الحرية أولاً , والديمقراطية غاية وطريق

خمسون عاماً على حرب السويس (3/5)

رياض نجيب الريس

     رحل عن دنيانا، أول أمس (السبت 26 أيلول 2020) في بيروت، الصحفي والناشر السوري الدمشقي العروبي حتى العظم (رياض نجيب الريس)، عن (83 عاماً) ، وهو ابن الصحفي الكبير (نجيب الريس) الذي سُجن في (جزيرة أرواد) لمواقفه من الاحتلال الفرنسي؛ وهو صاحب نشيد:

يا ظلام السجن خيم إننا نهوى الظلاما

ليس بعد السجن إلا نـورُ مجـدٍ يتسامى

     عمل الراحل في عدة جرائد عربية (الحياة والنهار والصياد وغيرهم)، وانتقل إلى لندن عام 1986، ليُصدر أول صحيفة عربية في أوربا، وهي (المنار)، وليصدر بعدها مجلة (الناقد) التي استضافت على صفحاتها كبار الكتاب والنقاد العرب؛ والتي كانت تخضع للرقابة من جميع الحكومات العربية، إذ كانت تتعرض صفحاتها للتمزيق دوماً .

     ترك الراحل عدداً كبيراً من الكتب والدراسات (عدا عن مقالاته) ومنها: ● رياح التغيير، ● رياح السموم، ● رياح الشرق، ● مصاحف وسيوف، ● موت الآخرين، ● آخر الخوارج، ● زمن السكوت

  رحم الله ’’رياض نجيب الريس‘‘ و أكرم مثواه .

نضع بين أيدي أخواتنا وإخوتنا متابعي موقع (الحرية أولاً)، الجزء الثالث المتوفر من خماسية ’’رياض نجيب الريس‘‘، والتي عنونها بـ (خمسون عاماً على حرب السويس) والمنقول عن موقع الجمل الإلكتروني

خمسون عاماً على حرب السويس (3/5)بقلم ’’رياض نجيب الريس‘‘

وضعت أزمة السويس قبل خمسين سنة، حدّاً فاصلاً بين عهدين. عهد انتهى وعهد بدأ لكل من بريطانيا وأوروبا والولايات المتحدة في الشرق الأوسط. أما ما حدث نتيجة لذلك في العالم العربي فكان البركان الذي فجّر الانقلابات والثورات على الأنظمة الحاكمة وغيّر ما غيّر من تحالفات العرب مع دول العالم، أكثر مما غيّر من حكّامه. كانت أزمة السويس بداية نصف قرن من صراعات وحروب وغزوات واغتيالات أدت إلى الصورة التي نحن فيها اليوم.

حكمت بريطانيا مصر من العام 1882 إلى العام 1922، عندما مُنحت استقلالاً صورياً، استمرت بريطانيا من خلاله في حكم مصر وتقرير سياستها والحفاظ على قوات عسكرية في أراضيها، وخاصة في منطقة القناة، ودعم النظام الملكي، حتى قيام جمال عبد الناصر بثورته في 23 تموز/ يوليو العام 1952. ومَنْ يقرأ اليوم خطاب عبد الناصر في الاسكندرية الذي ألقاه يوم تأميم القناة في 26 تموز/ يوليو 1956، يجد فيه وبعد كل هذه السنين، مطالعة تاريخية لماضي مصر ودور الاستعمار الأوروبي في ما آلت إليه أوضاعها من سوء عبر حكاية القناة، مردداً اسم المهندس الفرنسي “فيردينان دو لاسبس” ثلاث عشرة مرة في خطابه، لا تذكيراً بأمجاده أو تكريماً له، بل كنوع من الإشارة المُرمّزة إلى مَنْ كلفهم القيام بعمليات التأميم والسيطرة على منشآت القناة. وكان هذا اليوم التاريخي بداية النهاية المُذلة لأكبر قوتين استعماريتين أوروبيتين هما بريطانيا وفرنسا.

وأخذت حجارة الإمبراطورية تنهار. فقد “أنطوني إيدن” رئيس الوزراء البريطاني مركزه واستقال. تفككت الجمهورية الرابعة في فرنسا وعبر منها الجنرال “شارل ديغول” إلى الجمهورية الخامسة. كانت إشارات الانهيار واضحة حتى لغلاة الاستعماريين، عندما أضحت أميركا هي القوة العظمى المسيطرة على التحالف الغربي. وبدأ السعي عند العديد من الأوروبيين نحو إيجاد قوى أوروبية بديلة أصبحت فيما بعد كيان الاتحاد الأوروبي، كما نعرفه اليوم.

في الجانب الآخر، دفعت أزمة السويس بفكرة القومية العربية إلى الانتشار، وحوّلت القضية الفلسطينية إلى صراع عربي- إسرائيلي . إنما الأخطر أن أزمة السويس قد ألهت العالم عما كان يجري داخل دول أوروبا الشرقية التابعة للاتحاد السوفياتي، مفسحة في المجال لموسكو لإخماد ثورة المجر وقمع شعبه في الوقت ذاته من العام 1956، حيث كانت أنظار العالم موجّهة نحو الشرق الأوسط.

من سخرية التاريخ، أن “إيدن” عرف بقرار تأميم عبد الناصر لقناة السويس ليلة 26 تموز 1956 بالذات خلال عشاء كان يقيمه في «10 داونينغ ستريت»، على شرف الملك فيصل الثاني ملك العراق، الذي كان في زيارة رسمية لبريطانيا.

كان ذلك عندما دخل عليه سكرتيره الخاص عند الساعة العاشرة ليلاً، ليخبره بما قاله عبد الناصر في خطابه بالإسكندرية. ونهض الجميع من العشاء ليتفرقوا في الغرف الجانبية لمقر رئيس الوزراء البريطاني، يتبادلون الآراء في هذا الحدث الخطير.

وكان من بين المدعوين إلى العشاء، إلى جانب ملك العراق الشاب، الوصي على العرش الهاشمي السابق وولي العهد في حينه، خال الملك الأمير “عبد الإله”، ورئيس الوزراء العراقي “نوري السعيد” . كذلك كان هناك أربعة وزراء أعضاء في حكومة “إيدن”، بينهم “سلوين لويد” وزير الخارجية وأيضاً زعيم حزب العمال المعارض “هيو غيتسكيل”، بصفته زعيم المعارضة الرسمية، وعدد من كبار شخصيات المؤسسات البريطانية الحاكمة. وما إن انتهى العشاء حتى طلب “إيدن” استدعاء عدد من الوزراء من غير المدعوين ورئيس أركان القوات المسلحة وبعض كبار العسكريين، الذين كانوا موجودين ذلك المساء في مناسبات اجتماعية أخرى في أنحاء متفرقة من العاصمة البريطانية، للتداول في قرار التأميم. وكان جو الاستشارات بعد ذلك العشاء، حامياً إن لم يكن حماسياً، وكان هناك شبه إجماع على ضرورة التصدي لخطوة تأميم القناة.

كان الشعور السائد في تلك الاجتماعات، أن عبد الناصر بعمله هذا قد وضع يده على «زلعوم» بريطانيا ولن يتردد في خنق مصالحها في الشرق الأوسط. حتى إن زعيم المعارضة “هيو غيتسكيل” قال في مداولات ذلك المساء، إن الرأي العام البريطاني سيؤيد أي عمل قوي وسريع ضد عبد الناصر.

وشارك نوري السعيد، رئيس الحكومة العراقية، غيتسكيل الرأي، وقال لإيدن وهو يغادر «10 داونينغ ستريت» في الهزيع الأخير من تلك الليلة، بأن عليه أن يضربه (أي عبد الناصر) بقوة. ولم ينس ذلك الثعلب السياسي العتيق، أن يحذر إيدن من أن تقوم بريطانيا بأي عمل عسكري ضد مصر بالتواطؤ مع إسرائيل.

لكن ما كان من “أنطوني ناتينغ”، وزير الدولة لشؤون الشرق الأوسط في وزارة الخارجية (الذي استقال فيما بعد احتجاجاً على سياسة إيدن وأصبح من كبار أصدقاء عبد الناصر وكتب كتاباً هاماً عنه بعنوان ناصر) إلّا أن قال، موجهاً كلامه إلى نوري السعيد: «إن هذا جنون». وكان نوري السعيد أخلص أصدقاء بريطانيا في الشرق الأوسط . ومرت سنتان على حرب السويس قبل أن يقتل الملك والوصي ونوري السعيد سحلاً في شوارع بغداد عند قيام الثورة العراقية في 14 تموز/ يوليو من العام 1958، ومن قبل أن يصل البعث إلى السلطة في العام 1963 .

كثيرون من أفراد الشعب البريطاني كانوا يشاركون، ولو بغصة أو على مضض، هذه المقولة. وكما عبّر أنطوني ناتينغ، وزير الدولة للشؤون الخارجية البريطانية بقوله: «لقد جعلنا في أزمة السويس من عبد الناصر شهيداً وبطلاً، ورفعناه إلى سدة المجد وجعلنا له مكانة وقوة ما كانت لأحد في العالم العربي منذ مطلع القرن التاسع عشر».

بوصول عبد الناصر إلى قمة سلطاته واتساع نفوذه، بدأت الحكومة البريطانية، عبر سفاراتها في الخارج، تعدّ الخسائر التي منيت بها مصالحها وسياستها وتحسب حساب المزيد من الأضرار التي ستلحق بها، وقد أخذ اسم عبد الناصر يهدر عبر المنطقة، من تونس إلى الدار البيضاء، ومن بغداد إلى عمّان والقدس، ومن دمشق إلى عدن والبحرين وسائر بلدان الخليج . وخرجت الجماهير العربية في كل مكان فيه وجود بريطاني على أرض عربية تندد بالمجازر التي ارتكبتها القوات البريطانية في بورسعيد .

وازداد خوف بريطانيا بازدياد حجم عبد الناصر، حتى إن أحد الديبلوماسيين البريطانيين كتب يقول: «إن عبد الناصر جعل صوت نبضات قلب القاهرة يُسمع في كل عاصمة عربية، من المحيط الأطلسي إلى الخليج الفارسي» . حتى إن ملك الأردن، الملك حسين، الذي كانت تمول الخزانة البريطانية مملكته في ذلك الوقت، شبّه ما حدث في المنطقة بعد السويس بــ «صاعق كهربائي قوي مسّ البلاد». حتى إن المخابرات البريطانية اتهمت بعد مرور وقت طويل على انسحاب بريطانيا وفرنسا من منطقة قناة السويس، عبد الناصر بأنه كان يدفع بواسطة عملائه مبالغ مالية نقداً وبـ «الشُنط» إلى سياسيين عرب لزعزعة أنظمة الحكم في بلادهم.

وبدأ تراكم الخسائر البريطانية. في شباط/ فبراير 1958أعلن عبد الناصر الوحدة بين مصر وسورية تحت اسم الجمهورية العربية المتحدة . وبعد أشهر، في تموز/ يوليو 1958 قامت الثورة العراقية في بغداد التي قضت، في حمام دم، على الأسرة الهاشمية المالكة، معلنة قيام الجمهورية على غرار الطراز المصري، قبل أن يسرق حزب البعث تلك الثورة ويورثها لنظام صدام حسين.

سجّل الانسحاب المذلّ لكل من بريطانيا وفرنسا من غزو قناة السويس بالتواطؤ مع إسرائيل، قبل نصف قرن نقطة مفصلية في تراجع بريطانيا السياسي وبداية تفكك إمبراطوريتها المترامية الأطراف . فكانت النتيجة أن ألزمت بريطانيا نفسها عدم القيام بأي عمل عسكري خارجي من دون إذن الولايات المتحدة، كذلك موافقة الأمم المتحدة إن أمكن.

وكان الانقسام الحاد الذي أحدثته حرب السويس في المجتمع البريطاني، بين «الاستعماريين القدامى» الذين يؤمنون باستعمال القوة لحماية ما يعتقدون أنه لمصلحة بلادهم وبين «المتحررين الجدد» الذين يرفضون استعمال القوة ويدعون إلى التخلي عن المستعمرات وتحرير شعوبها. (مع العلم أن ذكريات الإمبراطورية ومستعمراتها كانت لا تزال طرية في العام 1956، وأنه لم يكن قد مضى على استقلال الهند- جوهرة التاج البريطاني- في العام 1947، أكثر من عقد واحد من الزمان). وقد تكرر هذا الانقسام، بأطياف مختلفة في العام 2003 عند الغزو الأميركي للعراق. فمن كان معادياً للاستعمار في العام 1956، سُرّ لهزيمة بريطانيا في السويس، لاعتقاده أن الإمبراطورية كانت ظالمة ومستغلة لشعوبها، كان معارضاً أيضاً للغزو الأميركي ـ البريطاني للعراق.