الحرية أولاً , والديمقراطية غاية وطريق

الانفصال بداية النكسات والهزائم 

محمد جبر المسالمة *

شهدت أمتنا في عصرها الحديث ولادة أول وحدة بين قطرين عربيين على طريق تحقيق الدولة العربية الواحدة والحلم الذي راود الحركات والشخصيات الوطنية والقومية في إطار المشروع النهضوي العربي الذي قاده جمال عبد الناصر، وقد جاءت ولادتها في ظروف وعوامل وآليات هي أقرب ما تكون لأرقى أشكال الوحدة قياسا لعصرها، بل لعله لم يسبقها في التاريخ المنظور اتحاد أو وحدة أقاليم وأقطار لأمة مجزأة بوسائل شعبية وديمقراطية وحصيلة لإرادة طوعية بين القطرين السوري والمصري وباستفتاء شعبي لتجاوز واقع تجزيئي فرضه أعداء الأمة بالقوة والعدوان، ونصبوا عليه حراسا تحت وصايتهم وحمايتهم حتى اليوم.

فوحدة العام 1958 لم تتحقق حصيلة ضم قسري من الدولة الأكبر للدولة الأصغر أو غزو عسكري من الدولة الأقوى للدولة الأضعف أو طغيان جغرافي على الدولة المجاورة، كما لم تكن بطلب أو إلحاح أو تهديد من القاهرة أذعنت له دمشق، بل على العكس من ذلك كله جاء الطلب من دمشق نتيجة إعصار جماهيري كاسح في الداخل السوري، وتحليل منطقي ومسئول من النخب السورية لمواجهة ضغوط ومخاطر الخارج ممثلة بحلف بغداد ومشروع أيزنهاور والتهديد الصهيوني المتواصل.

إذًا ما الذي حدث لكي تنفصم عرا هذه الوحدة ولم يمض على قيامها سوى ثلاث سنوات ونصف وبانقلاب عسكري قادته مجموعة صغيرة من الضباط في بحر القوات المسلحة السورية والمصرية في الإقليم الشمالي، وخروجا على كل معايير الحق والقوة، وهيجان المشاعر الوحدوية في تلك المرحلة ؟ ليقيموا على أنقاض الوحدة نظاما انفصاليا هو الأقصر في عمر الزمن في تاريخ النظم، فينهار بعد سنة ونصف تحت وطأة نضال شعبي غطى الجغرافيا السورية كلها إيمانا بالوحدة وقيادة عبد الناصر، لتتلقفه بعد الثامن من آذار عام 1963 نخب ضحلة في وعيها وفي تجربتها فكرست الانفصال بالتآمر والعنف والإقصاء ليس مع مصر البعيدة فقط وإنما- في حينه- مع العراق القريب أيضا، وبرغم كل ما قيل في الوحدة وجريمة الانفصال فلا بد في هذه المناسبة من وقفة ناقدة ودرس مستفاد:

  • يفترض المنطق في الوحدة الاندماجية اندماج الجغرافيا أيضا، وكان يمكن أن يكون الاتحاد بين القطرين هو الصيغة الأسلم مع الأخذ بيد التجربتين في القطرين لإنضاج الفضاء الحكومي والأهلي بما يرسي دعائم الوحدة ويقوي أواصرها، وهذا ما فعله عبد الناصر مع ليبيا والسودان عندما رفض الوحدة الاندماجية معهما رغم التواصل الجغرافي واختار سبيل إنضاج عوامل إنجاح مشروع ميثاق طرابلس لوحدة الأقطار الثلاثة في العام 1969 وقبله مشروع الاتحاد الثلاثي بين مصر وسوريا والعراق، علما بأن الفاصل الجغرافي بين مصر وسوريا لم يكن يمنع التدخل العسكري لسحق الانفصال، لكن تداعيات كثيرة يمكن أن تحصل جعلت عبد الناصر يقول: ( ليس المهم أن تبقى الجمهورية العربية المتحدة، بل المهم أن تبقى سوريا ) ولعل ما حصل للوحدة بين باكستان وبنغلاديش بوجود الفاصل الجغرافي الهندي خير مثال على ذلك.
  • إن إدارة الإقليم الشمالي كانت خاضعة لسلطة عبد الحكيم عامر الذي أكدت تجربته الشخصية فشله إزاء أية مهام سياسية أو عسكرية في مستوى المسئولية الوطنية والقومية، بل إن الانقلابيين على ضعفهم وانسداد الأفق أمام مشروعهم خرجوا من عباءة مكتبه وتحت سمعه وبصره، ساعدهم على ذلك حالة الفراغ بعد خروج فصيل البعث من نظام الوحدة وإقالة عبد الحميد السراج وغياب قيادة وطنية وحدوية في الإقليم الشمالي تجسد إرادة وتطلعات وخيارات الشعب السوري لتملأ هذا الفراغ وتقوم بحل الإشكاليات والخلافات بين أطراف الحركة الوطنية من جهة وبين قيادات الحركة الواحدة من جهة أخرى0
  • ضعف العامل الذاتي الذي تجلى في قصور الوعي القومي الوحدوي لدى النخب والحركات القومية واليسارية التي سوّت بين أهمية الوحدة وضرورتها لحاضر الأمة ومستقبلها وبين أخطاء وعثرات لا يخلو منها نظام قطريا كان أم قوميا، فضحت بقدسية الهدف في الوقت الذي كرست تلك الأخطاء واستفحلت في السلطة القطرية بحيث أصبحت هي صورة النظام وحقيقته في بنيته وآلياته في الحكم والتحكم.

من كل تلك الأخطاء وغيرها- كحل الأحزاب على ضعفها دون بدائل تتقدم عليها- ومعالجة الخلافات السياسية والإيديولوجية بردود أمنية بديلا للحوار والتفاهم- استطاعت الرجعية السورية مستفيدة من البيروقراطيتين العسكريتين السورية والمصرية وبدعم من الرجعية العربية والإمبريالية وتوجس وعداء دول الجوار الإقليمي تركيا وإيران وعدم ارتياح الاتحاد السوفييتي لمشروع الوحدة، أن تنفذ إلى بناء الوحدة وتضربه من الداخل، ليجد الشعب السوري نفسه ومصيره أمام ادعاءات وتعبيرات يلفها الغموض وتنقصها المصداقية؛ كالوحدة المدروسة والوحدة المتكافئة والوحدة التي تحميها الجماهير، علما بأن الانفصاليين الجدد هم الذين تصدوا للجماهير الكاسحة التي ألهبت ظهر الشوارع والساحات مطالبة بعودة الوحدة وقيادة عبد الناصر الذي تخلى عن الكثير من مسئولياته في مشروع الاتحاد الثلاثي رغبة في تحقيقه ونزولا عند مطالب القوى التي تظاهرت بالمشاركة فيه كسبا للوقت وإمعانا في تكريس الانفصال.

وفي النتيجة ماذا جنينا من الانفصال؟ هل وقف دعاة الوحدة المدروسة وغيرهم على جوهر قضايا الخلاف وتم تجاوزها لصالح دولة الوحدة، أو على الأقل إقامة دولة قطرية حديثة تؤسس وتبشر بوحدة على الطريق قابلة للبقاء والاستمرار؟ أم ما جنيناه هو تسلح قوى الانفصال الجديدة (القومية) وغير القومية بتلك الأخطاء والثغرات لتكون بداية لأسوأ أشكال السلطة القطرية الاستئثارية القمعية، ولتؤسس لقلق وتوجس قوى الاستقلال والثورة في العديد من الأقطار العربية من مشاريع الوحدة والتوحيد، ولصراع ديماغوجي أكدت الأحداث أنه بلا هدف وبلا مضمون غير هدف السلطة والتسلط والانحدار بحال الأمة إلى هزيمة العام 1967 وصولا إلى ما نحن فيه اليوم من ضعف وضياع، يقول ياسين الحافظ: (إذاً فالردة الانفصالية لم تأت احتجاجا على ’’ابتلاع‘‘ بورجوازي مصري لسوريا، ولا على ’’ابتلاع‘‘ قومي مصري لسوريا، بل جاءت ردا رجعيا تقليديا على الزلزلة الطبقية والسياسية التي أطلقها عبد الناصر في سياق مشروع النهضة العربية الذي كان يحلم ويناضل في سبيله.. وقد تلاشت هذه الزلزلة مع الانقلاب العسكري الذي فصم هذه الوحدة….وما لبث الانفصال عبر سلسلة من التناقضات العربية والعوامل الدولية أن نسل هزيمة حزيران التي كانت بداية النهاية، ومع وفاة عبد الناصر جاءت النهاية؛ نهاية محاولة النهضة العربية الثانية)0

إن الانفصال في الثامن والعشرين من أيلول عام 1961 لم يكن وقفة للمراجعة وخطوة لتصحيح مسار نظام الوحدة وتجاوز الأخطاء والعثرات، بل كان جريمة ومؤامرة داخلية وعربية وخارجية ضد وحدة الأمة كهدف وكمشروع، لا تزال مفاعيله الكارثية سياسيا واقتصاديا واجتماعيا وعسكريا تفتك بجسد الأمة، وتعيد إنتاج حكام عصر الدويلات القبلية والأسرية والطائفية، عصر التمزق والضعف والاستبداد والاستسلام.

محمد جبر المسالمة

كاتب وسياسي سوري، مجاز باللغة العربية ودرَّس في العربية السعودية لحوالي 20 عاماً، وكان رحمه الله عضو مكتب سياسي سابق، وأمين لفرع درعا بحزب الاتحاد الاشتراكي العربي الديمقراطي

 

المصدر: نشرة العربي عدد مزدوج (آب- أيلول 2009)