الحرية أولاً , والديمقراطية غاية وطريق

من أجل إزالة آثار العدوان *

الدكتور جمال الأتاسي  

أرجو أن لا أكون قد جئتُ متأخراً للرد على الدعوة التي تفضَّلتم بتوجيهها إليّ باسم الأمانة العامة للمشاركة في أعمال المؤتمر القومي العربي الثالث. وإذا كانت الظروف إياها، والتي حالت بيني وبين الحضور والمشاركة في لقاءاتكم السابقة وأعمالكم ما زالت تعترض سبيلي إليكم، فلتسمحوا لي ومن موقع الالتزام بأهداف الأمة والعمل من أجل تحقيق وحدتها وإنجاز مهمات مشروع نهوضها أن أختار هذا الطريق غير المباشر للمشاركة، وأن أعبِّر بالمقترح والرأي عن تضامني (وليس بصفتي الشخصية فحسب، بل وباسم من أولوني صفة التعبير عن رغباتهم أيضاً) مع المواقف التي تتخذونها ومع عملية البناء التي تؤسسون لها في سبيل نهوضنا القومي من جديد.

إنني وبمداخلتي على هذه الطريقة قد لا أضيف شيئاً للعمل الذي أنتم ماضون فيه، ولكن الحالة التي أنا عليها ليست استثناء بحد ذاتها فمثلها كثير، وبينكم وإلى جانبكم العديدون ممن لا يجدون سماحاً بدخولهم أو بدخول أفكارهم إلى موطنهم أو إلى أقطار عربية أخرى، والصعوبات التي واجهتموها وما زلتم تواجهونا في اختيار أماكن لقاءاتكم وفي عقد ندواتكم ومؤتمراتكم مؤشر ودليل. وإذا كانت هذه واحدة من مشاكلنا العامة، الوطنية والقومية، التي نواجهها بالدعوة لتعميم الديمقراطية في مجتمعاتنا وأقطارنا العربية، ومطالب الحرية وحقوق الإنسان، والمطالب التي تعزز الروابط القومية والتلاحم القومي بين شعوب الأمة الواحدة، كمطلب إزالة الحواجز وفتح الحدود بين الأقطار العربية لانتقال الأفراد والأموال والعمال والعمالة والنشاطات القومية ((البريئة))، ويتقدمها ذلك المطلب الذي كرسه ((المؤتمر القومي)) شعاراً ومهمة وحدوية، ألا وهو مطلب تعميم مبدأ المواطنية العربية الواحدة… فلعل هذه المشكلة ذاتها تُطرح على مؤتمركم الثالث لإيجاد مخرج لها إذا ما أراد التقدم خطوة أخرى على طريق مدّ مشروعه ونشر أفكاره ومواقفه. وهي خطوة مستمدة من منطلقاته القومية الديمقراطية ومهماته كما يشير إلى إمكانها نظامه الأساسي، وذلك بإقرار إيجاد مواقع قطرية له أو فروع، ومدّ أقنية ربط واتصال وإعلام، ليشدّ إليه وينشدّ، وليكون له عن طريق مدّ مواقعه ونشر مواقفه ودعوته، ما يرمي إليه من استنهاض لحركة الشعوب وإرادتها القومية، لتكون دافعة وفاعلة. وإن أي موقع عربي تنتصر فيه بالديمقراطية الإرادة الوطنية الحرة لقوى الشعب سيكون مرتكزاً أو سنداً للعمل القومي الوحدوي.

وتلتقي اليوم هذه النخبة من رجال الفكر والممارسين العرب في مؤتمرها القومي الثالث وأمامها في جدول الأعمال النظر في حالة الأمة وبحث الوضع العربي الراهن وسبل الخروج به من عثاره إلى جانب أمور أخرى وإجراءات تنظيمية… وانتهاء بتقديم تقويم لما عليه حال الأمة وما تواجهه من تحديات، وإعلان مواقف من المشكلات والأحداث البارزة التي تمرّ بها الأمة ومن المتغيرات التي تجري في العالم من حولنا والتي لا بدّ للعرب بحكم الواقع والموقع والتاريخ أن يكون لهم دورهم الفاعل فيها والمتفاعل معها، وكذلك في مواجهة المعوقات التي تعترض سبيل مشروع نهوضنا القومي وتقدمنا على طريق التغيير الديمقراطي والوحدة، إلى جانب ما يتخذه من  قرارات وإجراءات عملية لتعزيز مواقعه وفعله ونشر دعوته وأفكاره، ولتطوير هذا العمل والتقدم به بكل ما يطيق ويقدر، مسترشداً بالتجربة غير القصيرة التي مرَّت بها عملية تأسيس هذا التجمع القومي الديمقراطي، في استقلاليته عن النظم واحتواءاتها، مقدماً بهذه الصيغة الديمقراطية المنفتحة التي يقوم عليها ويجمع ويعمل، نموذجاً ومثلاً لما يمكن أن تقوم عليه من نهج، القوى الاجتماعية والثقافية والسياسية والتنظيمات الشعبية والمهنية والإنسانية في أقطار الوطن العربي، في صياغة بنيانها الديمقراطي وفي بناء استقلالية إرادتها الوطنية عن تحكم أنظمتها القطرية الانفصالية والمستبدة والتابعة، وفي تكوين روابطها القومية ومؤسساتها التنظيمية القومية الموحدة وصياغة تلاحمها القومي ببعضها وفعلها الموحد.

إنها ليست مداخلة أو تدخلاً، ولكنه تطلع بالآمال ومن خلال الالتزام بالهدف الواحد والمشروع القومي المشترك، واستدلال بالعناوين التي جاء عليها جدول أعمال هذا اللقاء، وبقراءة ما صدر من بيانات وتوجهات عن المؤتمر القومي الأول والثاني وعن الأمانة العامة المنبثقة عنه،  ومن مواكبة المسار والأعمال والندوات واللقاءات المتعدِّدة التي أدَّت إلى تجمّع هذه النخبة في صيغة هذا ((المؤتمر القومي)) الذي ينعقد لدورته السنوية الثالثة. واليوم بعد كل هذا التبعثر القومي والضياع، وفي مواجهة هذا الواقع العربي المأزوم والمتعثر، فإن الكثيرين من المناضلين الوطنيين الديمقراطيين ومن المتحفزين للعمل القومي الوحدوي- رافعة نهوض الأمة- يرقبون بالأمل هذا الموعد والوعد للمؤتمر القومي وما يصدر عنه من مواقف وتوجهات وأن يجدوا في نهجه وأعماله صورة واضحة عن التوجه الديمقراطي الصحيح في التفكير والعمل القومي وتعبيراً عن نهج يناسب وضعنا العربي في تكوين ((ذلك الفكر السياسي الجماعي)) الذي يصح أن يكون مرجعية ومستنداً.

إنني لا أبتغي هنا أن أقدِّم تعريفاً ((للمؤتمر القومي)) خلاف ما قدَّمه في دعوته وبياناته ولا أن أعطيه دوراً غير ما أعطاه لنفسه ويمكن أن تمضي إليه الإرادة الجماعية للملتزمين به. ففي الدعوة والبيانين السابقين يأتي المؤتمر على تعريفه لنفسه من حيث أنه تجمع أو ملتقى لمجموعة من المثقفين والممارسين العرب (أو من أهل الخبرة والرأي) من مختلف الأقطار العربية ومن عدة أجيال، من المقتنعين بأهداف الأمة أو الملتقين عليها، والراغبين بمتابعة العمل من أجل تحقيق هذه الأهداف أو الساعين إليها، ويجمعهم إيمانهم بأمتهم العربية وشعورهم بالمسؤولية تجاه قضاياها. وهو يؤكد استقلاله عن أنظمة الحكم كلها ليعمل على الصعيد الشعبي ويتوجّه إلى الشعوب وإلى المواطنين العرب- أفراداً وجماعات وفئات اجتماعية- يستنهض نضاليتهم ويناديهم أن يتحرَّكوا ليمسكوا مصيرهم بأيديهم وليمارسوا التأثير على الأنظمة لانتزاع حقوقهم الطبيعية وتحقيق طموحاتهم الوطنية.

وهو ينظر إلى النظم العربية في أنها تعاني ضعفاً بنيوياً لا شفاء منه، وهي قاصرة عن مجابهة التحديات الداخلية والخارجية، لذلك فإن مطلب التحول إلى النظام الديمقراطي في هذه المرحلة أصبح مطلباً مصيرياً… وهو يطالب المواطن بالعودة بذاته إلى ساحة النضال ليبني المؤسسات المحقِّقة لآماله…

وهو يهدف- أول ما يهدف- إلى شحذ الوعي العربي عامة بأهداف الأمة المتمثلة في مشروعها الحضاري (…) وتحقيق التفاعل بين الوحدويين العرب، وتعبئة الطاقات الشعبية من أجل تحقيق هذه الأهداف، واتخاذ المواقف المعبِّرة عنها…

إن هذا كله يعطي منطلقات وخطوطاً عامة للدعوة والعمل، ولصياغة المواقف ونسج الروابط والصلات، وهذا ((المؤتمر)) أو التجمع القومي الديمقراطي، الذي ربط منذ قيامه، بل ومنذ البدايات واللقاءات والندوات التي سبقتها ومهَّدت لها، بين الفكر والممارسة، يجد نفسه- جماعة وأفراداً، أمانة عامة ولجنة تنفيذية أو دائمة، أعضاء مؤسسين وآخرين جديد أو رافدين- أمام مهمات لا بد من الوفاء بمستلزماتها، سواء فيما يتعلَّق بربط أواصره ببعض، أو بإقامة علاقاته مع الآخرين الذين يعملون أو يريد لهم أن يعملوا لما ينشده ويسعى إليه من أهداف، وهذا ما يطالبه بتوضيح أكثر لمنهجيته في العمل القومي ولبرنامجه الذي يسير عليه، بعد أن أسّس كل ما أسّس على صعيد الفكر العربي والثقافة القومية، وهو يحيط في إطاره بنخبة بارزة من رجال الفكر وبرموز ناصعة من رجال النضال الوطني والقومي.

أما تأكيد ((المؤتمر القومي)) في بيان انعقاده الثاني في عمان على أنه ((لا يطرح نفسه كصيغة تنظيمية سياسية للعمل العربي الوحدوي، وليست أية ادعاءات حول هذه النقطة)) في الوقت الذي يؤكد فيه على أنه ((ينطلق من تعميم واع على السعي للمساهمة الفكرية السياسية والعملية في دفع الحركة الوحدوية العربية)) فإنه في مثل هذا التعريف بالنفي والإيجاب، إذا كان ينفي صفة المرجعية السياسية و التنظيمية الواحدة في العمل العربي الوحدوي أو حصر هذا العمل في منهجه وإطاره أو احتكاره ولا يرى أن هناك بعد صيغة واحدة للعمل القومي الوحدوي، فهو يريد في الوقت ذاته أن يمارس دوراً فاعلاً في الدفع بحركة القوى الشعبية في اتجاه توحيد مواقفها وتضافر جهودها في هذا السبيل، ولا بد أن يمارس دوره الفاعل كوسيط ليحرِّك تلاقي القوى القومية وحواراتها وترابطها ببعضها وتمثلها العملي لما يقدمه من مشروع موَّحد لتجديد نهوضنا القومي.

إن هذا المؤتمر أو التجمع القومي- هذا التكوين العلني والمفتوح، المستقل كل الاستقلالية عن النظم واحتواءاتها، والذي يعلن في نهجه العام انفكاكه السياسي والمُعرف والإيديولوجي عن نهج النظم القطرية وأنماطها ونماذجها الإيديولوجية، والذي يقدِّم أفكاره ومواقفه من قضايا الأمة للجميع- إنما هو تكوين قومي ديمقراطي يبقى منفتحاً لمختلف التيارات القومية التي تلتقي معه على نهجه ومشروعه وأهدافه، وهو يحرص على طرح أفكاره ومواقفه وخططه ومقترحاته للنقاش العلني في الكتب والصحف والندوات، وهو يتبنَّى الديمقراطية بكل مقوماتها السياسية والاجتماعية ويدافع عن الحريات العامة في الوطن العربي وعن التعددية وحرية الرأي الآخر، ويقاوم التعصب والعصبية ويدافع عن حرية المعتقد وعن ضحايا الظلم والاستبداد ويشارك جماعات حقوق الإنسان والمدافعين عن الحقوق المدنية والعاملين ضد مذهبة الدولة وضد النظم الشمولية والديمقراطية أياً كانت دعاواها ولا يريد الدولة إلا دولة للحق والقانون، وهو مطالب بأن يدعو ويسعى إلى ربط مختلف النشاطات والتنظيمات القومية الشعبية، من ثقافية ومهنية وسياسية، من خلال استقلالها عن النظم وأجهزتها في ((جامعة شعبية)) عربية موحَّدة. ذلك ما ارتفع شعاراً ومطلباً للعديد من الحركات القومية العربية منذ النصف الثاني للأربعينات، في مواجهة عجز ((الجامعة العربية)) للنظم القطرية العربية عن تحقيق طموحات الأمة وإنجاز مهمات تحررها الوطني الكامل والسير على طريق وحدتها القومية، وبهذا المنحى أيضاً تقدّمَ شعار ((الحركة العربية الواحدة)) مطلباً قومياً في مواجهة عثرات النهوض الوحدوي وتشتّت تيَّاراته وقواه، ومن ثم تحولاتها القطرية والانفصالية من خلال صراعاتها  على السلطة ونزوعاتها السلطوية اللاديمقراطية.

إن المفكِّرين والباحثين من المتجمعين في إطار ((المؤتمر القومي))، أو من المتوجهين باتجاهه والمتعاملين معه ومع مؤسسة ((مركز دراسات الوحدة العربية))- ذلك المرتكز الثابت والفاعل- قد أغنوا المكتبة العربية الحديثة والفكر السياسي العربي بالكثير مما أصبح يُغنينا عن البحث في الثوابت والمبادئ والمنطلقات، بل وفي الأهداف الاستراتيجية للأمة والتطلعات المستقبلية، والتي تقدم لنا منهجية في التحليل النقدي للواقع وفي بحث حال الأمة وتبقى الموجِّه للمواقف التي نتخذها في معالجة قضايا الأمة وأزماتها ومواجهة المخاطر والتحديات المصيرية والتهديدات…

ولكن المواقف المعلنة التي يراد بها الفعل والتأثير، وفعلها لا ينفصل عن هوية من اتخذها ودوره ومصداقيته والتزامه بقضايا الأمة ومصلحتها القومية الأساسية، وفعلها مرتبط بمن تتوجه إليهم هذه المواقف والقوى الشعبية التي تتبنَّاها وتقف معها. ومن هنا وجد ((المؤتمر القومي)) نفسه مطالباً، عند اتخاذ مواقفه والإعلان عنها في بياناته، أن يقدم تعريفاً بمن يقدم هذه المواقف ويتحمل مسؤوليتها، ولهذا وجدتني أركِّز على التعريف- لنفسي وللآخرين- لطبيعة هذا ((المؤتمر)) ودوره ولما يؤمل منه ويُرتجى له، كتقديم مُرافق للبحث في حال الأمة وتحرِّي سبل الخروج بها من أزمتها الراهنة وانقساماتها.

*   *   *

إذا كان انعقاد المؤتمر القومي السابق قبل عام قد جاء ليتبصر حال الأمة وما آلت إليه من انتكاس وخيبة وضياع، في أعقاب حرب الخليج الثانية التي صنعتها من ألفها إلى يائها السياسة الأمريكية الإمبريالية (العسكرية والمخابراتية والاقتصادية) وتحكَّمت في مسارها من مقدماتها إلى منتهاها، فإن هذا ((المؤتمر القومي)) الثالث ينعقد ويدير أعماله في ظرف دولي وعربي لا يقل في خطورته وتهديده لمصائر أمتنا ومستقبلها عن ذلك الذي مضى، ويجد نفسه أمام تهديد أمريكي عدواني جديد لأمتنا، وأمام صياغة سيناريو آخر كذلك الذي جرى لمحاصرة العراق وتدميره، يستهدف اليوم القطر العربي الليبي، بدءاً من فرض الحصار عليه بقرار من مجلس الأمن الدولي، وقد يستهدف غيره من بعده، ويستهدف من حيث الواقع والمؤدى إخضاع الأمة العربية وإخضاع المنطقة لمخططات الهيمنة الأمريكية والتوسع الصهيوني. وها نحن أمام اختبار جديد لقدرتنا، من مواقعنا الشعبية، على اتخاذ الموقف الموحد الذي يستنهض قوى الأمة وشعوبها لوقفة قومية موحدة في وجه هذه الحملة الغربية الجديدة الموجَّهة ضد أمتنا ولإحباط هذا التواطؤ والتآمر الكبير وتفادياً للكارثة قبل وقوعها، ودفعاً بمواقف النظم وتحركاتها وعلاقاتها ألاَّ تقع فيما وقعت فيه من خلال تجربة حرب الخليج من انقسام وما تكشَّفت عنه من تابعية بل ومن تواطؤ لدى البعض، فهي مطالبة بتضامن لا لبس فيه وبتعاون لا ينال منه التخاذل أو الغدر، وذلك مطلب لا بديل عنه في هذه المرحلة لإيقاف تلك الحملة العدوانية وردها عن أن تبلغ مراميها وأهدافها الإمبريالية الجديدة، في تفتيت قوى الأمة وضربها ببعضها، وفي نهب ثروات المنطقة العربية وإخضاعها للتابعية لذلك الاستقطاب العالمي الأحادي الطرف والذي تمسك به الولايات المتحدة الأمريكية بجبروت قوتها العسكرية.

لقد كان للمؤتمر الثاني قبل عام مواقف صريحة وواضحة في مواجهة الواقع العربي المأزوم وقضايا الأمة المصيرية وفي التعبير عن إرادات شعوب الأمة وتطلعاتها، وفي المرحلة الصعبة التي تمر بها، مؤكِّداً على ما هو مطلوب وممكن للتعامل مع المسائل العربية الملحة ومع المتغيرات التي جرت وتجري في العالم، وكان أبرز ما في تلك المواقف التركيز على قضايا الحرية والتحرر وحقوق الإنسان في مواجهة استبدادية النظم وقهرها لإرادة الشعوب وتفكيكها للحمة الوطنية والقومية للمجتمعات العربي، وتأكيدها على الديمقراطية والنهج الديمقراطي كمسار لا بديل عنه للتغيير في الدولة والمجتمع، وكمدخل للتقدم والتعامل مع روح العصر وحبك عرى وحدة الأمة وصياغة الوحدة الوطنية لمجتمعاتها المدنية، ولإطلاق مبادرات الأمة شعوباً وأفراداً في شتى المجالات… وتوظيف كل إمكاناتها وطاقاتها لصنع نهوضها وتنميتها واستقلالها ووحدتها ومشاركتها المبدعة في الحضارة الإنسانية. وإن تطور الأحداث وكل المتغيرات التي جرت في منطقتنا وفي العالم طوال العام الذي مضى لا تزيدنا إلا تأكيداً على تلك المواقف والتوجهات، وإن كانت تطالبنا بتعميق أثرها وفعلها وبتقديم إجابات جديدة على المسائل المستجدة والمتغيرات المتلاحقة.

إن الأحداث والمتغيرات التي شهدها العالم وشهدتها منطقتنا العربية وما حولها طوال العام الذي انقضى، إذا كانت قد كشفت، على الصعيد العالمي وصعيد العلاقات والسياسات والتكتلات والتحالفات الدولية، طبيعة ((النظام العالمي الجديد)) الذي تقول به وتعمل له وتسوسه الإرادة الأمريكية، وما لهذه المتغيرات والتوجهات الدولية من انعكاسات على عالمنا العربي وسياسات نظمنا، وما يراد بنا وما يدبر ويرتب لمنطقتنا، فإنها قد كشفت بالمقابل كل عوامل الضعف والانقسام والتهافت في النظام العربي، أمنياً واقتصادياً وسياسياً، وكل بواعث التابعية والفساد والاستسلام في تركيب النظم القطرية العربية بفئاتها الحاكمة وطبقاتها المنتفعة من الحكم.

إن النظام الدولي السابق الذي ساد في حقبة ما بعد الحرب العالمية الثانية الذي كان قائماً على توازن القوى بين المعسكرين الشرقي والغربي وعلى سباق التسلح والسباق التكنولوجي ورادع الرعب النووي وعلى تنازع النفوذ على المواقع الاستراتيجية الحساسة من بقاع العالم الثالث، والذي حاولت أن تخترقه وتؤثر فيه بدور معدّل كتلة عدم الانحياز حين قامت في مرحلة عبد الناصر ونهوضنا الناصري ومرحلة نهرو وتيتو… هذا النظام قد سقط وتلاشى بعد انهيار تكتل المنظومة الاشتراكية وانسحاب الاتحاد السوفياتي من الحرب الباردة وانتهائه في العام الماضي بتلاشيه وغيابه من خارطة العالم السياسية.

ولقد تميزت هذه المرحلة عالمياً بالسعي الحثيث والمتسارع لدى الولايات المتحدة الأمريكية لاستغلال ما تسميه انتصاراً لها في الحرب الباردة وزوال قوة عظمى كانت تتحدَّاها وتنافسها في الهيمنة العالمية، ولتوظيف ثمرات النصر العسكري والسياسي الذي حققته في حرب الخليج لتثبيت نفوذها ومدّ هيمنتها في مختلف أرجاء العالم، وإحكام قبضتها بخاصة على منطقتنا العربية لما لها من أهمية استراتيجية كبرى وللسيطرة على مصادر النفط في منطقة الخليج لما تشكِّله هذه الثروة النفطية- ولتتحكم عن طريق هذه السيطرة- في حركة تشكل تلك الكتل والتكتلات الاقتصادية التي تتقدَّم في العالم لمنافستها والتي يمكن أن تقلب موازين القوى العالمية من جديد.

وجاء في سياق هذه المتغيرات ونهج الاستقطاب العالمي الوحيد الطرف للهيمنة الأمريكية ما طرأ من تبديل على طبيعة الجمعية العامة للأمم المتحدة وعلى دور مجلس الأمن والمؤسسات الدولية التابعة لهما بحيث أصبحا أدوات طيِّعة يجري تنشيطها في الاتجاه الذي يخدم السياسة الأمريكية وما تستعجله من إصدار قرارات واتخاذ إجراءات في هذه المنطقة أو سواها وبحق هذه الدولة أو تلك بما في ذلك حق التدخل العسكري لفرض العقوبات والحصارات وهي لا تصيب إلا من يعترض سبيل الهيمنة الأمريكية، وكل ذلك يجري باسم تفعيل دور الأمم المتحدة والشرعية الدولية.

والذي نلمسه بوضوح هو أن أوضاعنا العربية ومنطقتنا وقضايانا كانت الأكثر تأثراً بهذه المتغيرات الجارية في العالم وكذلك الأكثر رضوخاً لها. فمنطقتنا العربية كانت وما زالت الأكثر استهدافاً، لعله قدرها التاريخي بحكم موقعها الاستراتيجي في قلب العالم. ويضاف إلى ذلك اليوم ثروتها النفطية. إن منطقتنا العربية وما هي مؤهَّلة له من دور بأمتها الواحدة وبعروبتها وإسلامها مستهدفة اليوم- كما كانت في الماضي- من قوى السيطرة والهيمنة الإمبريالية بأشكالها السابقة واللاحقة والتي تعمل بكل الوسائل لسد الطريق في وجه نهوضها ووحدتها واستقلالها وبناء قوتها. لقد كانت في الماضي موقع الصمود الأول الذي يقف في وجه الغزوات البربرية والصليبية والاستعمارية ومن بعدها الإمبريالية والصهيونية. ولأنها اليوم يمكن أن تشكِّل مثل هذا الموقع للصمود والنهوض فهي مستهدفة ويراد بها ما يُراد. ولكن الأخطر من ذلك ما يُقعدها من داخلها من عوامل التخلف والانقسام، وما فوَّتته من فرص تاريخية لبناء وحدتها وقوتها وتقدمها.

ولكن أنظارنا تظلّ مشدودة اليوم إلى ما آلت إليه أوضاعنا العربية الراهنة في ظل هذه الأنظمة القطرية الحابسة للتقدم والنهوض، وفي إطار هذه الظروف الدولية الصعبة، وما نشهده من انهيارات متلاحقة في تماسك نظامنا العربي وأوضاعنا العربية وعلاقاتنا بالجوار وعلاقاتنا بالقوى الدولية.

فالنظام العربي الذي كان قائماً كنظام للعلاقات بين النظم باسم الأمن القومي والتعاون الدفاعي والاقتصادي والسياسي وباسم تكافل الأمة ووحدة الصف في مواجهة الخطر الصهيوني، والقائل بأن قضية فلسطين ودعمها ورد العدوان عنها هي القضية المركزية في العمل العربي المشترك، هذا للنظام قد أثبت عجزه الكامل عن معالجة الأزمات ومواجهة المخاطر والتحديات، وانقسم وانهار وتقاتل وخضع للعبة القوى الدولية، إبان أزمة الخليج وحربها وما أعقب تلك الحرب، كما ظل عاجزاً طوال العام الماضي عن لملمة أشلائه وتجميع قواه المتناثرة وما هدر من ثرواته وإمكاناته.

فالجامعة العربية سقطت كمرجع للقرار العربي، سواء على مستوى لقاءات القمة أو ما دونها، وهي ما زالت عاجزة عن القيام بأي دور قومي فاعل أو حبك أية صيغة للوفاق العربي أو التضامن أو الاتفاق. وما قام دون تلك ((الجامعة)) من تجمعات عربية إقليمية باسم التعاون والتضامن والتكامل الاقتصادي والتنمية المشتركة، فقد سقط تكتله المشرقي منذ بوادر أزمة الخليج وعصفت به رياح ((عاصفة الصحراء)) قبل أن يثبت وجوده، أما تكتله المغربي فآخذ بالتلاشي، ويبقى التكتل المسمَّى بمجلس التعاون الخليجي، وهو تكتل أصبح منشقَّاً عن الأمة وخارجاً عليها وعن الالتزام بمصائرها، وهو إذا ما ظل منتفخاً بالنفط وأموال النفط، فقد أصبح هو ونفطه وأمواله وثغوره وأرضه وشطآنه مرتهناً للحماية الأمريكية ولحلفاء أمريكا الغربيين وأصبح ممراً ومستقراً لقوات تدخلها ولتهديد المنطقة وما تفرضه من حصارات عليها.

وفوق تلك الحصارات والضغوط والتدخلات التي تمارسها قوى السيطرة العالمية، يأتي الأدهى والأشد وهو الحصارات داخل الأمة وداخل نظمها القطرية، وانسحاق الشعوب واستلاب إرادتها وتفتّت مجتمعاتها المدنية الناشئة، تحت سطوة نظم التسلط والاستبداد، لتصبح منهوبة ومُستلبة ضعيفة. فهذه النظم القطرية بمقدار ما تنغلق وتتباعد وبمقدار ما تضعف في مواجهة الضغوط الخارجية وتستسلم للتابعية، تزداد عتواً وتسلطاً على شعوبها. وها إن بعضها الذي انفتح لقدر من التغيير الديمقراطي وللإفراج عن بعض من الحريات العامة تحت الضغوط الشعبية، وفي مناخ ما يجري من متغيرات في العالم، يعود لينغلق ولتصعد فيه من جديد الدكتاتوريات الفردية والفئوية والعسكرية. فهاجس الفئات الحاكمة العربية الأول لم يعد إلا ضمان استمرارها في السلطة واستمرار سيطرتها على شعوبها، وتقديم الحفاظ على بقائها على ما عداه ولو أدَّى بها إلى التفريط بمصائر أمتها والمصالح الأساسية لشعوبها.

إن انسداد المداخل الديمقراطية للتغيير السياسي والاجتماعي أمام الشعوب وانسداد كل طريق للنهوض الوطني والقومي، والتمادي الطويل لقسرية النظم وظلمها وفساد طبقتها المسيطرة برد المجتمعات إلى المواقع والروابط والعصبيات ما قبل الوطنية والقومية ويتهدَّدها بالردود الفوضوية والإرهابية وبالتمزقات الداخلية. فالحروب الأهلية أصبحت تتهدَّد أقطار الأمة من بوابتها الشرقية في العراق إلى جزائرها في المغرب، فضلاً عن تلك المستعمرة في السودان والصومال، وما كان في لبنان حتى الأمس القريب مثال صاروخ وأصبح تعبير اللبننة هو الدارج في العالم بديل البلقنة عندما تأخذ الكيانات الوطنية بالتفجر، بل وإن الحروب الأهلية تظل متوعدة ومعلقة في كنف النظم الشمولية المتمادية كلها لما أضعفته من اللحمة المجتمعية والوطنية للأمة، ما دام هناك انسداد في وجه التغيير الديمقراطي وما طال هذا الانسداد…

وفي مثل هذا المناخ الدولي الضائق بأمتنا وقضاياها والمُضيّق عليها، والذي لم تقوَ أمتنا، من مواقع النظم وتناقضاتها وعلاقاتها، على التعامل معه كأمة مترابطة السياسات والقوى وموحدة المصالح والأهداف، بينما استطاع الكيان الصهيوني أن يستغله لصالحه كل الاستغلال، ليمد علاقاته ومصالحه المتبادلة إلى الدول الأوروبية الشرقية وغيرها من الدول التي كانت تُساندنا وتتعاطف مع قضايانا العادلة، لتنال إسرائيل الاعتراف وإعادة العلاقات والتعاون وتكثيف الهجرة اليهودية إليها ومدّ استيطانها إلى كل فلسطين والجولان كما وظفت لصالحها كل نتائج حرب الخليج الثانية لتتسلَّح أكثر وتتمكَّن وتتقوَّى ولتُغّدق عليها المساعدات.

وفي مثل هذا الظرف من التفكك العربي… وفي فترة العام المنصرم، جاءتنا وليس على حين غرة، عملية ((التسوية)) وما يسمَّى بمسيرة السلام لإطفاء هذه البؤرة من بؤر التوتر في العالم، وحل المشاكل التي يطرحها الصراع العربي الإسرائيلي. تلك العملية التي تسوسها إدارة الأمريكية وتحبكها خطوة إثر خطورة في الوجهة التي ترمي إليها، ولترتيب أوضاع الشرق الأوسط ودول المنطقة بما يتناسب مع مخططاتها للهيمنة العالمية.

لسنا هنا بحاجة لاستعراض ما كانت عليه وما تطورت له وآلت إليه، بالنسبة لأمتنا وللمنطقة والعالم، القضية الفلسطينية ومسائل الصراع العربي الإسرائيلي ودور الثورة الوطنية الفلسطينية ومنظمة التحرير ومن ثم دور تلك الانتفاضة المستشهدة والمستمرة للشعب الفلسطيني داخل الأرض المحتلة. فأذهان الجميع هنا مشحونة بها وبكل مراحل صعودها وهبوطها وعثراتها وما قُدم على طريقها… ولكننا وقد وصفناها دائماً بأنها قضية العرب المركزية، وأنها حافز كبير لتضامن الأمة ودفعها على طريق وحدتها وبناء قوتها لمواجهة خطر كبير على وجودها ومصائرها وكمحدّد لعلاقاتها مع العالم الخارجي، فأين أصبح الآن موقع هذه القضية؟ لقد هلَّلنا جميعاً لصعود المقاومة الفلسطينية كملمح بارز من ملامح نضالية شعوب الأمة ووقوفها في وجه الهزيمة بعد حرب حزيران، وبعد العذاب والتعذيب الطويل للشعب الفلسطيني من قبل أنظمة وقوى عربية، فضلاً عن تعذيب إسرائيل له وعملها الحثيث لإبادته، مقاومة وشعباً ووطناً ولخلعه عن أرضه إرهاباً وتهجيراً، استطعنا أن نصل بالنظم العربية إلى أن تتخذ قراراً جماعياً باعتبار منظمة التحرير ممثلاً شرعياً ووحيداً للشعب الفلسطيني كله، لما جسَّدته في تكوينها وفي المجلس الوطني الفلسطيني وفي كل الروابط الديمقراطية والنضالية التي قامت عليها الوحدة الوطنية لجموع الشعب الفلسطيني في الداخل والشتات، وبأفضل مما قام بالنسبة لأي شعب عربي آخر. وفي مرحلة لاحقة من الركود العربي والانشغال العربي والعالمي عن هذه القضية وتأجيلها، هبَّت تلك الانتفاضة الوطنية للشعب الفلسطيني بالحجارة، ومن ثم بالسكاكين في مواجهة آلة الحرب والاستيطان والاستعمار الصهيوني، ولتحرض انتفاض الأمة وتوجهها لدعمها، ولتسترعي التفاف العالم واهتمامه بقضيتها. إن الانتفاضة مستمرة ولم تتساقط أمام عتو القمع الصهيوني وانحسار الإمداد العربي عنها، بل إن النظام العربي هو الذي أخذ يتساقط من حولها وينفك عن قضيتها، وبخاصة بعد حرب الخليج ومحاولة توظيف كل نتائجها السلبية ضد منظمة التحرير وقيادتها وضد الشعب الفلسطيني، لما أظهراه من تعاطف مع العراق ومن حماسة لضرب إسرائيل بصواريخ سكود العراقية، بدءاً من عمليات الطرد الجماعية للفلسطينيين من أقطار الخليج وقطع المعونات عنهم ومزيداً من الإثقال لكاهل الانتفاضة فضلاً عن حملات الاتهام والتشهير الموجَّهة ضد القيادة الفلسطينية.

إن أخطر ما يجري في إطار وعلى هوامش عملية ((التسوية)) التي ما زالت إدارة بوش وبيكر تؤكد مواصلتها، وإن جرى ذلك تحت وطأة الانتخابات الإسرائيلية ومن ثم انتخابات الرئاسة الأمريكية، هو تلك المحاولات الدؤوبة من جهات عدة لتفكيك التلاحم الوطني الفلسطيني وتقسيم أو إيقاف الانتفاضة، ونزع المشروعية الوطنية والقومية لمنظمة التحرير، والفصل بين فلسطينيي الداخل والخارج. والأدهى من ذلك هو فك الترابط العربي والالتزام القومي بالقضية الفلسطينية كأساس للصراع العربي الإسرائيلي، وإدخال النظم العربية- سواء المعنية مباشرة أو البعيدة عن خطوط المواجهة ومسائل الأرض المحتلة- إدخالها في عملية التسوية مفكّكةً عن بعضها ومنفكّة عن القضية الفلسطينية، في المفاوضات الثنائية أو المتعددة الأطراف، ليسعى كل نظام لحل مشكلاته منفرداً وبمعزل عن الآخر، مما يعني لا حل القضية الأساس وتسويتها بل حصرها في نطاق ضيِّق وتصفيتها ثم تضييع وتذويب قضية الأمة والالتزام بوحدة هذه الأمة وقضاياها المصيرية، بسحب كل طرف عربي منفرداً إلى روابط إقليمية ودولية أشمل، من خلال ترتيب الروابط والعلاقات بين دول المنطقة كلها وبينها وبين العالم، باسم اتفاقات للسلام ونزع السلاح وتوزيع المياه وإصلاح البيئة وحل مشاكل اللاجئين…

*   *   *

هذا بعض حال الأمة وما آلت إليه أحوالها. ولقد حاولنا أن ننفذ لهذا الواقع بعقل ناقد لنمسك بمفاصل مشاكل الأمة وأزمتها الراهنة ومواقع العنف ومصادر الخطر ومعوقات النهوض، ولنتحرَّى ما بقي من مواقع القوة ومقومات التجدّد والنهوض. لعل التشاؤم يغلب في مثل هذا التفكير التحليلي والناقد. والقلق كبير لدى الناس والعزوف عن الاهتمام لدى المواطنين يكثر، أمام ما يرونه من منظور قاتم وتراجع مستمر وانسداد لآفاق المستقبل. ولكن أمام تشاؤم العقل والتفكير العقلاني الناقد للواقع لا بدّ، وكما قال غرامشي، أن يتقدم تفاؤل الإرادة، لا بدّ أن يعذِّبنا هذا الواقع لنعمل لتغييره. والإرادة تصميم وفعل وتأثير يدفع، وبالإرادة النوعية النقدية، بالمعرفة والعقل الناقد، نصنع ونضع مواقفنا ونمارس سياستنا ونتخذ تصميمنا وندفع بالتغيير على طريق أهدافنا ومشروع نهوضنا بدءاً من القليل إلى الكثير وانتقالاً من الضعف إلى القوة…

ما أحسب القادمين إلى ((المؤتمر القومي)) والملتزمين بمشروعه وتوجهاته، قد جاؤوا لهذا اللقاء لينصبوا خياماً لهم على تلال المعرفة الأكاديمية والعلوم الإنسانية، أو ليمارسوا السياسة والديمقراطية من موقع أرستقراطي، بل ما جاؤوا إلاَّ وهم يحملون وعياً حاداً بأزمة أمتهم وتصميماً على العمل لتغيير هذا الواقع المُـــر.

إن الأفكار التي نقدِّمها والمواقف التي نتخذها تكون مؤثرة وفعّالة بمقدار ما تقدم صورة واضحة عن الجماعة التي تنتجها وتتحمَّل مسؤوليتها وعن العمل الذي يمارس معها وعن القوى الوطنية والقومية التي نتوجه بها إليها لندفع بحركة ترابطها ببعضها ووحدة موقفها ودفعها.

إنها ليست كلمات نقولها ومواقف نعلنها ونمضي، ونعود ونلتقي بعد عام ونكرّرها أو نقول غيرها، ونتركها تفعل فعلها في الناس، ونقول ها نحن قد بلّغنا… والعاقبة للمتَّقين..

لقد طرح المؤتمر الثاني على نفسه (كما جاء في بيانه الموجَّه إلى الأمة) السؤال الذي يطرحه أي تجمع أو جماعة هادفة وهو: ما العمل؟ فأكد على منطلقاته المبدئية في العمل وعلى التمسك بمشروع النهوض القومي وما يطرحه من مهمات مرحلية بعيدة، كما توافق على مجموعة من المبادئ ومن التوجهات الاستراتيجية لمواجهة ظروف المرحلة الراهنة. ولقد أعلن المؤتمر عن مواقفه تجاه عدد من القضايا القومية الملحّة وشكَّل لجاناً للمتابعة فيما يتعلَّق ببعضٍ منها وقام بما قام به من إجراءات تنظيمية وتأسيسية لنشر فكره ومواصلة عمله وامتداده، مؤكِّداً على الطريق الديمقراطي منهجاً في التأسيس والعمل والدعوة للتغيير. وهو إذا لم يقدم لنا برنامجاً متكاملاً للعمل، فإنه في هذا كله قد قدَّم ملامح نهج في العمل القومي يصح أن يُصاغ على منطلقاته وقواميته مثل ذلك البرنامج. والمأمول أن يتقدم خطوة أخرى في هذا الملتقى، على طريق تطوير عمله وتأسيسه ومؤسساته بما يتناسب مع مهماته وتوسيع مجالات تأثيره.

إننا لا نريد من هذا القول تحميل ((المؤتمر القومي)) ورجاله أكثر مما يطيقه ويقنع به ويقدر عليه أمام المصاعب الكثيرة التي تشكلها الظروف العربية الراهنة والمعوقات التي تقيمها طبيعة النظم العربية وعلاقاتها. فليس مطلوباً بأية حال التحول بهذا العمل القومي الديمقراطي الوحدوي والتوحيدي إلى شكل من أشكال التنظيم الحزبي يضاف إلى ما هو قائم أو لما يمكن أن يقوم من أحزاب سياسية على الصعيد القومي. كما وأننا لا نريد بأية حال أن ننقل إلى رحابه خصوصياتنا وانقساماتنا الحزبية. إن هذه الصيغة الديمقراطية المتفتحة للتلاقي القومي والتي تضع الفكرة الهادفة والثقافة في العمل السياسي والوعي الشعبي، وما يمكن أن يؤديه ((المؤتمر القومي)) في نهجه ومنهاجه ومشروعه العام للنهوض، من مرجعية قومية ومن وسيط بين القوى الوطنية والقومية، الاجتماعية منها والثقافية والسياسية، لصياغة ترابطها ببعضها وتلاقيها على الأهداف الواحدة والنهج الموحد، وصنع استقلاليتها عن النظم واحتواءاتها، كما صنع هذه التجمع القومي استقلاليته أساساً ومنطلقاً في عمله وعلاقاته. ولا يفوتنا بهذا الصدد أن نستعيد إلى الذاكرة الدور البارز الذي أدَّته، في مرحلة سابقة من مراحل نضالنا القومي التحرري الوحدوي، القوى الشعبية العربية الممتدة بروابطها وتنظيماتها قومياً، من منظمات سياسية وثقافية ومن نقابات عمالية واتحادات مهنية بل ومن ضمنها نشاطات لمجموعات برلمانية، حين أخذت في نشاطاتها وعلاقاتها وتوجهاتها الشعبية منهجاً مستقلاً عن احتواءات النظم وضاغطاً عليها. إنها كانت محركاً فاعلاً في استنهاض الجماهير العربية وفي تعزيز التلاحم القومي مع مصر عبد الناصر عندما تعرَّضت للحصار والعدوان، كما جرى عند حرب السويس عام 56 وما بعدها، وكان لها تأثيرها الفاعل في المناخ الشعبي العام الذي يدفع على طريق وحدة مصر وسورية وظلَّ يدفع لوحدة أقوى وأشمل…

ولا بد من التوجه بالاهتمام والدعوة والعلاقات إلى تلك الأقنية والتنظيمات على طريق العمل القومي المشترك ولتؤدي دورها في الدفع بحركة التغيير الوطني الديمقراطي في أقطارها ولتأخذ دورها في مجتمعاتها واستقلاليتها بإرادتها عن النظم وعن احتواءاتها وعن سيطرة الأجهزة عليها ولتأخذ امتداداتها وارتباطاتها القومية ببعضها.

إن منظمة مثل المنظمة العربية للدفاع عن حقوق الإنسان والتي اتخذت المبادرة الأولى في تأسيسها، انطلاقاً من الملتقى الذي قام قبل سنوات لمجموعة من أهل الفكر والممارسة العرب- والذي تكرّس فيما بعد هذه الصيغة الراهنة للمؤتمر القومي العربي- تُقدّم لنا في تجربتها أسلوباً في العمل والتأثير، في إطار مهماتها الإنسانية والديمقراطية، يستحق الاهتمام والدعم، وكذلك فيما يتعلَّق بالصعوبات التي تواجهها في تأكيد استقلاليتها وفي مدّ نشاطاتها وتنظيمها إلى الأقطار العربية. واتحاد المحامين العرب مثال آخر، سواء في دوره القومي والديمقراطي البارز في معالجة قضايا الأمة أم في الصعوبات التي يواجهها، ليأخذ استقلاليته عن سياسات النظم واستقلالية نقاباته القطرية. ويواجه اتحاد العمال العرب معوقات أكبر من النظم القطرية ومدّ احتواءاتها وسيطرتها، لما له من دور أخطر ومن امتداد اجتماعي وشعبي أوسع. وهناك غيره وغيره من المنظمات الثقافية والسياسية والمهنية، والتي ترتبط أساساً بالمجتمع المدني أو الشعبي، والتي يعرقل دورها الوطني الديمقراطي ودورها القومي تعطيل إراداتها ومبادراتها الحرة إخضاعها لسيطرة النظم الحاكمة ولاضطهادها وبطشها. وإليها كلها لا بدّ أن نتوجه بأفكارنا ومشاريعنا ومواقفنا.

إن النهج الذي ننتمي إليه كنهج قومي ديمقراطي في التفكير والممارسة دفعاً على طريق التحرر والوحدة وإقامة الكيان الموحَّد للأمة كدولة اتحادية ودولة حق وقانون حديثة، وإن المشروع الذي نتمسك به من حيث منطلقاته العامة كمشروع حضاري للنهوض والتقدم، كل ذلك يطرح على قوى أمتنا مهمات ثورة قومية ديمقراطية، لها ما لها من مقومات وأبعاد ومراحل، دفعاً بها على طريق أهدافها. إلاّ أن هناك مهمات لا بدّ من تقديمها بداية، لردّ المخاطر الداهمة وتذليل العقبات التي تعترض السبيل، ولتحرير قوى الأمة وإطلاق إرادتها الحرة ومبادراتها من داخلها. ولقد كان لنا في الخمسينات والستينات مسار نهوض وتقدم وتحرّر وتوجه إلى الوحدة، ولكن هذا المسار انقطع وتقطَّع، وتكرَّست بديلاً له هذه الكيانات والنظم القطرية القمعية والحابسة لإرادة الشعوب وحريات البشر. فالتركيز على مهمات التغيير الديمقراطي للمجتمعات وأنظمة الحكم، ليست مجرد أخذ بنهج الحداثة في المجتمعات العصرية وإحقاق حقوق الإنسان العربي وحرياته، بل هي الطريق الذي لم يعد من بديل عنه، للخروج بالأمة من عثارها الكبير وللتقدم على أي طريق لتحررها ونهوضها ووحدتها.

وإذا كان من الطبيعي أن يولي ((المؤتمر القومي)) اهتمامه الكبير لقضايا الحرية والتغيير الديمقراطي، فإن هذا لا يعفيه- وهو لم يعف نفسه أصلاً- من مواجهة القضايا العربية الراهنة، وعلى معالجة المسائل المرحلية الطارئة أو المستعجلة، ولا يعفي نفسه من معالجة أزمات قائمة واتخاذ مواقف منها وتقديم حلول لها، فضلاً عن أن من طبيعة هذه الأزمات وما تنذر به من مخاطر، ما يتهدَّد وجود الأمة، وما يمكن له أن يعطل طريق نهوضها ويقطع طريق وحدتها…

لقد اتخذ ((المؤتمر القومي)) في لقاءاته السابقة مواقف وتوجهات معلنة من عدد من القضايا العربية الراهنة، وأن تطورات الأحداث خلال العام الذي مضى، تؤكد سلامة مواقفه وتوجهاته وتطالبه بمزيد من التأكيد عليها ومتابعة الضغط بها… وهناك مستجدات ومتغيرات وأحداث غيرها ومخاطر ومنزلقات لا بدّ من أن يجد نفسه مطالباً بالتصدي لمعالجتها واتخاذ مواقف منها، وأن يفعل ما يطيق ليجعل منها مطالب شعبية عامة تضغط بها الشعوب على الأنظمة وعلى القوى التي تمسك بالقرارات العربية.

إن تأكيد ثوابتنا المبدئية والقومية ونهجنا الديمقراطي الكامل وأهدافنا الاستراتيجية البارزة لا يعفينا من مواجهة المسائل الراهنة الملحّة، أيضاً، مهما كانت عثراتها، وإيجاد الحلول المناسبة لها، مسترشدين بتلك الثوابت والأهداف، دون أن تكون حاجباً أو قيداً أو مبرراً للعزوف والابتعاد.

إن المطالبة العاجلة بتضامن عربي كامل لرد العدوان عن ليبيا وتفكيك أي حصار يُفرض عليها وتطويق المشكلة المطروحة على المنظمة الدولية لإيجاد مخرج عربي لها لا يفرِّط بقوة أي قطر عربي أو بمصلحة شعب…

وإن المطالبة بتكاتف عربي وتكافل لرفع الحصار عن العراق ورفع العقوبات والمقاطعات وتواجد القوى الأجنبية والاحتلالات، والوقوف في معارضة ما يتهدَّده من اعتداءات جديدة ومؤامرات وتدخلات، ومساندته في إصلاح حاله وترميم بنيانه واستعادة عافيته الوطنية الديمقراطية ووحدته، ليعود قوياً يتقوَّى بتضامنه مع أمته ولتتقوَّى به أمته في مواجهة أعدائها والطامعين بأرضها ومياهها وثرواتها…

وإن المطالبة بموقف عربي شعبي وحكومي متماسك وموحد في هذه المرحلة الصعبة من مراحل إدارة الصراع العربي- الإسرائيلي، وفي مواجهة عملية التسوية التي تحاك في المنطقة، وقوفاً بكل القوى وبكل الأنظمة المعنية أو المنخرطة في هذا المسار، عند خطوط ثابتة لا تراجع عنها ولا تفريط بها ولا مزاودة أيضاً عليها، فلا قوة للعرب في الضغط على هذه العملية وتحويل مسارها لصالحهم إلا بموقفهم المتضامن والموحد، ولا تسوية بغير إحقاق الحقوق الوطنية الثابتة للشعب الفلسطيني وحقه في العودة وتقرير المصير وإقامة دولته المستقلة على ترابه الوطني، والجلاء الكامل عن الأراضي العربية التي جرى احتلالها في حرب حزيران، وانسحاب الصهاينة بقواتهم العسكرية والإدارية ومستوطنيهم ومستوطناتهم عنها، وتكريس الاعتبار للقرار 242 وغيره من القرارات الدولية المتخذة حول هذه القضية، وترجمتها إلى موقف عربي مؤثر في تحريك الموقف الدولي لصالحه وفي الاحتكام للمشروعية الدولية لتطبيقها…

وإن المطالبة بتقديم العون والدعم وبكل الوسائل للانتفاضة الوطنية للشعب الفلسطيني في الداخل والحرص على تلاحمها الوطني واستمراريتها وتأثيرها على الصعيدين العربي والدولي، وإن التأكيد على الوحدة الوطنية لشعب الفلسطيني ودعم تلاحمه ببعضه وبكل فصائله في الداخل والخارج وراء مطالبه الحقَّة وحول قيادته الموحدة وشرعيتها الواحدة، بما يمكّن هذا الشعب من أن يؤكِّد قضيته ووجوده وأن يظل طليعة لكفاحية أمته في مواجهة العدوان الصهيوني ومواجهة مسار التسوية…

هذه وغيرها من المواقف والمطالب التي يمكن أن تتخذ، في التصدي للمخاطر الملحة ومواجهة صعوبات المرحلة وقضايا الأمة وإيقاف التساقط والانهيارات في الكيان العربي، والتي نسعى إلى أن نستنهض بها مواقف شعبية تأخذ بها وتضغط من أجلها، هل نكون متناقضين مع أنفسنا ومع منظورنا لطبيعة نظامنا العربي ونظمنا وتطلعاتنا للتغيير والهدف، أن نجد مواقفنا تلتقي عند مطلب التضامن العربي كمدخل لمواجهة أمورنا وقضايانا في هذه المرحلة؟

لعل هذا يعيد إلى الذاكرة مسألة كانت من المسائل المثيرة للجدل والخلاف بين أطراف حركة التحرر العربي في مرحلة مضت من مراحل النضال العربي والتقدم على طريق الثورة القومية الوحدوية، وهو ذلك التعارض الذي أقيم بين رافعي وحدة الهدف وبين القائلين بجامعة وحدة الصف، وكان لقيادة عبد الناصر أن حسمت هذه الإشكالية، في مواجهة ظروف مرحلية كانت تمر بها الأمة وفي مواجهة أعداء الأمة والمخاطر المنذرة التي أخذت تتهدّدها، ثم في مواجهة الانتكاسة التي حلّت بالأمة بعد صدمة الهزيمة في حرب حزيران 67، فأخذ بالتأكيد على أن العمل للأهداف الاستراتيجية الكبرى للأمة والتقدم على طريق الثورة وما تقضي به من تصفية بؤر التخلف والرجعية والتابعية التي تعترض هذا الطريق، لا يعفينا من التركيز على مطلب التضامن العربي ووحدة الصف في مواجهة مهمات مرحلة وظروف طارئة ومخاطر تتهدَّد الجميع. ومن هنا كانت دعوته لمؤثرات القمة وتعزيز دور الجامعة العربية في الظروف التي سبقت عدوان حزيران لعام 1976، ثم كان أن رفع شعار ((إزالة آثار العدوان)) كمطلب لا بدّ أن تتضامن الأمة كلها من حول إنجاز مهماته للتقدم من جديد على طريق أهداف الأمة الاستراتيجية الكبرى.

ونحن وإن اختلفت الظروف العربية والعالمية عن تلك المرحلة وتبدَّلت طبيعة النظم وعلاقاتها وارتباطاتها وتغيَّرت مواقع القوى، فإننا وبعد حرب الخليج الأخيرة وما كان لها من نتائج مدمِّرة وبعيدة الأثر على الأوضاع العربية عامة، وما فتحته من ثغرات خطيرة في نظام الأمن العربي، نجد أنفسنا أمام مطلب لا بدّ منه ويمكن أن يُتخذ شعاراً عاماً للحوار وتحري سبل العمل من أجله وهو شعار الآثار السلبية التي ألحقتها تلك الحرب بأمتنا عامة، وليس في قطر أو موقع إقليمي واحد، وإنما بكل مواقع القوة في الأمة وكل مقومات تضامنها وقوتها، للوقوف في وجه المخاطر التي تزحف والترتيبات التي تصاغ لإخضاع الأمة لما يراد بها وبمستقبلها.

إن حرب الخليج تلك من حيث المؤدى كانت عدواناً كبيراً على أمتنا كلها، وكانت كاشفاً كبيراً بكل ما يبيِّت لأمتنا ومنطقتنا، كما كشفت كل مكامن الضعف في النظام العربي، وكل ما خضعت له علاقات النظم من مصالح فئوية وخاصة ومن تابعية وخداع وتواطؤ وتهاون بحق مصائر الأمة.

إن مطلب التضامن ووحدة الموقف والتوجه من أجل تصفية آثار تلك الحرب أو ذلك العدوان على الأمة، ومن أجل إعادة ترميم النظام العربي ودور الجامعة العربية، واقتلاع ما جاءت به تلك الحرب إلى منطقة الخليج من حمايات أجنبية ومن قواعد وقوات عسكرية وما فرضته على المنطقة من ضغوط وحصارات، واقتلاع عوامل التعدي والتدخل وتصادم المصالح بين النظم، كل ذلك وغيره من المطالب الملحِّة في هذه المرحلة أمام المخاطر التي تتهدَّد الجميع وتتهدَّد المصالح القومية والوطنية في كل أقطار الأمة.

والتضامن هنا ليس شعاراً ترفعه بعض القيادات أو النظم لشدّ الأنظار إليها أو للالتفاف حول تناقضاتها أو للتغاضي عما وقعت فيه من إسار التابعية للهيمنة الخارجية وما فرَّطت به، وهو لا يمكن أن يقوم على حساب الشعوب وحرياتها، بل هو مطلب تتحرَّك به الشعوب وتحاصر النظم لتكوِّن لها مواقفها الموحّدة وتعاونها المشترك، وهو مطلب يلزم أول ما يلزم بتغييرات وانفتاحات ديمقراطية، فإطلاق حرية الرأي والتحاور وإطلاق مبادرات الشعوب هو الأوفى بمهمة وضع التضامن العربي على طريقه المجدية والصحيحة.

لقد كان من بين المواقف التي اتخذها ((المؤتمر القومي)) عند ملتقاه في تونس قبل عامين، وقبل قيام حرب الخليج والحملة ضد العراق، الدعوة التي قام بها لإزالة أسباب التصادم والافتراق بين سورية والعراق، مؤكداً ضرورة تضامنهما وتلاحم قواهما ومواقفهما كضرورة لا بد منها لمواجهة الأخطار والتحديات التي تتهدَد الأمة، والواضح أن مثل هذا التلاحم لو جرى لما كان الذي صار وصارت إليه الأمة. وبهذا المنحى لا بدّ أن تصب اليوم المواقف والجهود من جديد.

*   *   *

لقد أطلتُ عليكم ولا بدّ لي أن أتوقَّف وأختم رسالتي إليكم وما زال في الذهن أمور وقضايا أخرى تحتاج إلى أن تولى البحث والتمحيص، وما أظن إلاَّ أن مؤتمركم سيتناولها بما تستحقّه من اهتمام ومواقف. فما أردت بهذه الرسالة إلاّ أن أعوِّض عن تقصيري تجاه المشاركة في مؤتمركم وأعمالكم، وما أحسبني في الأفكار التي أوردتها بعيداً في شيء منها عنكم، وإنما أردت التأكيد على مسار بدأتموه وأرجو أن يتكامل ويعطي كل ما نتوخاه من فعل وتأثير ومن أمل بالمستقبل في هذه المرحلة الدقيقة التي تمر بها أمتنا.

راجياً التوفيق في كل مساعيكم وجهودكم.

——————-
* نص رسالة الدكتور جمال الأتاسي إلى المؤتمر القومي العربي الثالث المنعقد في بيروت (14- 16/ 4/ 1992)