، عندما حدد حلم تحقيق الوحدة العربية والاندماج هدفا استراتيجيا، نظرا إلى ما يوجد بين الدول العربية من قواسم مشتركة، تطاول كل الميادين، وتجعل ترجمة شعار الوحدة إلى حقيقة مرتبطا في المحل الأول بقرار سياسي، وبإرادة جلية موجودة فعليا لدى النظام السياسي العربي الرسمي.

على الرغم من كل هذه العقود من الممارسة والتنظير والتشخيص والتوصيف، وعلى الرغم من التجربة والخبرة التي راكمتها جامعة الدول العربية في شتى القطاعات، وعلى الرغم من عشرات القمم التي عقدتها في سياقاتٍ تاريخيةٍ وأزمنةٍ لم تخل من توترات وصراعات وحساسيات وتشنجات، خصوصا بعد اجتياح العراق دولة الكويت صيف 1990. وعلى الرغم من مئات القرارات التي أنتجتها هذه القمم، فإن المنظمة العربية الإقليمية لم تنجح في إيجاد (وتأمين) بيئة ملائمة، لتعزيز ثقافة الوحدة وتحويلها إلى نتائج ومشاريع على الأرض، تستفيد منها الشعوب العربية. كما أن الجامعة وجدت نفسها متجاوزة من مجتمعات عربية كثيرة من المفروض أنها (الجامعة) تتحدث باسمها، وتنوب عنها في التعبير عن تطلعاتها إلى الديمقراطية والكرامة والحرية والعدالة الاجتماعية والمواطنة الحقة، فقد صار من المسلّمات أن المرحلة التي تعيشها المنطقة العربية تتسم بجملة تحولات كارثية، وبتصدّعات وشروخات غير مسبوقة في العلاقات البينية. وهذا المشهد الموغل في السلبية والعبثية، شجعت عليه جملة اختيارات وتوجهات، تبنّتها الجامعة، بسبب وقوعها في فخ سياسة المحاور والتجاذبات والاصطفافات التي لم تفرزها عوامل موضوعية وداخلية، راجعة إلى صراع طبيعي وصحي، يهدف إلى تطوير الجامعة وتحسين أدائها وعقلنة إدارتها، بل تحكّمت فيها عوامل وعناصر خارجية، مرتبطة بقوى دولية وإقليمية، لها أجندة معينة ومصالح استراتيجية، يبقى تحققها المادي رهينا بتفكيك أي مؤسسة عربية وإضعافها، من شأنها أن تلعب دورا تاريخيا معينا، وبتأليب دول المنطقة الواحدة ضد الأخرى، والسعي الحثيث إلى إشعال الحروب والصراعات والنزاعات بينها. وها نحن اليوم نقف شاهدين ومندهشين على حالة الانهيار الشامل والحروب المندلعة هنا وهناك. ولم تجد بعض الدول أي حرجٍ أخلاقي لفرض حصار على دول أخرى، تتقاسم معها التاريخ والجغرافيا واللغة والقيم والمشاعر وأنماط العيش. وما يحدُث من تصرفات وسلوكات، وما يتخذ من قرارات، لم تكن تخطر على بال أعتى المتشائمين، لكنه واقع عنيد يضجّ بكل المفارقات والانكسارات والإحباطات ويصعب نفيه وتكذيبه.

وأمام هذه الصورة القاتمة الباعثة على القلق، وجدت جامعة الدول العربية نفسها مصابةً بداء الشلل التام والعجز المزمن، العامل الذي حال دون تمكّنها من التحرّك والمبادرة لاحتواء الأزمات الخطيرة التي تعيشها المنطقة العربية في الشرق الأوسط والخليج وشمال إفريقيا. ولم يعد مقلقا أن ترى الجامعة دولا أعضاء تتفكّك تماما، وتتحوّل إلى ساحات حروبٍ مجنونةٍ، تخوضها مليشيات ضد مليشيات، ودول ضد دول. والمحزن ضلوع دول أعضاء في جامعة الدول العربية في مخططات مدمّرة، هي في الأصل من هندسة قوى كبرى وتفكيرها، وجدت من ينفذ حروبا بالوكالة في مناطق تحولت إلى فريسةٍ تتصارع عليها القوى النيو-استعمارية للظفر بجزء منها. وعلى الرغم من كل هذه الأخطار المُحدقة بالمنطقة والمهدّدة وجودها ومصيرها، ظلت الجامعة في موقع المتفرّج، ولم تحرّك ساكنا لتغيير الأمر الواقع في ليبيا والعراق وسورية واليمن. وبشأن ما تتعرّض له القضية الفلسطينية من مؤامرات، خيّبت آمال الجميع، وبدت كأنها لا علاقة لها بالتطورات الدراماتيكية الجارية والمتسارعة، خصوصا ما يتعلق منها بخطة صفقة القرن، ومسلسل التطبيع مع إسرائيل الذي انخرطت فيه أخيرا الإمارات والبحرين برعاية أميركية.

وكانت جامعة الدول العربية قد لعبت دورا كبيرا في الدفاع عن شرعية القضية الفلسطينية وعدالتها، ووقفت مواقف مشرّفة في أكثر من محطة مفصلية، للتصدّي لمخططات الاحتلال الإسرائيلي، غير أن التطوّرات التي شهدتها المنطقة العربية، خصوصا في أعقاب موجات ثورات الربيع العربي، أربكت النظام السياسي الرسمي، وغيرت معايير ترتيب الأولويات، فلم تعد فلسطين القضية المركزية والمحورية، وانعكس ذلك على طريقة اشتغال الجامعة وتفاعلها مع محيطها، فألفت نفسها غير قادرة على تقديم أجوبة إزاء ما يحدث من تحوّلات، ما يعني تحوّلها إلى مجرّد مؤسسة مشلولة، تابعة لوزارة الخارجية المصرية، ومنذورة لتنفيذ ما يمليه ويقرّره معسكر الاعتدال المهيمن، والمكون أساسا من مصر والإمارات والسعودية والأردن والمغرب، والذي بات القوة المتحكّمة في مسارات الجامعة واختياراتها وقناعاتها. ولهذه المجموعة ارتباطات عضوية بالإدارة الأميركية التي تبذل قصارى جهدها لتجعل من إسرائيل الفاعل الاستراتيجي الرئيسي في منطقة الشرق الأوسط، والقوة الاقتصادية والصناعية، القادرة على تعميم المنافع، وتقاسم الأرباح.

وفي سياق التحولات المؤلمة، لم تعد هناك قوة قائدة في المنطقة، فمصر التي كانت رأس الرمح في العمل العربي المشترك، وسندا قويا لنضال الشعب الفلسطيني وعمقا استراتيجيا له، فقدت هذا الدور وتراجع إشعاعها القومي، لأسباب غير قليلة، منها الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية المحتقنة، واستمرار حالة الانسداد السياسي وقمع الحريات. وقد تعثر التحوّل الديمقراطي فيها، والذي بشرت به ثورة 25 يناير في العام 2011، وشكل نقطة إجماع بين مختلف مكونات الشعب المصري وقواه الحية والديمقراطية. أما العراق الذي كان دولة أساسية في المنطقة، فقد تحوّل دولة هشّة ومنهكة، وخصوصا بعد الاجتياح الأميركي عام 2003. واليوم تتحرّك في الفلك الإيراني، وتواجه تحدّيات كثيرة اجتماعية واقتصادية وسياسية وعرقية وترابية. وأمام هذا الفجوة الاستراتيجية، أصبحت القوى الأساسية اللاعبة في المنطقة حاليا تركيا وإسرائيل وايران، في وقتٍ لم تعد فيه إسرائيل عدوا، حيث استبدلت بإيران التي تعد العدو المذهبي الأول خصوصا للعربية السعودية التي تقود محور الاعتدال المهيمن في جامعة الدول العربية.

غياب أي تحرّك جدّي إزاء عدة معضلات وتحدّيات تنموية وديمقراطية، وغياب أي استراتيجية بخصوص جائحة كورونا على غرار منظومة الاتحاد الأوروبي، جعل جامعة الدول العربية تساهم، بوعي أو بدون وعي، في إشاعة جو من عدم الثقة في كل ما هو عربي، بل ألصق بالنظام السياسي الرسمي نعوتا وأوصافا سلبية منطوية على النفور والتشكيك والتوجّس.

ولافتٌ أن جامعة الدول العربية، بكيفية تعاطيها مع الاتفاق الإماراتي البحريني الإسرائيلي أخيرا، أكّدت بوضوح أنها أصبحت تشتغل تحت رحمة دول اختارت فك ارتباطها بالقضية الفلسطينية، وعمدت إلى تكييف علاقتها مع هذه القضية، حسب ما ستجنيه من فوائد، وما ستحققه من مصالح. ومعلوم أن المجلس الوزاري للجامعة رفض، في اجتماع وزراء الخارجية، يوم 9 سبتمبر/ أيلول الجاري، بعد تطبيع الإمارات مع إسرائيل، اعتماد مشروع قرار فلسطيني متعلق بإدانة هذه الخطوة، بسبب ما اعتبره المجلس عدم توصله إلى توافق في شأن هذا المشروع، الأمر الذي رأت فيه السلطة والفصائل الفلسطينية دليلا دامغا على حالة الشلل التي أصابت مؤسسات الجامعة وأجهزتها، وأن صمت الجامعة يشكل انحرافا خطيرا في مسارها السياسي. وأمام قطار التطبيع العربي مع إسرائيل فائق السرعة، وجدت الجامعة نفسها في وضع غيبوبة. ويعكس موقفها هذا عبثية شعارات ومبادئ العمل العربي المشترك والفكر القومي والتضامن العربي، وحتى أن الالتزام بالحد الأدنى من مقرّرات عدد من القمم، وخصوصا مبادرة السلام العربية، تم القفز عليه، لتكمل الجامعة رسالتها في تعميم اليأس والعجز والخنوع.

* كاتب وإعلامي مغربي

المصدر: العربي الجديد