الحرية أولاً , والديمقراطية غاية وطريق

ماذا بقي من «الأمـة»؟

د. جمال الأتاسي * 

     لو أن مثل هذه الاستباحة الإسرائيلية، والمُدعمة أميركياً للبنان وبمثل هذا الشكل الذي لا يردعه رادع، لا من عربي أو غير عربي، ولا من قانون دولي أو منظمة دولية، لو أن مثل هذا وقع في أي مكان آخر غير هذه المنطقة التي زُرعت فيها إسرائيل عنوةً واغتصاباً، لقام لها العالم الغربي وقعد، ولكان لها أن تحرك ضميراً إنسانياً أو رأياً عاماً عالمياً… ولكن السطوة الأميركية وفي هذا الذي نسميه منذ حرب الخليج الثانية بنظامها العالمي الجديد، قد غيرت كل المعايير إلا معیـار مصالحها في السطو والهيمنة ومصالح السطو الإسرائيلي معها، ومن هنا كانت استهانتها بأي موقف آخر غير موقفها، فرنسياً كان أو روسياً، وكان رفضها لوساطة أي طرف آخر في الصراع الدائر أو لوقف العدوان الإرهابي والرهيب على لبنان .

      ولكن وفي مقابل مثل هذا التحدي الكبير لكل أنظمتنا ولكل وجودنا العربي، فليس لبنان وحده هو المستهدف، بل الوجود العربي كله من خلال لبنان، هل يمكن أن نسجل نقطة إيجابية لجامعة الدول العربية إذ حزمت أمرها أخيراً بعد غيابٍ طال واجتمعت، ولكن في مستوى الوزراء والأدنى من الوزراء، وليس في مستوى القمة كما كانت تجري الأمور في مرحلة خلت، ليكون هناك إلزام والتزام عربي، وقيل كلام يكشف بشاعة ما يجري على أرض الواقع العربي وخطورته، ولكنه لم يُحرك إلا لدى القليل بعض النخوة العربية لمساندة لبنان بالأغذية والخيام والدواء، وبدلاً من أن يُلزم قرار الجامعة الدول والحكام بموقف أو إجراء، اكتفى بكلمات التنديد، وبرفع توصيات إلى مجلس الأمن ليندد بدوره وليفرض على إسرائيل أن توقف العدوان وتنسحب وأن يُنزل بها عقوبات، وقالها البعض على استحياء وهم يعرفون أن فوق قرارات مجلس الأمن سطوة أميركا ويبقى الفيتو الأميركي هو المتحكم والحكم .

     قال الوزير السوري فيما قال أمام جمع الجامعة «إن اسرائيل تريد أن تضعنا في خندق واحد معها ضد أمتنا وضد شعوبنا»، وهي بالواقع قد فعلت، وتلك كانت أهداف قمة شرم الشيخ التي ساقت إليها أمريكا من ساقت، وهي ما زالت الهدف الذي يتوخاه اليوم المشروع الأميركي للوساطة، أي أن نصل إلى اتفاقات تجعل من الأنظمة حامية لأمن إسرائيل وتضعها في تعارض مع شعوبها ومقاومة الشعوب.

     نحن نطالب العالم بأن يفهم حقيقتنا وأن ينتصر لحقنا ومطالبنا المشروعة والعادلة، ولكن، أوليس الأوّلى بنا وقبل أن نطالب العالم، أو لنعطي دافعاً لمن يقف في قليل أو كثير إلى جانب حقوقنا وحقنا، أن نطالب أنفسنا كعرب وأين نُلزم أنفسنا أنظمة وحكومات، بموقف وبإجراء في مساندة لبنان وتجاه ما يجري في لبنان وما يتهدد ويضغط على سورية ولبنان ويتهدد كل المنطقة العربية، أم أن تلك الأنظمة والحكومات التي رهنت نفسها للرعاية الأميركية والملتحقة بالركب الأميركي الصهيوني والمستسلمة للخضوع والتابعية والمهرولة للمشاركة والتطبيع مع اسرائيل، قد فقدت كل حسٍ وطني أو التزام قومي وصارت جزءاً من الحلف المعادي لأمتنا ولا نستطيع فكاكاً!…

     نحن لا نطالب الدول العربية بإطلاق صواريخها الرادعة ضد إسرائيل أو بشن الحرب، فنحن نعرف أين صارت مواقعها وما آلت إليه أحوالها، ولكننا نطالبها بقدر من التماسك والتمسك بحقها المشروع في الدفاع عن النفس، وأن لا تذهب، أو لا يذهب هذا الجانب منها أو ذاك إلى التحالف مع أعداء الأمة، وأمام تلك الخدعة الكبرى التي صاروا يسمونها التحالف من أجل مكافحة الإرهاب؛ فهل بقي من إرهاب فوق هذا الذي تمارسه إسرائيل في لبنان وعلى أرض فلسطين وفوق ذاك الذي تمارسه أميركا على صعيد العالم كله، وإذا بقيت الأنظمة عاجزة فليس لها بأية حال أن تعترض سبيل مقاومة الشعوب دفاعاً عن الأرض والكرامة ورفضا للتطبيع ومقاومة العدوان، وليس لها أن تدخل في اتفاقات وتحالفات وشراكات مع إسرائيل ضد وجود الأمة وضد شعوبها، أو أن توظف جهودها وقوات لها لرعاية أمن إسرائيل والاحتلال الإسرائيلي لأرضها.

     إن تلك الضربة الإرهابية والرهيبة للبنان والتي تستهدف أيضاً سورية بخاصة ومن بعدها كل وجود الأمة كاشف كبير ولم يبق لأحد أن يخادع نفسه، وأن يتحدث عن مسيرة للسلام وعن صيانة لها أو انقاذ . فهذه الحملة جزء من مسلسل رهيب صارت كل أبعاده واضحة، وليس لنا أن نعود إلى كشف ذلك التآمر التاريخي والكبير والبعيد على وجود أمتنا وحقوقها، بل ولا عندما صار مكشوفاً منذ التدابير التي دُبرت لحرب الخليج وما بعدها، بل يكفي أن نتابع ما دُبر وما تلاحق من أحداث في الأشهر الأخيرة، وما كان في قمة شرم الشيخ، وما قام بعدها من تحالفات وأحلاف عسكرية ممتدة من الولايات المتحدة إلى إسرائيل فتركيا ومروراً بالأردن بل وامتداداً إلى الخليج وأقطار الخليج . فلتتوقف إذن هذه المسيرة التي يسمونها مسيرة السلام، وما هي إلا مسيرة للهلاك، ولتتوقف هرولة المهرولين والاتفاقات المنفردة، وعقود الإذعان، و ليسترجع للأمة قدر من صوابها ومن تماسكها وتضامنها، لنفتش عن طريق أخرى للوصول إلى حقوقها وسلامتها ولتحقيق ذلك الذي يسمونه سلاماً عادلاً أو على شيء من الحق والعدل .

لقد أثبت لبنان وشعب لبنان، وبرغم كل الكوارث التي مرت عليه، وكل الدمار الذي لحق ببنيانه وبناه، والذي حسبته إسرائيل، ومن وراء إسرائيل، أنه الحلقة الأضعف في المواجهة العربية لتناله وتنال من خلاله الوجود العربي المقاوم، لقد أثبت أنه قادر بعد كل التمزقات التي سبقت، والأقدر من غيره على التماسك الوطني والصبر وعدم الهرولة والانصياع، ومن حق لبنان على أمته وشعوب أمته ان تقف كلها اليوم معه، لتقف بذلك أيضاً مع نفسها ووجودها .

      لقد ارتفعت نداءات تطالب، ومن بينها أخيراً مطالبة من أمانة الجامعة العربية بلقاء عربي على مستوى القمة، وإن جاءت قمة مصغرة ولم تستطيع أن تشمل، ذلك مطلب مُلح اليوم، ليقف الجميع عند مسؤولياتهم القومية والمصيرية وليكون هناك مواقف مُلزمة، ولتكن الفيصل، بين من بقي مع الأمة ومع جامعة الأمة، وبين من خرج عليها وصار رصيداً لأعدائها ولمشاريع أعدائها في المنطقة .

      ويبقى أن من حق الشعوب أن ترفع صوتها وتطالب، ومن حقها أن تقاوم وبكل الوسائل التي تملكها وتستطيع أن تملكها، أن تقاوم الاحتلال والاستيطان والعدوان وأن تقف في وجه التطبيع والاستسلام.

* عضو الأمانة العامة للمؤتمر القومي العربي والأمين العام لحزب الاتحاد الاشتراكي العربي في سورية

المصدر: جريدة الحياة؛ نيسان 1996