الحرية أولاً , والديمقراطية غاية وطريق

28 أيلول 1961.. أول الكوارث التي ضربت مستقبل الآمة

محمد عمر كرداس

     في صبيحة يـوم 28 أيلول / سبتمبر عـام 1961، قـام مجموعة من ضباط الجيش في سوريـة بانقـلاب عسكري في دمشق التي كانت حينهـا الإقليم الشمالي من الجمهورية العربية المتحدة، فصم الانقـلاب عــرى الوحـدة المصرية- السورية التي اتفق على إقامتها في 1 شباط / فبراير  1958 بين الإقليمين، وجرى استفتاء شعبي عليها كان منطوقه يقول: ’’هل توافق على إقامة الوحدة بين سورية ومصر وعلى جمال عبد الناصر رئيساً للجمهورية‘‘. جاء الاستفتاء بالموافقة بأغلبية ساحقة وذلك في 22 شباط / فبراير 1958، وبذلك أصبحت أول وحدة عربية بين قطرين في العصر الحديث، بعد زمن طويل من الاحتلالات والانقسامات. لذلك كانت وحدة رائدة بكل المقاييس، كونها تتم بين قطرين رئيسيين كان توحدهما دائماً في صالح الأمة، فتوَحدهما قضى على غزوات المغول في معركة عين جالوت، وحرر  القدس من الغزو الصليبي على يد القائد صلاح الدين الأيوبي، وهذه الوحدة الجديدة أبعدت الخطر التركي الداهم الذي شكل حلف بغداد ركيزته الرئيسية بحجة الخطر الشيوعي المهدد لسورية، وكانت رغبة الحلف ألذي تألف من بريطانيا وإيران وتركيا وباكستان والعراق  ومعهم أميركا، أن يضم سورية حسب مشروع الرئيس الأمريكي أيزنهاور لمليء الفراغ  في المنطقة، والمقصود هنا حزاماُ أمنياُ مطوِقاً للاتحاد السوفييتي في ذروة الحرب الباردة بين القطبين العالميين الأكبر. رفضت سورية ببرلمانها المنتخب الانضمام للحلف مما عرضها لضغوط سياسية وعسكرية واقتصادية. جاءت الوحدة بين القطرين لتزيل تلك التحديات بانضمام سورية إلى مصر المنتصرة في معركتي الجلاء وتأميم قناة السويس ولتتشكل دولة قوية في المشرق العربي وصفها أحد قادة العدو الصهيوني بأنه من المزعج أن تنام وبجوارك دولة تعدادها أربع ملايين وتصحو في اليوم التالي لتجد هذه الدولة أصبحت ثلاثين مليوناً.

     هذا هو حـال الوحدة عندما قامت وقويت واشتد عودهـا ضد الأخطـار الخارجيـة وتحديات الداخل، وقد وصفها المرحوم الدكتور جمال الأتاسي في إحدى مقابلاته بأنها الحل الوحيد لحماية التنوع  السوري من التشرذم والتشظي.

     بعد هذه المقدمة يتضح لنا حجم الجريمة التي ارتكبها هؤلاء الضباط الإقليميين المعادين للشعب وللوطن، والذي وضعتهم الوحدة بمراكز هامة في الجيش ليحافظوا على أمن الوطن واستقلاله، وإذ بهم يخونوا الأمانة ويكونوا حصان طروادة لأعداء الأمة وللدول الاستعمـاريـة التي رأت بهذه الوحـدة تهديداً لمصالحهـا وللعروش التي صنعتهـا لتخـدم مصالحها كملك الأردن حسين ولنظام آل سعود المغتصِب للحجاز والجزيرة العربية.

     رفض الشعب في سورية هذه الجريمة وهب بانتفاضات ومظاهرات وإضرابات شملت جميع فئات الشعب في كل المحافظات، وأحس الانفصاليون بالمأزق، وبكل وقاحة المجرم والعميل ، ذهبوا إلى عبد الناصر قائد الوحدة ليطلبوا منه أن يعيدوا الوحدة بانقلاب جديد . فرفض وكان رفضه أن الوحدة عمل شعبي وجماهيري لا تذهب بانقلاب وتأتي بآخر.

     ومحاولةً من هؤلاء المجرمين لإضفاء صبغة الشرعية على عملهم أعدوا ما سمي بالوثيقة وطلبوا من الأحزاب السورية التوقيع عليها بما سمي وقتها وثيقة الانفصال فكان بين الموقعين من يدعي التقدمية ومناهضة الاستعمار، زعماء حزب البعث أكرم الحوراني وميشيل عفلق وصلاح البيطار والذين كانوا مسؤولين ووزراء في عهد الوحدة وانقلبوا عليها لمصالح ضيقة، بعد أن شعروا بأن عبد الناصر لن يسلمهم حكم سورية كما كانوا يخططون، وذهبت شعاراتهم بالوحدة والحرية والاشتراكية أدراج الرياح وانكشفوا على حقيقتهم التي مازالت الأمة تعاني منها إلى الآن .

     قامت بمواجهة حكم الانفصال أكثر من محاولة عسكرية للإطـاحـة به إلى أن نجحت في 8 أذار/ مارس 1963 التي حملت حلم إعادة الوحدة، ولكنها بالحقيقة كرست الانفصال وجذرته ومازالت تدعمه إلى الآن .

     لقد أطلقنا على الانفصال اسم الكارثة وما أكثر الكوارث في أيلول، ففي 16 أيلول/ سبتمبر 1982 قام انعزاليو لبنان من كتائب وقوات وجيش لحد الجنوبي العميل معززين بجيش إسرائيل المحتل لبيروت، بمذبحة مروعة في صبرا وشاتيلا راح ضحيتها الآلاف من النساء والأطفال والشيوخ والشباب تحت بصر ونظر وتأييد قطعان الانعزاليين في لبنان، ونرى زعماء تلك المذبحة إلى الآن في الصف الأول من السياسيين في لبنان ،التي برأتهم السعودية وحاولت تنظيفهم في اتفاق الطائف . لكن الشعوب لا تنسى من أساء إليها فستحاسبه ولو بعد حين .

     أيضاً حمل إلينا يوم 17 أيلول/ سبتمبر عام 1970 مجزرة أخرى ضد الفلسطينيين قام بها النظام الأردني العميل ضد الثورة الفلسطينية، فوجه مدرعاته ودباباته ومدفعيته وقواته ضد المخيمات الفلسطينية ومواقع الثوار في كل المواقع الاردنية وبدأ بقصفه العشوائي الذي أدى إلى مئات القتلى والجرحى والمعتقلين وتهديم المخيمات ومواقع الثورة، مما أدى بجمال عبد الناصر إلى الدعوة لمؤتمر قمة عاجل ليوقف المجزرة؛ وليتوقف قلبه معها.. وهذا حديث أخر وكارثة أخرى من كوارث أيلول .


محمد عمر كرداس
كاتب وسياسي سوري