الحرية أولاً , والديمقراطية غاية وطريق

جمال عبد الناصر … خمسون عاماً على الغياب ومازلتَ بأعيننا

محمد عمر كرداس

     ” يموت الجسد ولا تموت الفكرة ” ــــــــــ غسان كنفاني ـــــــــ

     لم يكن جمال عبد الناصر زعيماً لبلد أو رئيساً لدولة فقط، لقد كان تياراً عظيماً على مستوى مصر والوطن العربي وكل دول العالم الثالث التي كانت تجربته وزعامته وما حققه للأمة، ملهمة لكثير من الثورات في أسيا وأفريقيا وأمريكا اللاتينية, فقد كان كما وصفه المفكر القومي الكبير ساطع الحصري: قائد نهضت همته لحمل طموح أمته وهمومها . لا نريد في هذه المناسبة الحزينة، وهي مناسبة غياب جمال عبد الناصر  في 28 أيلول عام 1970، لا نريد أن نعدد مناقبه الشخصية والصفات الكاريزمية في شخصيته، ولا أن نعدد إنجازاته وهي تحتاج لمجلدات، وقد قامت مؤسسة بحثية في جامعة  القاهرة بتوثيق جزء من هذه الانجازات تحت إشراف ابنة الزعيم الدكتورة هدى جمال عبد الناصر في عدة مجلدات، كما وثقت هيئة الاستعلامات المصرية الكثير من الخطابات والقرارات واللقاءات التي قام بها الزعيم، إلى جانب العدد الذي لا يحصى من الكتب والدراسات التي تناولت شخصيته وأعماله، وقد كان جزء من هذه الكتب والدراسات يعود لأشخاص ومؤسسات معادية لجمال عبد الناصر ولمشروعه الوطني والقومي والعالمي، وخاصة تلك المؤسسات والدوائر الغربية الاستعمارية التي تحاول إبقاء المنطقة تحت سيطرتها لمزيد من نهب الثروات وتعطيل أي مشروع يجمع الأمة ويُقويها ويوحدها. وهذا ما حصل بعد غياب الزعيم وقيام عهد الردة التي قادته السعودية والسادات بتوجيه وتخطيط غربي، فقد تحولت لاءات مؤتمر القمة في  الخرطوم “لا صلح لا تفاوض ولا اعتراف بالكيان الصهيوني” بعصر الرِدة إلى أن أصبح الخائن الأكبر أنور السادات بطلاً للحرب والسلام، ولينال نوبل للسلام مع أحد الإرهابيين الصهاينة لأنه حطم قرارات الخرطوم بخيانته للأمة وخدمته لأعدائها، وما نراه اليوم من تسابق نحو الخيانة ما هو إلا هزات ارتدادية للزلزال الكبير الذي حصل في كمب دافيد عام 1977، ومع قناعتنا بأن قطار الخيانة سيتابع سيره إلى عواصم جديدة، فإننا أيضاً على قناعة بأن الشعوب رافضةً لما يحصل من تفريط وخيانة، ولو أن رَدّة فعلها لم تظهر حتى الآن فإن غدا لناظره قريب.

     ومع حرص الدوائر الاستعمارية العالمية والرجعية العربية على أن لا يظهر ناصر جديد يتابع طريقه في مشروع النهوض، ومع ترسيخ هذه الدوائر للتجزئة والفساد والاستبداد وما أنجزته على هذا الطريق في تقسيم السودان وتدمير ليبيا وسورية واليمن على يد طغاة هذه البلدان وما ترسخه من استبداد وفساد في دول أخرى تمهيداً لتدميرها، فإن ثقتنا بشعوبنا لا حد لها، فمهما طال الزمن فإن العاقبة للشعوب وليس للأنظمة وحلفائها؛ لقد مضى على غياب عبد الناصر نصف قرن، ومع أن تجربته في الحكم لم تستمر أكثر من ستة عشر عاماً، فقد شغل الدوائر الاستعمارية والرجعية إلى الآن وأرقها لتبقى تعمل بكل نشاط إلى الآن في محاربة مشروعه الذي أضحى مشروعاً لنهوض الأمة ووحدتها وتنميتها، ويكفي بعض الأمثلة الصغيرة ولكن الدالة على سعي هذه الدوائر لإحباط أي نجاح على هذا الطريق، ففي يوم وفاة الزعيم كان الأسطول السادس الأمريكي يجري مناورات بحرية قبالة الشواطئ المصرية لإرهاب مصر والحط من عزيمتها على التحرير، وبمجرد إذاعة نبأ الوفاة أصدر الرئيس الأمريكي نيكسون قراراً بإلغاء المناورات، معللاً ذلك بأنه لم يعد لها موجب، فمن كانت تقصدته المناورات غاب عن الساحة.

     لا شك بأن من عادَوا عبد الناصر في حياته وبعد غيابه وإلى الآن من القوى والتنظيمات والأنظمة والأفراد، كانوا ينفذون أجندات أجنبية معادية للشعوب ولنهوض الأمة ومرتبطون بدوائر وأحلاف استعمارية، وكان على رأس هؤلاء الأعداء النظام السعودي وحلفاؤه، ونظام البعث في سورية والعراق، كما لا ننسى العميل الأول الملك المغربي الحسن الثاني والعميل الثاني حسين ملك الأردن، كما أن العديد من الأنظمة التي تدعى التقدمية ناصبته العداء أيضاً كالنظام التونسي والجزائري أيضاً على زمن بومدين، فقد أسر جمال عبد الناصر للدكتور جمال الأتاسي أمين عام حزب الاتحاد الاشتراكي في سورية بلقائه معه عام 1969 أن بومدين يحاول الظهور بأنه يساندنا مع أنه بالحقيقة يتشفى بنا…. وورد هذا الكلام في حوار الدكتور جمال مع مجدي رياض الذي سيوضع قريباً على موقع الحرية أولاً.

     لقد مر على هذه الأمة الكثير من الطغاة، وخضعت للاحتلال لفترات طويلة، فأين هؤلاء الطغاة وأين هذه الاحتلالات…

     إن القوى الاستعمارية وحلفائها من رجعيين عرب، أنظمة وأحزاب، أصبحوا من الماضي فالزمن يسير إلى الأمام ولا يعود إلى الوراء، ومشروع النهضة الذي عمل عليه عبد الناصر هو مشروع المستقبل وهو مشروع الأمة  للنهوض والتقدم.


محمد عمر كرداس
كاتب وسياسي سوري