الحرية أولاً , والديمقراطية غاية وطريق

حول التسوية بين سورية وإسرائيل *

الدكتور جمال الأتاسي

     – مع إعادة إطلاق عملية التسوية بين سورية وإسرائيل في واشنطن، كيف تنظرون إلى مستقبل العملية التسووية هذه؟ وما مدى تأثيرها على مستقبل الامة المنظور للأمة؟

     = كان من المتوقع أن تجري الأمور وتصل المفاوضات إلى اتفاقاتها بأسرع مما جرت، بعد كل ما سبقها، في السر والعلن، من وساطات واتصالات وترتيبات. وبالاعتماد على الرعاية الامريكية وعلى التدخل المباشر للرئيس الأمريكي، وهو على  عجلة من أمره أيضاً، ولكن يبدو الأمور أكثر تعقيداً من أن تتخطاها بسرعة رغبات المستعجلين . وأياً ما أحيطت به عمليات التفاوض من كتمان وتعتيم إعلامي، فإن كل طرف فيها يظل فيما يتقدم إليه من خطوات أو ما يقدمه من تنازلات، يحسب حسابات انعكاسه على الرأي العام في بلده، وبمقدار ما يتمسك الجانب السوري بتقديم مطلب الانسحاب الكامل وباستعجال خطواته الإجرائية في الزمان المكان وكأنه النصر الكبير فإن الجانب الإسرائيلي يتمسك بتقديم مطالب الأمن والمياه والتطبيع المتبادل الدبلوماسي والاعتراف وما يسميه بعمليات “بناء الثقة” وما يتحقق بذلك لإسرائيل من إخراج سورية من دائرة الصراع، وما يتكرس لها من امتدادات مصالح ونفوذ واختراقات في كل أرجاء المنطقة، كما يضمن لها أيضاً الخروج بسلامة ويسر من الجنوب اللبناني . وكل التقديرات تذهب الى أن هذه التسوية والتسويات قادمة، والولايات المتحدة لن تترك هذه الفرصة تفلت، بعد كل التدابير التي دبرتها وكل ما ألحقت بها من حلف أطلسي ومساهمات أوربية، هذا إذا لم يقع ما لم يكن في الحسبان من تفجيرات من موقع ما أو انتفاضات هامة غير مرصودة بعد . وأية تسوية تأتي ستبقى اتفاقات كامب ديفيد سقفها الأعلى لتبقى دونه فلا تتخطاه . أما ما سيكون لها من تأثيرات- على المستقبل المنظور للأمة- بل وللمنطقة كلها، انطلاقا من التسليم بأن هذه “التسوية”، بمواصفاتها التي باتت معروفة، آتية لا ريب فيها ولا راد عنها، فلا بد أن نعود وننظر الى هذه التسوية وما ستأتي عليه، وما سيلحق بها، أو يسبقها من تسويات، لا من حيث فرادتها، بل ولا بد من وضعها في إطار العملية الأوسع والأشمل التي تدار وتدبر للمنطقة باسم إنهاء الصراع العربي- الإسرائيلي وإقامة السلام والأمن في المنطقة وفتحها لنظام الإنتاج والاستهلاك والتبادل غير المتكافئ الذي تسوسه الرأسمالية العالمية بنمطها المتوحش الذي يمتد ويتسع .

     وإذا لم نرد أن نذهب بعيداً الى ما رتب ودبر لأمتنا ولمنطقتنا منذ الحرب العالمية الأولى، ومن وعد بلفور للصهاينة والتقسيمات الاستعمارية للمنطقة، وتلك الحملة الاستعمارية التي أسقطت مشروع الثورة العربية الأولى في إقامة دولة موحدة للأمة ، وأقامت نظامها “الشرق أوسطي” واستنبتت فيه مكان للهجرة والاستيطان للكيان الصهيوني لتقطع الطريق أمام أي نهوض عربي ووحدة (فتلك حملة وذلك نظام، كان هناك رد عربي عليها وثورة قومية تقدمت في الخمسينات والستينات) فلنقف عند ما أوصلتنا إليه الحملة الجديدة التي يمسك بها ويدير مراحلها الحلف الأمريكي الصهيوني وما أوقعته وأوقعت بنا، فهذه الحملة التي لم تستطع تحقيق أغراضها كاملة في حرب حزيران 1967إذ قام رد عربي في حينه عليها، ولكنها حملة عادت وأمسكت بعد أن فتكت بمصر السادات وجرتها إلى كامب ديفيد وأخرجتها من معركة الامة ومواجهتها مع أعدائها لتدبر بعد ذلك ما دبرت، من حروب في لبنان وغزو لبنان واحتلال إلى حروب الخليج وتدمير العراق وإسقاط كل نظام للأمن التضامن العربي والالتزام القومي، جرت في مواكبة مع سقوط النظام السوفيتي وانفراد الاستقطاب الأمريكي بالهيمنة العالمية، ولتحملنا تحت رايات “السلام” وإنهاء “الصراع” والأرض مقابل السلام . إلى مدريد وما صار يسمى بمرجعية مدريد، لتنتقل بعد ذلك بكل القضية وكل المسارات وعقد الاتفاقات الى واشنطن، وها نحن في هذه المحطة الأخيرة، محطة التفاوض (شيبر وستاون) بين سورية واسرائيل، وبمشاركة مباشرة من الراعي الأمريكي .

     لقد صوروا الأمور وكأن سورية هي العقدة الأخيرة على طريق تسوية الأمور وإنهاء الصراع بين العرب وإسرائيل، إلا وينفتح الباب أمام تسوية مع لبنان والانسحاب بسلامة من الجنوب، كما لا يعود هناك من معوق أمام هرولة محبي السلام من الأنظمة العربية إلى التطبيع علانية مع إسرائيل وتبادل السفراء، من المملكة المغربية الى سلطنة عمان، وها هم يتسابقون ومن قبل أن تعقد سورية اتفاقها، ليستقبل وزير خارجية إسرائيل بالعناق والقبل من المسؤولين في المغرب، ويحظى بوعد بالتبادل الدبلوماسي على مستوى السفراء مع التقدم بدعوة ملك المغرب الجديد لزيارة قريبة للديار الاسرائيلية تأكيداً لما كان وما سيكون للمغرب من دور في عمليات التواصل والسلام الجارية على قدم وساق. إن رئيس الوزراء الإسرائيلي باراك يعد الجميع بعقد تسوية مع سورية خلال شهرين وبالوصول إلى اتفاق مع لبنان وانسحاب قبل شهر تموز القادم، ولكنه يعلق الأمور على لقاء قمة يراه ضرورياً يجمعه الى الرئيسين الأسد وكلينتون للوصول إلى قرار سوري واتفاق قاطع، وهذه مسألة مازالت عسيرة تعتريها مصاعب كثيرة ومعوقات أو متغيرات يمكن أن تطرأ على المواقف، بحيث لا يمكن الإمساك بمنظور واضح لمستقبل العملية التسووية وبقية التسويات.

     إن إسرائيل ماضية في طريقها، وفي تعزيز قوتها وهيمنتها وامتداد استعمارها الاستيطاني على كل فلسطين وامتداد نفوذها في كل أرجاء المنطقة، ومن هذا المنطلق تتعامل مع هذه العمليات التسووية، والولايات المتحدة الأمريكية لها نهجها الامبريالي في الهيمنة العالمية وفي الهيمنة على هذه المنطقة ومواقعها الاستراتيجية وثرواتها النفطية وفتح أسواقها. وهي منطقة لا تقف عند ما كان بالشرق الاوسط أو المشرق العربي، بل تمتد لتشمل كل أقطار المغرب كما تمتد من طرف آخر الى الدول الشرق آسيوية التي نشأت من تفكك الاتحاد السوفياتي، وتبقى إسرائيل الركيزة الأساسية لها من هذه المنطقة. هذه هي الأطر والمخططات العامة التي تدار من خلالها ما يسمى بعمليات التسوية والسلام، أما الذي يراد أن يغفل وينسى، أو يقتلع من الوجود فهو وجودنا كأمة عربية واحدة ووطن عربي يطمح للنهوض والوحدة .

     إن بعضنا يرى أن “التسوية” التي تجري تحت الرعاية الأمريكية آتية بكل ترتيباتها ومنطلقاتها في مواجهة ما بعد التسوية. ولكن قناعاتنا تذهب الى أن هذه المصائر ليست محتومة ومازال لشعوب الأمة ومقاومتها كلمتها التي تقولها في الإحاطة بعمليات التسوية بالوعي والوضوح وتحول بينها وبين أن تنتهي الى تفريط أو استسلام للمخططات المعادية. كما يعود لطلائع هذه الأمة ومقاومة شعوبها أن تعيد صياغة مشروع نهوضها القومي من جديد في مواجهة ما هو قائم من تحديات وما هو آت من متغيرات..

     – إذا تم التوقيع بين سورية واسرائيل وكذلك بين لبنان وإسرائيل.. ما هو مصير القضية الفلسطينية؟ وهل سينتهي الصراع الإسرائيلي برمته؟

     = جوابنا القاطع من البداية، إن هذه التسويات، السابقة منها واللاحقة، لن تأتي بأية حال على القضية الفلسطينية لا كحل لها ولا كسحب لها من التداول من التداول العربي والالتزام القومي ، ولا هي تصل إلى إنهاء ذلك الصراع التاريخي بين العرب واسرائيل ومن وراء اسرائيل .

     إن الوزير الشرع رئيس الوفد المفاوض السوري، قال في خطبته العلنية التي جعل منها مدخلاً سورياً إلى التفاوض أن الاحتلال للأرض جعل من الصراع صراعاً على الوجود، وإن زوال الاحتلال يحوله إلى نزاع على الحدود فحسب . إن مثل هذا الكلام كان من الممكن أن يكون مقبولاً لو أن الانسحاب وترسيم الحدود لا يقف عند خطوط الرابع من حزيران، وأن يفرض على إسرائيل الانسحاب إلى ما وراء تلك الخطوط من فلسطين والقدس أو الى خطوط التقسيم وما كانت فرضته المشروعية الدولية عام 1948. فإسرائيل عندما شنت عدوانها في الخامس من حزيران 1967، بالتواطؤ مع أمريكا، أخذت القدس وكل الضفة والقطاع لتضم لها استكمالاً لكيانها، أما ما احتلته في سيناء والجولان ومن بعدهما لبنان فما هي إلا رهينة تساوم عليها ومن موقع القوة، ليكون الانسحاب منها ثمناً للاعتراف والتطبيع والانسحاب من القضية والتخلي عنها، أفليس هذا كان المقصود من اتفاقات كامب ديفيد والانسحاب من سيناء بإخراج مصر من دائرة الصراع؟ أليس هذا هو المقصود، من التسويات القادمة، ومن كل أواصر الاعتراف المتبادل والتطبيع والتبادل التي تقيمها إسرائيل مع العديد من الحكومات العربية، لكي لا يعود للقضية الفلسطينية إلا أهلها من الفلسطينيين أو قسماً من أهلها، أو لا يعود من أهلٍ لها، أو من مُطالب بعودة أهلها إليها؟ .

     ولكن وأياً ما جاءت عليه التسويات وأياً ما استتب عليه الكيان الصهيوني أو امتدت إليه علاقاته وانتشر، فإنه يبقى في وعي شعوب الأمة كياناً غازياً ومغتصباً، ويظل عدواً ومعادياً ﻷي نهوض عربي، أو تقدم أو تضامن وأي شكل من أشكال التكامل والوحدة . والذي يبقى في ذاكرة الشعوب أن القضية الفلسطينية كانت وعلى مدى نصف قرن من الزمن، القضية المركزية في نضال الأمة، ضد كل أعدائها ومعوقات نهوضها، وكانت القضية الجامعة للأمة والملزمة لكل شعوبها، وكان الالتزام بها هو المعيار للالتزام القومي لأي حكومة عربية أو حركة، بل هي معيار الوطنية أيضاً، بل كانت المعيار لعلاقاتنا مع القوى العالمية والدول، وتمييز العدو من الصديق، وما اختلت هذه المعايير وتراجعت، إلا بعد أن تراجعت أنظمة وحكومات عن مشروع نهوضها القومي، ونهوضها في المواجهة والتزامها بقضية الأمة تلك وغيرها من قضايا تحررها ووحدتها، وانكفائها على قطريتها، وقسرها لحركة شعوبها ومجتمعاتها، ووقوعها في إسار التابعية… ، وإن كل التسويات التي جرت، ومنذ اتفاق كامب ديفيد حتى اليوم، إنما جاءت في حقبة من التراجع العربي والتكسر والانكسار ولكنها لم تستطع ولن تستطع أن تأتي على ما بقي من تطلعات الشعوب إلى النهوض من جديد، ومن اعتراض ومقاومة الشعوب، فلا هذه التسوية ولا كل التسويات الجارية ستنهي الصراع بين العرب وإسرائيل، ولكنها ستنقله بالضرورة إلى طور جديد، إذا ما أخذت تلك التسويات أبعادها، وهو طور ستجد فيه المجتمعات العربية نفسها في مواجهة مباشرة مع المد الصهيوني ومن فوقه المد الإمبريالي الأمريكي، مواجهة سياسية وحضارية بكل أبعادها الثقافية والاقتصادية، وهذا سيتوقف على الصلابة الوطنية لمجتمعاتنا ومقاومة شعوبنا، ولتقدم الوعي الديمقراطي والقومي لهذه المجتمعات، وإذا كانت الكلمة الأولى في هذه المواجهة مقاومة التطبيع فما ذلك إلا منطلق بداية، ويبقى هناك بداية للصراع على ارض فلسطين ولن ينتهي، ولن تتخلى شعوب الأمة العربية ولا الإسلامية عن قدسها مهما طال الحصار عليها وامتد الاستيطان بها .

     وبينما يتكاثر دعاة التسليم بما يأتي والاستسلام، ويبشرون بنعم السلام النازل علينا من العولمة والترتيبات الامريكية فإن الكثير من الناس يرصدون ما يجري وكأنه النكبة الثانية للامة وتحدٍ جديد لشعوبها وقواها، بعد تلك النكبة الاولى عام 1948. وكما جاء الرد على الأولى ثورات تجديد وتغيير وتحرير قامت مواقع عديدة من أرجاء الوطن العربي، فهم يتطلعون إلى أن يأتي رد على هذا التحدي الكبير أيضاً من أكثر من موقع عربي، فمقاومة الشعوب لم تنتهي، وإذا كانت قوى الأمة قد أمسكت بمشروع نهوض في المواجهة في الخمسينات والستينات وتقدمت برغم المصاعب والنكسات، فإنها تبقى مؤهلة لأن تعود وتجدد مشروع نهضتها في مواجهة التحديات التي تنتصب في وجهها . وهذا رهان ليس طوباوياً بل هو الذي تدفع إليه حوافز التجدد والتقدم وضرورات البقاء والحياة .

     – في ذكرى ميلاد جمال عبد الناصر .. هل ما زال المشروع القومي الذي طرحه عبد الناصر قائما ومستقبليا ؟؟

     = ونأتي في ذكرى ميلاد عبد الناصر، لنتبصر فيما أبقت لنا ثورته وتجربته والمشروع الذي تقدم على طريقه للنهوض القومي بالأمة العربية والتقدم بها على طريق أهدافها الكبرى في التحرير والاستقلال الوطني والتقدم والوحدة الكبرى، من منظورات وتطلعات مستقبلية.

     لا أريد هنا أن أعيد وأكرر ما سبق أن استعدناه ونادينا به كثيراً من سيرة تلك الحقبة التاريخية الهامة التي صرنا نسميها بالحقبة الناصرية من تاريخ نهوضنا القومي، وما جاءت عليه مسيرة القيادة الثورية لعبد الناصر، وما قدمت على طريقه من إنجازات وخطوات متلاحقة رسمت نهجاً عاماً للنهوض بالأمة والتقدم، ونحن وحتى اليوم، وبعد كل ما قام بيننا وبين حقبة عبد الناصر من ردة وانقطاع، نظل نؤكد أن مشروع عبد الناصر القومي وأهدافه، ليست من الماضي الذي فات، بل هي في مستقبلنا، لصنع مستقبلنا . ومن خلالها نتطلع الى تجديد مسيرة تقدم أمتنا ونهوضها، بل ها نحن اليوم وبعد كل ما مر على هذه الأمة من محن منذ غياب عبد الناصر حتى اليوم، وفي كل محاولة لتجميع قوى الأمة على مشروع جديد للنهوض بها من جديد في مواجهة التحديات، وفي كل ما يعقد من مؤتمرات وندوات بهذا القصد، لا نجد إلا تجربة عبد الناصر والمشروع الذي تحرك به مرجعية نستمد منها المقومات الأساسية لمشروعنا للنهوض بالأمة من عثارها .

     فالمشروع الذي طرحه عبد الناصر وتقدم على طريق إنجاز مهماته وتحقيق أهدافه، ما كان بدعة ابتدعها، أو مغامرة سياسية خاض غمارها، بل جاء مشروعه وهو التجسيد المبدئي والاستراتيجي لطموحات أمة للتحرر والتقدم، بعد أن قطعتها عن أهدافها عقود طويلة من الركود والتأخر، ومن الاستعمار، وما كان مشروعه إلا استيعابا لكل تجارب حركات النضال الوطني والقومي لشعوب هذه الأمة بل لتجارب وحركات التحرر الوطني في العالم، وكل ما أراده وطمح له أن يكون بنهجه ومشروعه، كما قال هو عن نفسه، التعبير الصادق عن إرادة شعوب الأمة في تلك المرحلة من مراحل نضالها، بل وهو كما قال فيه ساطع الحصري، قائد نهضت همته لحمل طموح أمته وهمومها، وهو في الواقع والممارسة، ما تقدم بمشروعه إلا من خلال تفاعل حي دؤوب مع حركة شعوب الأمة ومصالحها ومن خلال التقدم بوعيها السياسي وتحرير إرادتها واستنهاضها، ولقد أعطى لهذا المشروع كل ما كان بمقدوره أن يعطي في تلك الحقبة من مرتكزات استراتيجية وإمكانات، ليقوى على تحديات الحاضر وحمل أعباء التحرك باستمرار نحو أهداف المستقبل .

     إن أعداء هذه الامة والمرتدين عن طريقها القومي وكل المتشككين بقدرات هذه الأمة وإمكانيات نهوضها من جديد، يركزون على هزيمة حزيران 67 وكأنها الضربة القاضية والحكم القاطع على فشل المشروع القومي الناصري للنهوض بالأمة، ولنهوضها في المواجهة التاريخية مع المشروع الصهيوني والمشروع الإمبريالي الأمريكي، ولكن الرد عليها وعلى استقالة عبد الناصر جاء فوريا وحاسما في حركة الجماهير في 9 و 10 حزيران، في رفضها الهزيمة والاستسلام والمطالبة بمواصلة الكفاح وتمسكها بقيادة عبد الناصر للنهوض بالأمة من جديد على طريق المواجهة الشاملة . وكان ذلك حافزاً كبيراً للتغيير وتجديد البنيان، وقال إنها الثورة وقد تجدد شبابها، والهزيمة العسكرية، وعلى الشكل الفاضح الذي جاءت عليه، كانت كاشفاً كبيراً أمامه لما كان هناك من خلل ونقاط ضعف في تركيبة النظام ومن قصور ديمقراطي في تقدم حركة المجتمع المدني وصياغة “تحالف قوى الشعب العامل”، وقد ركز عبد الناصر كل همه وكل همته وجهده، على بناء القوة العسكرية الكفوءة والقادرة، قوة المجتمع والعمل الاجتماعي الداعم باستمرار على التجمع والتجميع من حول مصر وقوة مصر في معركة آثار العدوان، وكل ما يمكن تجميعه من قوى الأمة والقوى الصديقة، ولكن الانشغال بمعركة “إزالة آثار العدوان” لم يقطع بأي حال بينه وبين مشروعه القومي ومقوماته الأساسية التي تلخصها مقولات الحرية والاشتراكية والوحدة، لقد كان تصميم عبد الناصر قاطعاً ولا ريب فيه على العمل لتحقيق النصر الذي لم يعد من بديل عنه في معركة دحر العدوان ومحو آثار الهزيمة، وفي البقاء على العمل من أجل أهداف ما بعد النصر، وهو إذا ما حمل “جيله الثوري” مسؤولية قيادة الأمة في التصدي لمهمات معركة إزالة آثار العدوان، فليس إلا ليسلم الراية لجيل قيادي جديد ليقف بمشروعه القومي على طريق الأهداف الكبرى للأمة، وليخلصها من آثار الهزيمة وعقابيلها .

     ومنذ أن أمسك بعملية تجديد البنيان بعد الهزيمة ومن أمسك معه من ذلك الجيل، قال: إنني أثق أن أجيالاً قادمة سوف تلتفت إلى هذه الفترة وتقول: كانت تلك من أقسى فترات نضالهم ولكنهم كانوا على مستوى المسؤولية وكانوا الأوفياء بأمانتها.

والحق الحق الذي نقوله اليوم ونرفع صوتنا به في وجه المرتدين والمشككين والمتواطئين على محو مآثر تلك الحقبة الناصرية من ذاكرة شعوب الأمة، إن ما نهضت إليه همة القيادة الناصرية في السنوات الثلاث الأخيرة من حياة عبد الناصر وما حركته من قدرات هذه الأمة على التقدم والمواجهة ومن قدرات حركة شعوبها على العطاء والتضحية، كانت كفيلة إذا ما استمرت على طريق ذلك النهج الناصري، أن تحقق الانتصار في معركة إزالة آثار العدوان وفرض التراجع على المشروع الصهيوني والمشروع الامبريالي الأمريكي، وفي التقدم من جديد على طريق الأهداف الكبرى للأمة العربية الواحدة .

     وفي هذا السبيل، وفي تلك الفترة الصعبة من المواجهة الكبرى مع أعداء الأمة وأعداء نهوضها ووحدتها، حرصت القيادة الناصرية على إطلاق حيوية ونشاط قوى الشعب العامل أو بالأحرى قوى المجتمع المدني، وإبراز قيادته ليكون ذلك مدخلا الى ديمقراطية أوسع وأعمق… بحيث تستطيع الثورة أن تحقق انتقالاً حقيقياً وكاملاً الى الديمقراطية السليمة فور الانتهاء من إزالة آثار العدوان… وفي تلك القوة نفسها، ومن خلال التطلع الى إنجاز مهمات إزالة آثار العدوان، كنا نقول بتقدم طلائع الأمة وطلائع مجتمعاتها، على طريق ما سمي في حينه بثورة ثقافية ديمقراطية، تكون فيها مشاركة عامة في مراجعة نقدية لكل مسار الثورة القومية ولكل مقومات مشروع نهوضنا القومي، لإرسائه على قواعد ثابتة من الديمقراطية والتقدم والإرادة الحرة للشعوب .

     ولكن الردة بعد عبد الناصر جاءت وآثار الهزيمة لم تمحى، بل وامتدت وانتشرت، والمشروع الصهيوني الاستعماري الاستيطاني هو الذي حقق المكاسب، ويراد لمشروعنا القومي الناصري لا أن يُسفه فحسب، بل وأن يُمحى من الذاكرة، ولكن وبعد كل هذا التراجع والسقوط، فإننا نتلمس معالم يقظة نهضوية جديدة، تحاول أن تعيد وتؤسس بالديمقراطية تجديد ذلك المشروع القومي والوقوف بثوابت الأمة وأهدافها وبقضيتها المركزية التي كانت، وعلى نهوضٍ جديد مازلنا نراهم .

     وإذ نحن في ذكرى مولده، لا بد من كلمة تقال عن إحياء تلك الذكرى والذكريات وإعادتها وتكرارها، لا عن تعصب أو رجعة وجمود عند مقولات لم يعد لها من قوة إجرائية، ولكنها التذكير بقدرات هذه الأمة على التقدم والنهوض، كما نهضت وتقدمت في حقبة مضت، في وقت تشن فيه حملات إعلامية رهيبة لما يسمى “تعميم ثقافة السلام” في مجتمعاتنا، والاستسلام وتنكر الأمة لثوابتها وتاريخها . فما كان عبد الناصر في الخامس عشر من يناير تاريخاً، ولكننا سنظل نمسك بكل مناسبة من تلك المناسبات التي مرت في حقبة عبد الناصر، ومن مولده إلى منتهاه، مروراً بالأيام الأولى للثورة وأيام تأميم القنال وحرب السويس وأيام الوحدة والانفصال وغيرها من التواريخ والأيام، لا عن وقوف عندها أو رجعة للماضي، ولا تمجيد لشخص كانت قيادته فرصة تاريخية للنهوض بأمتنا على طريق التقدم والوحدة، وما مثل عبد الناصر من حذرنا من تقديس الفرد أو اعتماده مرجعية مطلقة، فالفرد زائل ويبقى الشعب وما يتقدم إليه الشعب وهو المعلم والقائد وإرادته ومصالحه هي المرجعية . ولكنها الإنعاش الدائم لذاكرة الشعوب وما ترسخ في وعيها ووجدانها من قيم وتطلعات وتعزيزا لثقتها بنفسها وإمكانياتها وما أعطت، وما يمكن أن تعطي من جديد، وهو الدفاع عن تاريخ هذه الأمة وعن إمكانية نهوضها بعد كل هذا التعثر والتراجع، ولنعزز ونؤسس بالديمقراطية والتقدم وعياً قومياً جديداً في مجتمعاتنا، ومنطلقات نهوض جديد .

* نُشرت كرسالة داخلية في حزب الاتحاد الاشتراكي العربي في سورية بمنتصف كانون الثاني 2000