الحرية أولاً , والديمقراطية غاية وطريق

سؤال النهضة.. وسؤال الهوية.. وحالنا الذي لا يسر

     منذ البعثة الكبرى التي أرسلها حاكم مصر (محمد علي باشا) إلى فرنسا، والتي كان من ضمنها الشاب رفاعة الطهطاوي (عام 1826 وكان عمره لا يتجاوز 24 عاماً) كشيخ وإمام للبعثة؛ بدأ السؤال الكبير الذي واجهه، عن سبب تقدم الغرب وتأخرنا، فكتب (تخليص الإبريز في تلخيص باريز) وليتبعه بترجمة كتاب مونتيسيكو (تأملات في أسباب عظمة الرومان وانحطاطهم) كدليل على أهمية السؤال وموضوع السؤال .

تبعه بعد ذلك عبد الله النديم بكتابه ( لماذا تقدم الأوربيون وتأخرنا ؟ ) والمنشور عام 1893 .

وقد شارك في بحث ذلك الموضوع (بطريقة أو بأخرى) الكبار في ذلك العصر، خير الدين التونسي، وجمال الدين الأفغاني، ومحمد عبده، ورشيد رضا، وعبد الرحمن الكواكبي، وغيرهم. ليأتي بعدهم أمير البيان شكيب أرسلان ويطرح ذات السؤال في كتابه ( لماذا تأخر المسلمون وتقدم غيرهم ؟ ) عام 1930، ولتتتابع الكتب والكتابات والحوارات بعد ذلك، حول ذات الموضوع: لماذا تأخرنا وتخلفنا عن ركب الحضارة وتقدم غيرنا إلى يومنا هذا .

ولم يتأخر كبار الكتاب والمفكرين والمثقفين العرب في عصرنا، عن الإدلاء بدلوهم، بدءاً من طه حسين، وعباس محمود العقاد، وسلامة موسى، وشبلي شميّل، وعلي عبد الرازق، وصولاً لمحمد عابد الجابري، وجورج طرابيشي، ومالك بن نبي، وعبد الإله بلقزيز، وهشام شرابي، ونصر حامد أبو زيد، والياس مرقص، وجمال الأتاسي، وياسين الحافظ، وجمال حمدان، وعبد الله العروي، وهشام جعيط، وعلي الوردي، وآخرون كثر .

هذا الغرب الذي أصبحت تفصلنا عنه ليس مسافة زمنية، وإنما مسافة تاريخية ومرحلة حضارية .

تباينت الإجابات بين جميع من شاركوا في البحث والحوار، واختلفت حسب مرجعياتهم الفكرية ومشاريعهم، بين إسلامي ومحافظ وليبرالي وعلماني ويساري .

وتمحورت أغلب إجابات الجيل الأول، بالبحث في الشق الأول من السؤال، لماذا تأخرنا ؟، دون البحث في الشق الثاني من السؤال؛ وأرجعوا سبب التأخر، إلى عدم تمسك المسلمين بدينهم، وخروجهم عن النهج الصحيح للإسلام وإلى الاستعمار .

بينما أرجع المعاصرون سبب تأخرنا، إلى بنية العقل العربي، والموروث الثقافي، والاستبداد السياسي، وغياب الديمقراطية، والتبعية للغرب .

وها نحن وبعد مضي قرنين من الزمان على السؤال (ونحن لا ننفي مشروعيته، ولا أهميته، ولا ضرورة البحث فيه وبأسبابه، وتحديد الخروج منه)، نجد أنفسنا كأمة وكشعوب بجوار الصفر من النهضة المطلوبة، وربما من جوار الصفر؛ يبدأ الإنسان بنسج رؤيته للخلاص، والخروج من دائرة التخلف، التي استحكمت حلقاتها وكأنه لا فكاك منها .

بيد أن استغراق أجيال متتابعة من المفكرين العرب في سؤال النهضة، كان على حساب التساؤل، الذي نعتقد أنه المدخل لهذا السؤال: ألا وهو سؤال الهوية، وخاصة عقب اندلاع ثورات الربيع العربي، وهذا القصف العشوائي وعلى كافة الجبهات، والذي يطال الهوية العربية الجامعة لشعوب الأمة .

الهوية الجامعة أسُها وأساسها، اللغة المشتركة، والثقافة المشتركة، والتاريخ المشترك، وهو ما يتوفر وبشكل كبير بين شعوب الأمة العربية .

ولو قارنا الفوارق الأساسية، بين مشروع الوحدة العربية، ومشروع الاتحاد الأوربي، لوجدنا أن الأول يتوفر على وحدة اللغة والثقافة، بينما الثاني على الاقتصاد والمصالح فقط؛ ومعلوم أن الهوية الثقافية هي حجر الزاوية في تكوين الأمم، لأنها نتيجة تراكم تاريخي طويل، ولا يمكن تحقيق الوحدة الثقافية بقرار، حتى لو توفرت الإرادة السياسية؛ أما الوحدة الاقتصادية، فهي لا تتطلب تراكماً تاريخياً ، بل تحتاج فقط لإرادة سياسية، وما يعوق الوحدة العربية، هو غياب الإرادة السياسية، وهو ما يمكن توفيره، لو كانت هناك حياة ديمقراطية حقيقية، وعندها ستكون الوحدة العربية، أقوى وأمتن من الوحدة الأوربية، لافتقاد الأخيرة، إلى هوية ثقافية واحدة، تؤسسها لغة وتراث مشترك .

لقد أوصلت نظم الردة والفساد والإفساد، والجهل والتجهيل، والعمالة والتبعية، دولها وأقطارها، إلى أن تصبح دويلات فاشلة متخلفة، ينخرها الفساد، وتدمر لحمتها الوطنية، الحروب الأهلية والأثنية والطائفية، وتسيطر على ثرواتها القوى العالمية المنفذة . بل وأصبحت تتحكم في مصادر مياهها، دول الجوار دون، أن ترف لحكام الغفلة جفن .

كانت ثورات الربيع العربي، تؤذن بفتح صفحة جديدة في تاريخ شعوب الأمة، تكون الشعوب فيها هي صاحبة القرار، في صنع تاريخها ومستقبلها . تلك الشعوب التي انتظرنا طويلاً حضورها المعّجز في ساحات الحرية . ولكن نظم العمالة أبت إلا أن تضع حداً لهذا الحراك بالعنف، الذي وصل إلى حدود لم تعهدها بلادنا عبر تاريخها الطويل؛ بل وقامت باستقدام و استدعاء الأجنبي، ليشارك في قتل وتهجير وتدمير بلداننا .

يبقى الأمل قائماً في أن تسترد شعوب الأمة وأجيالها القادمة الدور، وتُصحح الأخطاء، وتعلن بداية عصر العرب الذي طال انتظاره .

الحرية والحرية أولاً، هي البداية الصحيحة للإجابة على الأسئلة كافة، أسئلة الهوية والنهضة والتقدم والوحدة المنشودة .