الحرية أولاً , والديمقراطية غاية وطريق

تأسيس الحزب الناصري في مصر

الدكتور جمال الأتاسي

     ناصريون…. والناصرية هوية سياسية وحزبية لنا، ومنهج في العمل الوطني والقومي نسير عليه ونستهدي بأهدافه التي صاغتها إرادة شعوب الأمة وهي تنهض على طريق التحرر والاستقلال، وقضية وحدة الأمة العربية هي قضيتنا الكبرى التي قمنا من أجلها “وحدة عضوية تاريخيا ونضاليا ومصيرية” فوق أي فرد، وفوق أي نظام قطري أو فئة حاكمة، وفوق مصالح أية طبقة وفوق أي حزب، وننشدها بعد أية مرحلة من مراحل تحررنا الوطني ومن تقدم البناء الديمقراطي لمجتمعاتنا المدنية وإرادة شعوبنا، ونتطلع من خلالها كمصلحة عليا وكهدف أكبر في كل مرحلة من مراحل نضالنا القومي، تأكيداً لوجودنا كقومية وأمة عربية واحدة على مسرح التاريخ الإنساني وحركة الأحداث والمتغيرات في العالم وفي مواجهة الأخطار والتحديات.

     وعلى قواعد الديمقراطية السياسية أولاً والديمقراطية الاقتصادية والاجتماعية المواكبة لها والمنبثقة عنها ثانياً، وعلى مبادئ حقوق الإنسان وحرية فكره ومعتقده وضمان كرامته وعيشه الكريم وسلامته وأمنه وتكافؤ الفرص أمام المواطنين جميعاً والمساواة بينهم أمام القانون، ورفض أي تمييز أو تمایز طائفي أو عنصري أو فئوي أو جهوي أو من حيث الجنس…. على هذه القواعد والمبادئ نقيم روابطنا الاجتماعية والسياسية والثقافية، القطرية منها والقومية، ونقيم تنظيماتنا السياسية في كل مراحلها وأطوارها، ونعمل على تعميم هذا الوعي الديمقراطي في مجتمعاتنا الشعبية وترسيخ قيم الحرية والعدالة والمساواة في ثقافتنا القومية، ونقف بها في معارضة كل نظم الديكتاتورية والتسلط والظلم والاستبداد وننفي عنها وتستبعد كل أشكال الحكم المطلق والهيمنة الشمولية. فالديمقراطية بجناحيها أصبحت النهج الذي لا بديل عنه لتقدم أمتنا ونهوضها ولتحرير إرادة شعوبها وبناء مجتمعاتها المدنية المستقلة وإطلاق مبادراتها الحرة، أفراداً وجماعات وفئات اجتماعية، والديمقراطية سبيلنا لكسر معوقات التخلف والأخذ بروح العصر.

     ناصريون…. وهذه وجهتنا التي نتوجه بها اليوم، ونتطلع من خلالها بالثقة وآمال المستقبل، إلى هذا النهوض الناصري الذي أخذ يتقدم على أرض الكنانة، وفي حمى شعب مصر العظيم رافعاً من جديد رايات ثورة عبد الناصر التي كانت منارة تدل قوی النضال العربي إلى طريق نهوض الأمة، تلك الرايات التي نكستها من بعد عبد الناصر حركة الردة وقوى الثورة المضادة والرجعية وعملت على أن لا تعود وترتفع من جديد، لا في مصر ولا في غير مصر من أرجاء الوطن العربي. ولكن ثورة عبد الناصر بمنطلقاتها الأساسية ومبادئها وأفكارها تُثبت اليوم من جديد، وبعد كل ما وقعت به الأمة من نكسات وضياع، أنها هي الأكثر رسوخاً في وجدان الشعوب وهي الأكثر تعبيراً عن مصالحها وتطلعاتها وهي الأبقى. إنها ليست شهادة التاريخ بالنسبة لمرحلة مضت وانقضت، بل وستكون شهادة المستقبل لأنها مشروع نهوض الأمة القابل للتجدد ولأنها حركة القومية العربية المندفعة بالأمة نحو المستقبل.

     فمن موقع الانتماء الفكري والسياسي والنضالي لهذا النهج، والأخذ به کنهج استراتيجي في التحرر الوطني والنهوض القومي وإنجاز مهمات ثورة قومية عربية ديمقراطية تضع شعوب الأمة على طريق الاستقلال والتحرر والتحرير، على طريق التقدم والتنمية المستقلة وعلى طريق الوحدة وإقامة دولة الأمة الموحدة وإقامة مجتمع الكفاية والعدل، نهجاً يُخلص الأمة من الأغلال التي كبلتها طويلاً ومن الرواسب، ليضعها من جديد في مسار التاريخ وينهض بها إلى روح العصر والمشاركة في الحضارة الإنسانية. ذلك هو النهج الذي شقت طريقه أمامنا ثورة عبد الناصر وقيادة عبد الناصر، طوراً بعد طور ومرحلة إثر مرحلة ومعركة بعد معركة، متقدمة بوعي شعوب الأمة وحركة تجمع قواها من موقع إلى موقع، وبهذا أصبحت الناصرية تياراً شعبياً عريضاً يحمل تجمع قواها ويدفع بإصرار على طريق أهدافها، وبذلك صارت الناصرية فكرة تحملها ” كتلة تاريخية ” وما أعوزها وأعوز فعلها واستمراريتها وصعودها، إلى أن تُشكل طلائعها وتنتظم حزباً وأحزاباً سياسية، قطرياً وقوميا، على تلاحم عضوي بذلك التيار الشعبي الذي عبر عن حضوره بعفوية واندفاع في كل معركة كانت تخوضها قيادة الثورة، وأيام الأزمات التي كانت تمر بها كما في لحظات الانتصار.

     فمن مواقع شعوب الأمة وجماهيرها التي استيقظت على نداء عبد الناصر يجلجل من القاهرة “إرفع رأسك يا أخي العربي وانهض معنا فأنت حر”، ولبينا النداء، وقامت شعوب الأمة في وجه الظلم والاستبداد، تنفض ركام قرون التخلف والخنوع، وتدك معاقل الرجعية وعروش الطغيان، وتخلع الاستعمار المقيم على الأرض العربية قطراً بعد آخر وتصد حملاته الجديدة وتقف ضد الإمبريالية والصهيونية والاستعمار الجديد بكل أشكاله السياسية والاقتصادية والثقافية و في وجه أحلافه ومعسكراته والقواعد التي يقيمها للهيمنة والعدوان.

     من هذا الموقع انطلقنا وتلك كانت البداية فيما نسميه ويسميه العالم بالتوجه الناصري لحركة القومية العربية، ومن حيث أن عبد الناصر ثوَّر شعوب الأمة العربية وجسّد إرادة الأمة وتطلعها للمستقبل، وقدم بنهجه الاستراتيجي وعقلانيته السياسية وبتصميمه وشجاعته، قدوة لحركة التحرر العربي وحركات التحرر في العالم، ومنذ البداية- بداية ثورة 23 يوليو، ثورة مصر التحررية الوطنية- مد عبد الناصر بصر وبصيرة الثورة عبر سيناء ليضع مصر في دائرتها العربية وليكون وطنها وحدود مسؤولياتها وطن الأمة كلها من أطلسها إلى خليجها، كذلك أراد أن يتطلع كل شعب في كل قطر عربي، لتعي الأمة كلها دورها التاريخي ووحدة مصيرها، وأن وحدتها النضالية بدايةً، هي خط دفاعها الأول ضد أعدائها وأن مستقبلها في وحدتها… فكان أن تحركت قوى النضال العربي من كل أقطار الأمة وأطرافها وتطلعت بأنظارها وأمانيها إلى مصر عبد الناصر، لتصبح القاهرة عاصمة شعوب الأمة وملتقى أحرارها ومناضليها بل ملتقى وسنداً لحركات التحرر في أفريقيا وفي العالم الثالث كله.

     ومن موقع الحركة الشعبية الوطنية التي صعدت بقوة في المشرق العربي وبلاد الشام، منذ أن نهض عبد الناصر في مصر وشعب مصر أمامها، ووجدت في ذلك فرصتها التاريخية لتحقيق حلم أجيالها في تحرير الأمة وتوحيدها، وفي بناء قوتها ومنعتها في وجه أعدائها المتربصين بها ومن حولها، فاندفعت ودفعت بكل إرادتها الجماعية وتصميمها إلى إقامة وحدة القطرين المتحررين، تلك الوحدة التي كان لها أن غیرت موازين القوى في المنطقة وثورت شعوب الأمة وأسقطت حلف بغداد في بغداد نفسها وكادت تُسقط الكثير من الأنظمة والحواجز والحدود وتقلب أوضاع المنطقة كلها وتغير خارطتها السياسية وتصنع مجتمعاً جديداً وتاريخاً جديداً للأمة لولا أن مسيرتها تعثرت وتألبت عليها القوى المعادية وقدرت .

     فعلى آثار تلك الحركة الشعبية التي صنعت الوحدة، ومن مواقع القوى الشعبية التي قامت تقاتل الانفصال، وتعاقدت على النضال من أجل إعادة وتجديد الوحدة، وظلت بعد كل الذي تغیر وتبدل هنا وهناك، متمسكة بهذا التطلع والأمل، وبأن يعود ويمتد هذا الجسر الاستراتيجي بين القاهرة ودمشق كمرتكز أثبت إمكانيته و جدواه في أي مشروع لبناء قوة الأمة ووحدتها، وظل هذا التوجه معّلماً بارزاً من معالم ناصريتها وفي منظورها وتوجهاتها القومية لا كحنين إلى ما كان وإنما في تطلعها المستقبلي وتحركها نحو المستقبل .

     بعد نكسة الانفصال وما كشفته من قصورات، كانت هناك حركة نقد واسعة وجرت مراجعة، وكانت مراجعة لكل النهج السياسي والاجتماعي والمؤسساتي الذي سارت عليه قيادة الثورة، وكانت هناك إعادة تأسيس للثورة والدولة ككل وعلى صعيد المجتمع الشعبي ولصيغة بنائها الديمقراطي ومن حيث نهجها الاستراتيجي وتوجهاتها العربية والدولية . وقدمت فيما قدمت صيغة تحالف قوى الشعب العامل، قاعدة اجتماعية وطنية، وقدمت “ميثاق العمل الوطني” الذي انتقل بصيغة التعاقد الاجتماعي الوطني نحو منهاج عملي ونهج استراتيجي وطني وقومي وأقامت نظام “الاتحاد الاشتراكي العربي” وتنظيمه السياسي…. وتلك كانت مرحلة تأسيسية هامة في تشكل الوعي الناصري العام كوعي سياسي واجتماعي على الصعيد الشعبي وفي الحركة الناصرية الشعبية عموما، في مصر وفي الوطن العربي، وهي ما زالت تشكل مرجعية لها في مبادئها العامة ومنطلقاتها، وسيكون علينا وعلى أية حركة قومية عربية وحدوية، وهي تعيد تأسيس نهجها من جديد، أن تقف ملياً، وقفة مراجعة ونقد، لتلك المرحلة التأسيسية وما أعطت، وما قصرت عنه ولم تستطع إنجازه وما كان فيها من ثغرات، ولما رسخته أيضاً من ثوابت وما أعطته من تقدم لحركة النهوض العربي والقومية العربية كما أعطت دفعاً أوثق لحركات التحرر في الوطن العربي، وعملت قيادة عبد الناصر على أن تجعل من مصر الثورة والقدوة والمرتكز، وهنا ما جاءت حرب حزيران عام 67 إلا لتقطع طريقه .

     ومن مواقع الحركة الشعبية العارمة التي نزلت إلى ميادين القاهرة من كل فج وصوب طوال يومي 9 و10 حزيران، نزلت تعلن غضبها بإرادة واحدة وتصميم واحد، وتجاوبت معها جماهير الأمة في كل مكان، ترفض التسليم بالهزيمة، وتطالب عبد الناصر بالعودة إلى سدة قيادة الأمة، مصممة على مواصلة مسيرة الثورة، وتلك كانت أيضاً وقفة شعبية ناصرية لها دلالاتها. وكانت المُتكأ الذي استندت إليه قيادة عبد الناصر واستمدت منه عزيمتها في تجديد بناء قوة الأمة وللتصدي بها المهمات التحرير وإزالة آثار العدوان لتوضع الأمة من جديد على طريق أهدافها الكبرى وإنجاز مهمات مشروع نهوضها القومي. إن القوى والفئات التي خرجت عن طريق عبد الناصر وارتدت ضده، وكل القوى المعادية لأمتنا العربية ووحدتها مـا زالــت تُمسك بهزيمة حزيران وكأنها كانت النهاية لمشروع النهوض القومي الناصري بل والنهاية لحركة القومية العربية والتعبير عن فشلها، وتسجل الهزيمة لحساب عبد الناصر وثورته . وهنا أيضا نحن بحاجة إلى وقفة عند مـا جری وتم بحضور عبد الناصر والتصميم الذي مضى فيه والنهج الذي سار عليه في السنوات الثلاث التي أعقبت الهزيمة إلى أن قضی، لا إنصافا لعبد الناصر وما قدم، بل وللاغتناء بما قدمته تلك المرحلة الصعبة من دروس وما كشفت عنه من إمكانات، ومن قدرات قوى الأمة على المقاومة وعلى التقدم من جديد . وكان من معطيات تلك المرحلة “بيان 30 مارس” الذي قُدم كبرنامج عمل مرحلي، وهو يعطي دليلاً واضحاً على ما كان من تجديد ومن مقومات نهوض بعد الهزيمة، وهو بعد كل ما جرى وتغير، يبقى مرجعية من مراجع أية حركة ناصرية وهي تستمد من تجربة الماضي حوافز تنير أمامها طريق المستقبل .

     إن بيان 30 مارس، ذلك البيان البرنامج، إذا كان عبد الناصر قد ركز فيه مهمات قيادته، على العمل من أجل الانتصار في معركة إزالة آثار العدوان، ورفع حیف تلك الهزيمة، وما وضعته من عقبات كبيرة على طريق حركة التحرر العربي، عن كاهل الأمة، فإنه كان يمد جسراً إلى المستقبل، وكان تطلعاً إلى المستقبل، وليكون إنجاز مهمات التحرير المدخل لإعادة البناء الديمقراطي للدولة والمجتمع ولينهض جيل جديد ويواصل مسيرة النهوض العربي .

     ولقد سار عبد الناصر بخطوات ثابتة على طريق تنفيذ هذا البرنامج، ولكنه قضى قبل أن يبلغ غايته وحل ذلك الفراغ الكبير الذي لم يجد من يملأه .

     لقد رُوعت الأمة كلها بفقدان قائدها الاستثنائي والفذ، ومشت جحافل الشعوب تودعه، وتقدمت الطلائع الناصرية الجموع وكذلك كل الطلائع الوطنية والقومية العربية، وبدا كما لو أن إرادة الأمة كلها قد توحدت، وراء ذلك النداء الصاعد من الأعماق لتردده حناجر الجموع “بالروح بالدم حنكمل المشوار”. وجاء السؤال الذي لا بد أن يطرح نفسه، فأين من يمسك بهذه الإرادة ويلبي النداء ويواصل مسيرة النهوض بالأمة على طريق التحرير والنصر ويواصل كفاح شعوب الأمة لبلوغ أهداف ما بعد التحریر وتحقيق وحدتها وتقدمها ومنعتها .

     كانت المسيرة كلها مرتبطة بقيادة عبد الناصر ويتقدم بتلك القيادة من طور إلى طور وما وضعته من برامج وخطط وما صاغته من أدوات عمل وتنفيذ، وما أقامته من علاقات مباشرة وغير مباشرة مع مجتمعها الشعبي وما تقدم إليه وعي شعوب الأمة . ولمـا غـاب عبد الناصر لم تجد أمامها البديل الذي يسد الفراغ.

     فحال حركة الجماهير الشعبية التي نزلت إلى الشوارع وفي يومي 29 و 30 أيلول عام 1970 تعبر عن إرادتها في مواصلة المسيرة لم تكن مثل حال حركتها في 9 و 10 حزيران عام 67 وفي وجهها ثقل الهزيمة . فحركة 9 و 10 حزيران كان ما زال أمامها عبد الناصر وأمسكت بقيادة عبد الناصر مرتكزاً للصمود ودافعاً لتجديد البناء، وهي لم تنّفض بعد ذلك أو ترتد إلى مواقعها التقليدية، بل هي بقيت متحفزة وساهرة في مواقعها الاجتماعية الحديثة التي نقلتها إليها مسيرة الثورة الناصرية . إنها قدمت أقصى ما تستطيع من قدرات وتضحيات للمعركة وفي سبيل الصمود والتصدي والتحرير والنصر . ولكنها بالمقابل ومن هذه المواقع بدأت تأخذ دورها الفاعل في صياغة القرارات السياسية وفي الدفع بمسيرة التغيير الديمقراطي الذي يعتمد “تحالف قوى الشعب العامل” قاعدة لصياغة الوحدة الوطنية للمجتمع المدني، وليعيد بناء “الاتحاد الاشتراكي العربي” كتعبير عنه بحيث يعيد السلطة إلى الشعب أو يجعله مصدراً للسلطة ورقيباً عليها، وطرحت مسألة الحزب السياسي كضرورة لا بد منها في إدارة العملية الديمقراطية في المجتمع والتحالف، وإذا كانت صورة “الحزب الطليعي” أو ما سمي بالجهاز السياسي للاتحاد الاشتراكي ظلت الصيغة الإيديولوجية السائدة، فإن مسائل التعددية السياسية والحزبية أخذت تطرح نفسها لتكون هناك ديمقراطية سياسية فعلية ولاستكمال المقومات الديمقراطية للدولة والمجتمع ولبناء نظام عربي حديث ودولة عصرية، وذلك ما حمل مؤشراته بیان “30 مارس”، إلا أنها عملية بدأت ولم تُستكمل، وتُركت المبادرة في كثير منها إلى من لم يبادر أو بقيت مرجأة لما بعد معركة التحرير . وكان مطلوباً من تلك المبادرات، قومياً وفي كل قطر، وبخاصة في القطر الذي يتطلع شعبة إلى أن يعطي القدوة، أن تنقل الحركة الناصرية الشعبية وتقدم وعيها الديمقراطي من نمط الولاء الأبوي للقائد التاريخي والزعيم الفرد، إلى الولاء للفكرة وقضية الأمة وإلى الولاء للتنظيم والتنظيمات السياسية التي تأخذ بالفكرة والقضية وتصوغها منظوراً وأيديولوجيا مطابقة ونهجاً تسير عليه وبرامج نضال وعمل . وعبد الناصر كان ينادي باستمرار في تلك المرحلة بأن الفـرد زائـل وأن الشعب وحـده الذي يدوم وتتواصل أجيالـه وهو الذي لا بـد أن يُمسك بالمبـادرة ويُقـدم قيـادات متجـددة، وعبد الناصر هو الذي أكد في برنامجه المرحلي ” أن أي نظام يستند إلى إرادة جماهير الأمة لا يكفيه أن يكون الشعب وراءه راضياً ومؤيداً… بل هو يحتاج إلى أن يكون الشعب أمامـه موجهـاً وقائداً ” . ولكن هذا التوجه ظل توجهـاً وأمـلاً، وهـذا ما لـم يكن قـد تقـدم إليـه الـوعي الديمقــراطي للحركة الشعبيـة النـاصرية وقياداتهـا التي بقيت على مبـادرات عبد الناصر لتدفـع بهـا.

     وفي اليوم الحزين مشت جموعنا الشعبية يحدوها نداء مواصلة المسيرة، إلا أنها مسيرة انقطعت ولم تجد من يمسك بها ويتقدم، وانفضت الجموع وعادت إلى مواقعها وأخذت تتلفت أين أصبحت القيادة وماذا سيكون البديل .

     ونادينا يومها مع المنادين وقلنا أن البديل لقيادة عبد الناصر لن يكون قائداً فرداً جديداً وأن الدور الذي قام به عبد الناصر كان حدثاً تاريخياً استثنائياً وتعبيراً عن مرحلة، وأن البديل لن يأتي من فوق ومن سلطة قائمة أو نظام حكم، بل لا بد أنه يعود ويتأسس من جديد في خضم المجتمـع المدني والحـركة الشعبية، وتطلعّـنا إلى أن يدفع هذا الفقدان المفاجئ وما أحدثه من فـراغ خطير في ظرف دقيق وصعب تمر بـه الأمـة، أن يدفـع إلى تلاقي وتجمع كل طـلائع القوى الشعبيـة النـاصرية والوحدويـة العربيـة، ومن خـلال الالتـزام بنهج عبد الناصر، منهاجه المستقبلي لتشكل قيادة جماعية ومرجعية شعبية قومية، وطرح من جديد شعار “الحركة العربية الواحدة”.

     والنـداء ظل نـداء ولــم يتقدم من يمسك بالمبادرة ويتملك وعيـاً ديمقراطياً مطابقـاً لضروراتها، بل تقدمت البدائل الزائفة وسارت المتغيرات في الاتجاه المعاكس وصعدت قوی الثورة المضادة وتحكمت حركة الردة وكان ما كان من تراجع حركة القومية العربية وتشتيت لقواها وتراجعت حركة الشعوب تحت وطأة نظم الاستبداد وانكفأت إلى مواقعها التقليدية ما دون القومية وما قبل الناصرية وانفرط عقد “التحالف”- تحالف قوى الشعب العامل- وطوي ميثاق العمل الوطني والقومي الذي تعاقد عليه، وصعدت إلى مواقع السلطة و التسلط تحالفات من نمط جديد ومعادٍ لتقدم حركة الشعوب ومُفتت لمقومات وحدة الأمة لتتوالى حلقات السقوط والتراجع، وتفقد الأمة أي نمط أو منظور يوجه حرکتها وأية مرجعية لها وأي موقع أو مرتكز تستند إليه للنهوض من جديد وكأننا أمة فقدت مستقبلها…

     إن قوى الردة وحركة الثورة المضادة التي سادت في مرحلة ما بعد عبد الناصر ركزت حملتها وجهودها لاقتلاع الناصرية وطمس معالم كل ما قدمته حقبة عبد الناصر من مقومات استراتيجية واجتماعية وسياسية لبناء نهوض الأمة ووحدتها، ولكنها لم تستطع أن تقتلع الفكرة والتطلع من وعي الحركات الشعبية التي حافظت على استمراريتها في العديد من الأقطار العربية وظلت تتطلع من خلالها، ولكنها حركات ظلت مشتتة ومنفصلة عن بعضها ومحاصرة داخل أسوار النظم القطرية المغلقة، وهي ما زالت تناضل وتتحفز من مواقع المعارضة الوطنية والديمقراطية.

     ومن المعاناة المباشرة لما آل إليه الواقع الآن ومن خلال الالتزام بقضية الأمة والتطلع إلى ضرورة وحدتها واستيعاب حركة المتغيرات في منطقتنا العربية ومجتمعاتنا وفي العالم من حولنا والإمساك بقضية الديمقراطية نهجاً في التفكير ومنهاجاً عادت لتتقدم حركة فكر قومي عربي جديد. وعلى آثار هذا الفكر، وعلى آثار ما بقي في المخيلة الشعبية من طموحات جيل عبد الناصر قام وتقدم جيل ناصري جديد. إنه جيل تفتح وعيه على الواقع المأزوم للأمة وما آلت إليه حالها وحال مجتمعاتها ونظمها وقواها، جيل أحس الفراغ القاتل الذي حل بعد مرحلة النهوض التي كانت وشهد كل البدائل الزائفة والفاشلة التي طرحت في الساحة العربية وقام وعيه على رفضها وعلى الوقوف في معارضتها، جيل لا يستمد ناصريته من الولاء لزعامة أو فرد ولا من تعصب لفئة ولا من التابعية لنظام أو الارتباط بشكل من أشكال الحكم ولا يقف بوعيه عند الإمساك بمرحلة يريد استعادتها، بل هو يتطلع بنظرة كلية شاملة إلى حقبة عبد الناصر وما قدمت، وإلى الروح العامة التي كانت تدفع بخطواتها نحو التقدم والتجدد باستمرار وإلی ما ولدته من وعي سياسي واجتماعي في تطلعات جماهير الأمة وحركة الشعوب، وهي تعطي الأمل لهذا الجيل بإمكانية النهوض الجديد والإمساك “بالدور” الذي تعثر وانقطع، الدور الذي تتطلبه حالة الأمة وأحوال المنطقة والمتغيرات في العالم . إنه جيل أخذ يعي بشكل حاد ما كان من قصور ديمقراطي في حركة تقدم أمتنا وفي منجزات الثورة الناصرية ذاتها، وهو يطالب نفسه بتجديد النهج الناصري وصلاً لما انقطع وبفكر جديد يجيب على المسائل الراهنة ويعي حاجات الأمة . وهو الذي يقدم مطالب الديمقراطية السياسية والتغيير الديمقراطي لتكون المنطلق الأول لإنجاز مهمات الثورة العربية الوحدوية، وهو الذي دفع ويدفع إلى إعادة تأسيس الناصرية حزباً سياسياً ومنظوراً أيديولوجياً مطابقاً قابلاً للاغتناء والمراجعة باستمرار عبر الممارسة وعبر ما يقدمه من برامج وما ينظمه من روابط و علاقات .

     فمن موقــع هــذا الجيل النــاصري ومـا يبشر بـه، وتثبيتـاً لتــواصله مـع المـواقــع والمنطلقـات التي تظل مرجعاً له في تبادل التجربة والخبـرات مع الجيل الذي قـام قبــله ويقف اليوم كأنه لم يكن تمهيداً ودعماً له ليأخذ بزمـام المبادرة.. تتوجـه تطلعاتنا اليوم لنقف ونقـول ” إن النـاصرية ليست ماضيـاً ولا حدثاً كـان في حيـاة هذه الأمـة وانقضى، بل إن الناصرية مستقبل وهي تبني لمستقبلنا “.

     إن الأفكار التي أتينا على استعراضها لم تكن مجرد تذكرة بما مضى وبما مر من مراحل في تطور الوعي السياسي لحركتنا القومية كحركة شعبية ناصرية، وإنما هي محاولة استكشاف للمرتكزات والمواقع التي يمكن أن تستند إليها توجهاتنا المستقبلية، في الوقت الذي تضعنا فيه الظروف والمستجدات وحركة الأحداث في المنطقة على أبواب مرحلة جديدة من العمل القومي والنضال الوطني الديمقراطي .

     وفي مواجهة ظروف المرحلة وأمام هذا الواقع العربي المتراجع والمتعثر وما تواجهه الأمة من تحديات وما يتهدد وجودها ومستقبلها من أخطار، تبرز الحاجة وأكثر من أي وقت مضى لتجمع قوى النضال العربي والقومية العربية ولم شتاتها، ولإيجاد مرتكزات ومواقع وطنية لهذا التلاقي والتجمع، ولتؤكد من جديد أن طريق نهوض الأمة هو الطريق إلى وحدتها، وأن هذه الأمة كما قدرت في الماضي غير البعيد وغير المنقطع في تفكيرنا وإرادتنا ووعي أجيالنا المتعاقبة، كما قدرت أن تنهض و أن تضعنا على طريق تحرر ونهوض بثورة عبد الناصر، قادرة على أن تجدد مسار نهوضها.

     إنها ليست مسؤولية تلقى على عاتق موقع وطني لقطر عربي بذاته، فالمبادرة للتجمع القومي لا بد أن تأتي من مختلف المواقع العربية، وهي مبادرة لا بد أن تتقدم من خلال الحركات الشعبية وطلائعها الثقافية والسياسية، وليس لها من سند أو مستند اليوم في أي نظام حاكم أو زعامة حكم . فنظمنا العربية كلها أصبحت حبيسة قطريتها وتابعيتها الخارجية والمصالح الخاصة للطبقة الطفيلية الفاسدة التي تساند سلطانها، وهي إذا ما تضامن بعضها مع بعض أو تكتل في موقف، فكثيراً ما يكون ذلك ضد مصالح الشعوب وليس على طريق وحدة الأمة . ولقد كانت هناك وما زالت مبادرات التجمع والعمل القومي قامت من مواقع شعبية وسياسية وفكرية خارجة عن التابعية للنظم واحتواءاتها طرحت أفكاراً وأجمعت على مبادئ للعمل ومشروع نهوض إلا أنها ظلت تتطلع بأنظارها إلى موقع كان منطلقاً لنهوض الأمة ومرتكزاً لقوى نضالها، وظلت تتابع بآمالها ذلك المخاض القومي الناصري الذي يتقدم في مصر، بعد الانكفاء الذي طال، إلى أن كانت بُشراها قيام الحزب الناصري الموحد، حزب الديمقراطية والعروبة .

     وبمثل هذا التطلع والأمل فإن الناصريين الصادقين في أرجاء الوطن العربي جميعهم، وكل المؤمنين بالقوميـة العربيـة، بل وكل المتطلعين إلى نهـوض تحـرري جديـد للأمـة والمناضلين في سبيل تقدمها ووحدتها.. وقفوا يحيون قيام الحزب الناصري في مصر بعد انتصاره في معركة الديمقراطية وانتزاعه حقه المشروع في الوجود العلني والمنظم، كحزب وطني معارض، يتأسس من جديد بالديمقراطية وتعبيراً عن مصالح الشعب ومطالب قوی الشعب العامل، ليعيد تأسيس السياسة في المجتمع في نهجٍ ناصري متقدم، ويعمل من أجل وحدة الأمة العربية …

     إن إعلان قيام الحزب العربي الديمقراطي الناصري في مصر والخطوات التي سار فيها لإشادة بنيانه التنظيمي والفكري والإعلامي وتوضيح برنامجه، ليس حدثاً يعني الناصريين في مصر وحدهم على مختلف مجموعاتهم وأجيالهم، وهو لا يعني الشعب المصري وحده وحركة الوطنية الديمقراطية، بل هو يعني ويشد اهتمام القوى الشعبية والحركات الوطنية الديمقراطية في أرجاء الوطن العربي وكل من يتطلعون إلى مرتكزات ثابتة تنهض عليها حركة التقدم العربي الجديد . وإن ما أثاره هذا الحدث بحد ذاته من استجابات وحماسة و دعم داخل مصر وخارجها، وما تحرك ضده وفي معارضته ونقده من قوى الرجعة والردة ومن الأقلام المأجورة والحاقدة، لمؤشرٌ ودليل.

لقد عملت قوى الرجعة والثورة المضادة والمُرتدون عن طريق عبد الناصر طوال العقدين الماضيين على اقتلاع الناصرية من مصر والمجتمع المصري، تصميماً على أن لا تقوم لهذا النهج القومي قائمة من جديد، لا في مصر ولا في الوطن العربي . وكان ذلك شرطاً من اشتراطات الحلف الأمريكي- الصهيوني على الردة ونظمها وكانت المدخل إلى “كمب دافيد” وما بعد کمب دافيد وإلى ما هو اليوم أشد تقهقراً وأدهى .

     ولكننا إذا جئنا لنقول اليوم “ها نحن قمنا ونقوم من جديد” فإن التحدي يبقى أمامنا، في وضوح رؤيتنا، في القدرة على وصل ما انقطع وتجديد مسيرة التقدم في القدرة على الالتحام بالمجتمع الشعبي والتعبير عن حاجاته والالتحام بقوى الأمة وأهدافها، ولنقول ما قال عبد الناصر في الميثاق الوطني “كانت الأهداف نداءات مستمرة للنضال العربي، ولكن الثورة تواجه مسؤولية شق طريق جديد أمام هذه الأهداف …” .

     وإذا ما انشدت آمالنا اليوم إلى القاهرة، وإذا ما جئنا بأفكارنا وحرارة قلوبنا وتطلعاتنا نطرحها في هذه الساحة الديمقراطية الوطنية، ساحة الحزب الناصري بقيادته ومؤتمره وما يشد إليه من تحالف وتضامن، فلما عشناه و نعيشه من التزام مشترك بقضية واحدة هي قضية وحدة هذه الأمة ومصيرها ومستقبلها، ولما نصبو إليه في أن يكون هذا التأسيس الجديد الذي يقوم عزيزاً قوياً بشعبيته وشعبه على أرض مصر العربية، منطلقاً في الوقت ذاته لبداية جديدة في إعادة تأسيس العمل القومي وصياغة ترابط قواه واستراتيجية وضع المشروع الناصري، مشروع نهوض الأمة ووحدتها موضع الممارسة والتطبيق .

     قد يأخذ علينا البعض هذا التأكيد على أننا أمام بداية جديدة وأمام إعادة تأسيس وتجديد للناصرية والعمل الناصري، وكأنه قطيعة مع الماضي وما تأسس وقام من قبل باسم الناصرية والأخذ بالنهج الثوري الذي سارت عليه قيادة عبد الناصر، أو يجدون فيه إجحافاً بحق أولئك المناضلين القوميين الأشداء الذين ضحوا وصبروا وصابروا وعملوا بدأب ومن غير انقطاع، ونظّروا ونظموا هنا وهناك واتخذوا مواقع ومواقف ناصرية في مواجهة مختلف الظروف والمتغيرات، وظلوا أوفياء للقضية والمبدأ وقاموا في وجه قوى الرجعة والردة وفي مواجهة مخططات أعداء الأمة وأعداء القومية العربية والوحدة… فما كان هذا قصدنا ومقصدنا كما هو واضح في سياق تفكيرنا. فالبداية الجديدة لا يمكن أن تنطلق إلا من استخـلاص لكل تجـربة الماضي النـاصري منذ أن أمسك عبد الناصر بزمـام مبـادرتـه التاريخية و أمسك بزمام مسار ثورة 23 يوليو حتى اليوم، استخلاصاً يساعد على الإحاطـة بمعطيات الحاضر وينير طريق المستقبل، ويشكل دليلاً للعمل، وتلك مهمة لا بد أن يقوم بها مفكرو الحزب الناصري أو الحزب “كمفكر جماعي” ومجموعة عمل ذات منهج في التفكير ونهج في العمل .

     وعملية إعادة التأسيس للناصرية كفكر ونهج سياسي وحزب وتنظيم شعبي، مطلوب أن تلتقي عليها وتتلاقى فيها كل القيادات والفصائل الناصرية والتي تقول بنهج ناصري في العمل الوطني والقومي وأن تقدم لها كل ما عندهـا من كفاءات وطاقـات، لتؤكد ناصريتهـا ووحدة منطلقاتهـا وأهدافهـا وأنها تصب في تيـار وطني وقومي واحـد، وأن تبـرهن أيضاً على ديمقراطيتها من خلال الممارسة الفعلية وكيف تصوغ، عبر الحوار و “الوعي المتمرد على سيـاط التعصب والإرهـاب”، ومن خـلال التعدد في وجهـات النظـر والاجتهــادات والتصورات، الإرادة العامة الواحدة والمواقف الموحدة .

     وإننا نعرف جيداً أن حصول “حزب ناصري” في مصر على المشروعية الرسمية والقانونية لا يشكل بحد ذاته بداية، فالناصرية كتيار شعبي مسيّس وكطلائع ثقافية ونضالية تنشط وتعمل، قد أكـد حضوره واستمراريتـه على الدوام متحدياً كل ما فعلتـه ضده قـوى الرجعـة والـردة والثـورة المضــادة وكل ما وضعته على طريقـه من عقبات، الممارسات السلطوية وإجراءاتهـا القسرية، فهو قـد فرض بجـدارة مشروعيته الديمقراطية والشعبيـة السابقة على مشروعية أي حـزب آخـر معترف به في الساحة الوطنية بما في ذلك الحزب الحاكم الذي أقامته السلطة وأسسته الطبقـة الحاكمة لتكريس مصالحهـا واستمراريتهـا في الهيمنـة على الحكم، وكان لا بـد لهــذا التيار الشعبي النـاصري أن يفـرض في النهـايـة مشروعيته الرسمية والقانونية وأحقيته في أن يتشكل حزباً وأن يعبر عنه حزب سياسي، وفي نظام حكم يقول بالديمقراطية والتعددية السياسية.

     وإذا كانت الفئة المتنفذة في الحكم قـد قاومت واعترضت سبیل قيـام الحزب النـاصري من قبل، وإذا كانت تريد اليوم أن تحصره وتحاصره في إطار مقنن وفي مجموعة محددة، لتقـوى على تحجيم دوره واحتـواء معارضتـه، فلا بـد للحركة الشعبيـة النـاصرية بكل فصائلها وقياداتهـا أن تنهض إلى مستوى التحـدي الكبيـر، وأن تُحـول هـذا الحصر إلى منطلق بدايـة ونصر، لتجد في هذا الحزب متسعاً لها كلها وليكون ملتقاها كلها ويصوغ بالديمقراطية ارادتها الموحدة، ليُثبت قدرة الجزء على أن يحيط بالكل ويجمع الكل . وإن ما توفره هذه المشروعية الرسمية من مناخ للعلانية وحرية التعبير والحوار والدعوة لا بد أن يساعد أكثر على مواجهة التحدي، وعلى إثبات قدرة الحركة الناصرية بالممارسة على أن تشكل حزباً ديمقراطياً ونهجاً وطنياً وقومياً موحداً، وأن تشكل رافعة حقيقية في العمل الوطني الديمقراطي وفي العمل القومي الوحدوي، وأن يحمل بجدارة مضامين هذه التسمية التي أطلقها الحزب على نفسه كحزب ديمقراطي عربي ناصري .

     وأمام الحزب الذي يقوم ويؤسس ويجمع، وأمام كل من يتطلعون إلى أن يجدوا فيه مرتكزاً للعمل الوطني والقومي وقدوة، نضع ما وضعه ميثاق عبد الناصر الوطني أمام حركة الثورة العربية وأداة النضال العربي من ضرورة التسلح بثلاث قدرات:
” ا- الوعي المتمرد على سياط التعصب والإرهاب.
2- الحركة السريعة الطليقة التي تستوعب الظروف المتغيرة مع الالتزام الدائم بأهداف النضال ومُثله .
3 – الوضوح في رؤية الأهداف ومتابعتها باستمرار، وعدم الانسياق الانفعالي في الدروب الفرعية التي تُبعد عن الطريق وتبدد الطاقات… فالثورة تواجه مسؤولية شق طريق جديد أمام هذه الأهداف والثورة لا بد أن تواجه العالم بفكر جديد لا يحبس نفسه في نظريات مغلقة ولا يعزل نفسه عن التجارب الغنية…”.

     وانطلاقــاً من هذه القواعــد يمكـــن أن نتقـــدم وأن نجـــدد ونؤسس من جـــديد.
———-
* هذه الكلمة كتبها الدكتور جمال الأتاسي الأمين العام لحزب الاتحاد الاشتراكي العربي في سورية بمناسبة انعقاد المؤتمر التأسيسي للحزب العربي الديمقراطي الناصري في القاهرة عام 1992، وقد ألقاها بالنيابة عن الدكتور جمال عضو المكتب السياسي محمد عمر كرداس، حيث اختارها أمين التنظيم في الحزب الناصري المرحوم المناضل محمد عروق من بين كلمات القوى الناصرية بالوطن العربي لتكون كلمة الأحزاب الناصرية في المؤتمر.