الحرية أولاً , والديمقراطية غاية وطريق

 بوتين المراوغ … من يثق بالروس

محمد عمر كرداس

     لم تتدخل روسيا في سورية في أيلول/سبتمبر 2015، فهي موجودة منذ عام 70 على شكل مستشارين عسكريين ومدنيين وخبراء ضمن اتفاقات بين البلدين، وقد تعزز هذا الوجود أثناء حرب تشرين وما بعدها، وبعد تولي أندروبوف زعامة الاتحاد السوفييتي، وفضيحة سقوط أكثر من ثلث السلاح الجوي السوري في معارك فوق لبنان مع سلاح الجو الصهيوني، وتدمير قواعد صواريخ مضادة للطائرات، وتدمير دبابات روسية حديثة، طرحت القيادة السوفياتية التوازن الإستراتيجي بين سورية والكيان الصهيوني، ولكن القدر لم يمهل اندروبوف ليكمل مشروعه، وبعد تولي غورباتشوف زعامة الاتحاد السوفياتي وتخليه عن سياسة سابقيه، وعمله على إنهاء الحرب الباردة التي استمرت بين الشرق والغرب لأربعين عامًا، طرح الزعيم الجديد سياسة توازن المصالح بدل التوازن الإستراتيجي في العلاقات الدولية، انكفأ التعاون السوري السوفياتي كونه تعاونًا عسكريًا في معظمه. وبعد انفراط عقد الاتحاد السوفياتي والكتلة الشرقية، توجه الحكم الجديد في سورية غربًا، وكان ذلك واضحًا من تبني النظام لما سمي بنظام السوق الاجتماعي بدل الاشتراكية، ومن الفريق الاقتصادي الذي أمسك زمام توجيه الأمور . وبقيت العلاقات بين روسيا الاتحادية وسورية في سبات، خلال عشر سنوات إلى أن تفجرت الثورة السورية عام 2011، فهبت روسيا لمساندة النظام من خلال الفيتو الروسي المتكرر، ضد قرارات المجتمع الدولي التي كانت تستهدف حل المسألة السورية، ومن المعروف أن عدد المرات التي استخدمت روسية فيها الفيتو كانت أكثر من 12 مرة، وجاء التدخل العسكري في أيلول/سبتمبر 2015 ليكون حاسمًا في تثبيت النظام، وإلحاق الهزيمة بشعبنا من خلال قتل وجرح وتشريد الملايين وتدمير البنية التحية والمرافق العامة التي تتباكى روسيا الآن عليها، وتستجدي الغرب للبدء بإعمار هذه المناطق التي أخضعتها روسية للنظام. هدفها من ذلك إعادة تأهيل النظام قبل تنفيذه لقرار مجلس الأمن 2254، الذي التفت عليه روسيا عبر مساري أستانا وسوتشي المرفوضين من الشعب السوري، ويحصران العملية السياسية في مناطق خفض التصعيد والمصالحات التي فشلت إلى الآن في تأمين الاستقرار التي تشتهيه روسيا، وأيضًا في اللجنة الدستورية التي قد يمتد أمدها إلى سنوات وسنوات في ظل مماطلة النظام وعدم فائدتها للشعب السوري، حيث لم يحترم أي من أنظمة البعث الدساتير التي صاغها بنفسه. كما أن بوتن نفسه لم يحترم دستوره الذي أقره بنفسه وعدله بما يضمن له البقاء في السلطة إلى الأبد. التحركات الروسية الأخيرة  في الملف السوري تعطي دلالات وتوجهات السياسة الروسية والتي لا تخفى على المحلل والمتابع للسياسة الروسية أولاهما التحرك باتجاه مسد {الوجه السياسي لمليشيا قسد المسيطرة على ثلاث محافظات في شمال وشرق سورية} من خلال رعايتها لمذكرة تفاهم بينها وبين رئيس منصة موسكو الشيوعي القديم قدري جميل، وتسليم هذه المذكرة للسيد بيدرسون المبعوث الدولي لسورية في محاولة لضم مسد إلى اللجنة الدستورية وما تسميه روسيا العملية السياسية، وثانيهما الوفد رفيع المستوى الذي زار دمشق برئاسة نائب رئيس الوزراء الروسي وضم لأول مرة  منذ ثماني سنوات وزير الخارجية لافروف والذي أتى بأربعين مشروعًا اقتصاديًا وخدميًا لا ينقصه غير التمويل الذي يعجز النظام وحليفيه الرئيسيين روسيا وإيران عن تأمينه في ظل العقوبات الاقتصادية على الثلاثة وضعف اقتصادات هذه الدول إلى حد كبير، أما الرسائل السياسية التي أعلنها  لافروف فهما رسالتان، الأولى أن الحرب في سورية انتهت بانتصار روسيا والنظام على الإرهاب، بما يعني أن لا حرب شاملة في إدلب ولا في الشمال والشرق السوري. أما الثانية وهي الأخطر والتي أحبطت آمال المتطلعين إلى إزاحة النظام بعملية روسيا السياسية، فقد أعلن لافروف أن الانتخابات الرئاسية ستجري في موعدها وليس هناك ارتباط بينها وبين عمل اللجنة الدستورية التي قد تمتد لزمن طويل.

    أما ما نشهده من تصعيد عسكري على أطراف إدلب، فهو في إطار التفاهمات، حيث أن روسيا تطلب انسحابات لنقاط تركية عن طريق ام 4 وهو طريق اللاذقيةـــــــ حلب الاستراتيجي للنظام، بينما تركيا تطالب بضم تل رفعت ومنبج حسب الوعد القديم لتُبعد الأكراد المسلحين عن حدودها. إن معركة واسعة في إدلب التي تضم أكثر من أربعة ملايين سوري ستكون مأساة كبيرة على صعيد التهجير والقتل الدامي، لذلك ومع الإعلان عن انتهاء الحرب فإن هذه العملية مستبعدة الآن.

لا شك بأن الوجود الروسي وكل الإجراءات التي قام بها، كانت بموافقة أميركية من إدارة أوباما ولاحقًا ترامب بينما انفردت أميركا بشمال وشرق الفرات خزان الثروة الزراعية والباطنية، وهي بذلك تعطل على روسيا نشوة انتصارها بتعطيلها العملية السياسية التي تبشر بها لإعادة الاعمار قبل أي عملية سياسية على الطريقة الروسية، وتقوم منفردة بفرض قانون قيصر الذي يربك النظام وروسيا وإيران أيضًا.

يراهن الروس على بقاء النظام والذي ثبت بأنه لا يخضع لإرادتهم في ظل وجود إيراني قوي اقتصاديًا وبشريًا من خلال مليشيات وتفاهمات واتفاقات واستثمارات واسعة يحاول الروس إضعافها والحلول محلها، ومع ضعف روسي في التواجد مع المعارضة أو نيل ثقتها، يبرز من جديد الشاهد المخفي في محكمة كوبلتز بألمانيا والذي كان يمتهن حفر القبور عند النظام ليشهد على المجازر التي تشكل جريمة إبادة جماعية مكتملة الأركان، والتي ستترك بصماتها على الروس إضافة للنظام وحلفائه.

    فهل بقي من يثق بالروس وبوتين وهم يتفرجون الآن على مآسي الشعب السوري وعلى بيئته بعد استمرار الحرائق واتساعها وهي بجانب حميميم، بعد أن ساعدت روسيا في إخماد حرائق تركيا وإسرائيل.

    روسيا جاءت إلى سورية لحماية نظام قمعي يقتل شعبه، ولتوطد مرحلة جديدة من تاريخها بالوصول والاستحواذ عل المياه الدافئة التي شكلت الحلم الروسي منذ القدم، أما عدا ذلك فليس في حساباتها.


محمد عمر كرداس
كاتب وسياسي سوري

 

المصدر: إشراق