الحرية أولاً , والديمقراطية غاية وطريق

ثروت عكاشة.. وكيفية اختياره وزيراً للثقافة

عبد الباسط حمودة

     بطل الثورة الثقافية الشاملة خلال الخمسينات والستينات والذى يُعد أزهى عصور مصر التعليمية والثقافية والأدبية والفنية والمسرحية، ففي مذكراته البالغة حوالي 1100 صفحة بطبعتها الثالثة، يحكي ’’د. ثروت عكاشة‘‘- الذي يُعتبر أعظم وأشهر وزير ثقافة في عهد الزعيم “جمال عبد الناصر”- وعن كيفية اختيار الزعيم له لهذا المنصب عام 1958 كتب يقول:

بعد عودته من  سهرة برفقة زوجته بأوبرا روما حيث كان مقر عمله سفيراً لمصر  “امتدت يدي إلى مفتاح الراديو لأستمع لنشرة أخبار الحادية عشرة من إذاعة القاهرة، فإذا بالخبر الأول يحمل إلينا مفاجأة مذهلة، فقد كانت القاهرة تُذيع قرار تشكيل حكومة جديدة تضُم بين أعضائها إسمي وزيراً للثقافة والإرشاد القومي.

انمحت صور الحفل الأوبرالي من فكري وخمدت ومضاته فجأة، وشملني قلقٌ غامر، وبرغم إيماني بأهمية العمل الثقافي إلا أن منصِب الوزير ذاته لا مفر من أن يُدخلني في غمرة المشتغلين بالسياسة، وهم في كل بلاد العالم رجال ذوو استعداد طبيعي وطباع خاصة تُمليها عليهم حرفة السياسة، وأنا عليّ طبعٌ مغاير. فحين انضممتُ إلى الضباط الأحرار كنتُ أحملُ بين جوانحي شعوراً ذاتياً بوجوب المشاركة في تحرير الوطن وخدمة الشعب دون تفكير في أن أزُج بنفسي في غمرة السياسة”.

     كان تعطشي إلى المعرفة يجعل الكتاب أقرب رفيق لي كما كان وَلَعي بالموسيقي يشُدُني إلى مواطن النغم. وهكذا كانت هواياتي الفنية تستحوذُ علي أوقات فراغي كله فتنأى بي عن أن أُشَارك في جلسات الدردشة مما خال البعضُ معه أن بي تباعداً أو تعالياً، وما كان هذا حقاً، بل هي رغبةٌ ملحةٌ في مطالعة كتابٍ جديد أو سماع لحنٍ شجي.

     مر في ذهني العديدُ من الخواطر والذكريات وأخذتُ أُقَارِن بين رضائي يوم فوجئتُ بتعييني سفيراً لمصر في روما منذ ما ينيف عن سنةٍ وبين البلبلة التي اعترتني لتعييني وزيراً. فقد كنتُ أُحسُ وأنا سفير أني بين مجموعة محددة يَسُودها الوئام والتوافق، كُلُنا نعمل لهدف محدد وكما أنا فارغٌ له هم الآخرون فارغون معي له، بينما لا بد للوزير من الاضطلاع بمهامٍ أُخرى تتصل بالحقل السياسي، وما كنتُ أُحبُ أن أرتاد هذا الخضم، لِما كنتُ أراهُ من احتوائه على شُللٍ وتجمعاتٍ همُها ألا يزاحمُها في سلطانِها أحد، وكثيراً ما تنشأ معها المكائد والدسائس والغدر والوشايات.

     وكان أن انتهيتُ إلى أنهُ لا بد لي من أن أعود إلى مصر قبل مرور أربعٍ وعشرين ساعة ومقابلةً الرئيس راجياً إعفائي من شَغل منصِب الوزير.

اللقاء مع “جمال عبد الناصر”:

     الحق أن “جمال عبد الناصر” أدرك منذ مصافحتي له كل ما أضّمُره وكأنما كان يقرأ أعماقي وأَخَذَ يفيضُ في السؤال عن أفراد أسرتي ليؤجِل بضع لحظات بدء مناقشة يعرف أنها ستكون طويلةً وشاقةً. حتى إذا انتقلنا لجوهر الحديث وصارحتهُ باضطراري للاعتذار عن قبول المنصب الذي لم أُستَشَر في أمر إسنادهِ لي، لا تقاعساً عن عملٍ جاد بل تحاشياً لوقوع صدام محتمل بيني وبين الشلل والتجمعات المتسلطة، استمع عبد الناصر لحديثي مُصغياً كل الإصغاء مُقَدراً مشاعري وأحاسيسي، ثم أخذ في إقناعي وهو يقول: إن منصبك الآن وزيراً يختلف كل الاختلاف عن المنصب الذي اعتذرت عنهُ مستشاراً برئاسة الجمهورية. فأنت الآن في وضعٍ يَعلو وضع بعض ممن لا تطمئن نفسك إليهم، كما أنك ستَشغَل مكاناً بعيداً عن المكان الذي يعملون فيه، فوزارتك تقع في مبني مستقل بقصر عابدين، في نفس الوقت الذي ستكثُر لقاءاتنا معاً بشكلٍ منتظِم. كما أن هذا المنصب لن يُغَير شيئاً من أنك تستطيع في أي لحظة أن تجد بابي مفتوحاً لك أو أن تتصل بي برقم تليفوني المباشر.

     وحين ذكرت له ثانيةً عزوفي عن المناصب التي تَشُوبها صراعات على السلطة والنفوذ وما يتبعُها من مضيعة للوقت والجهد أجابني قائلاً: أُصارحُكَ أني لم أدعُك لشغل وظيفة شرفية، بل أنني أعرف انك ستتحمل عبئاً لا يجرؤ على التصدي له إلا قلة من الذين حملوا في قلوبهم وهج الثورة حتى أشعلوها. وأنت تعرف أن مصر الآن كالحقل البكر، وعلينا أن نعّزق تربتها ونُقلبها ونُسويها ونغرُس فيها بذوراً جديدةً لتُنبت لنا أجيالاً تؤمنُ بحقها في الحياة والحرية والمساواة، “فهذا هو العناء، وهذا هو العمل الجاد” على نحو ما ذكر (فرجيل) في(إنيادته)، وإنني اليوم أدعوك أن تُقبِل على هذا العناء وذلك العمل الجاد، وأن تُشَمّر عن ساعد الجد وتشاركني في عزق الأرض القاحلة وإخصابها. إن مهمتك هي تمهيد المناخ اللازم لإعادة صياغة الوجدان المصري، وأعترف أن هذه هي أشق المهام وأصعبها، وأن بناء آلاف المصانع أمرٌ يهون إلي جانب الإسهام في بناء الإنسان نفسه،. ولو أن سفيراً يستطيع أن يؤدي ثلاثين في المئة فقط مما قمتَ به أنت في روما فحسبي هذا. إن لك دوراً تخدم به الوطن في الداخل أهم من دورك في الخارج. وأحبُ أن أبوح لك بأن على بابي هذا نحو عشرين شخصاً متطلعين إلى منصبك هذا. فبدهته بقولي: إذن فلتمنحه أحدهم فلستُ براغبٍ فيه، فضلاً عن أني لا آمن تلك السهام التي سوف توجَه إليّ من الخصوم، فسألني بهدوئه العميق: من منا الذي يعمل آمناً من السهام المعادية؟ أو لا تذكُر أننا خرجنا ليلة 23يوليو1952نحمل أرواحنا على أكفُنا، وكلٌ منا يضعُ في احتمالاته ألا يعود لأُسرته سالماً، إن عظم المسؤولية جدير بأن يثير في نفسِك ما عهدته فيك من إقدام، ثم ما الذي ستفعله في وزارة الثقافة غير تحقيق أحلامك التي طالما كنت ترويها على مسامعي قبل الثورة وبعدها.

     فرددتُ عليه بقولي “كم يرُضيني ثناؤك هذا، غير أن المنصِب لا يستهويني”، فإذا بالرئيس يذَكرني بأنني لم أكن أغادر القاهرة في مهمة سياسية خاصة إلا وأعود بحديثٍ مقتضب عن المهمة تاركاً التفاصيل للتقرير المكتوب، بينما كنتُ أُطنِب في الحديث عن النهضة الفنية في الخارج وما شاهدته من عروض مسرحية وموسيقية وأوبرالية ومن معارض فنية وأحدث الإنشاءات الثقافية، وعن أمنيتي في أن تتحقق مثل تلك النهضة في مصر.

     وهنا صارحني الرئيس بقوله: “لا أُخفي عليك أن كل حديثٍ كان يدور حول تنمية الثقافة والفنون كان يجعل صورتَك تتراءي في خيالي، وأذكر حديثنا قبل الثورة عن انحصار المتعة الثقافية وبخاصة الفنون الراقية في رقعةٍ ضيقةٍ لا تنفَسح إلا للأثرياء، وكيف ينبغي أن تُصبح الثقافة في متناول الجماهير العريضة وأن تخرج من أسوار القاهرة والإسكندرية لتبلُغ القُرى والنجوع، فمن بين أبناء هذه القُرى الغائرة في أعماق الريف بالدلتا والصعيد يُمكن أن يبزُغ عددٌ من الفنانين الذين يعكسون في إبداعِهم أصالتهم الحضارية. ويبدو لي أن الأوان قد آن لتحقيق هذا المطمح، وقد كنتُ انتظر هذه اللحظة لأُسنِد إليك مهمة وزير الثقافة. ولا تتصور أني كنتُ أُوفدك في مهامٍ مؤقتة إلى عواصم أوروبا أو في مهامٍ طويلةٍ كعملك الدبلوماسي في باريس وروما دون أن أضع في اعتباري ما تُتيحه لك هذه الفرص لدراسة الأنشطة الفنية والثقافية في أهم عواصم الفنون والثقافة في العالم، وإنني أرى أنه مازالت أمامك رحلاتٌ أُخرى في عواصمٍ أُخرى تضيفُ لحصيلتك في هذا المجال زاداً جديداً لكنك ستقوم بهذه الرحلات بوصفِك وزيراً للثقافة، وهو ما سيُتيحُ لك فوائد أعظم وأنت تُشَيد أبنية الثقافة والفن في مصر”.

     أحسستُ أن عبد الناصر كاد أن يُضيّق عليّ الحِصار وأن يَمَس أوتار قلبي، وأن يوقظ في نفسي الأحلام والذكريات التي أخذت تُلهب خواطري وتُشعل في وجداني قلقاً عصياً على الخمود.

     فقلت له: أرجو أن تمنحني فرصةً أُعيدُ فيها النظر.

     فقال لي مبتسماً: حسبتُك تُريد فرصةً تُجرب فيها حظك في موقع وزير الثقافة. وعلى كلٍ فليكن لك ما تُريد. أخلُد إلى عُزلتك ليلةً أو ليلتين، على أن تتذكر أن قرار رئيس الجمهورية لا يقبل التغيير السريع الذي تَوده أو الذي كنت تَوَده.

     وصافَحَني مودِعا بعد أربع ساعاتٍ من النقاش الذي كان فيه بالغ الصبر والذي أعترف أني كنتُ فيه شديد العناد والتصلب.

     اعتكفت في بيتي ليلتين كما أشار عليّ الرئيس وفي صباح اليوم الثالث تلقيتُ مكالمةً منهُ يسألُني فيها عن رأيي الذي انتهيت إليه، فأجبته قائلاً: أُصارحُك أنني حتى الآن لم أُحسُ بالراحة لقبول هذا المنصِب، فقال ضاحكاً: “هيا الي مكتبك على بركة الله ولا تهتم براحة النفس هذه فأنا كفيلٌ بتحقيقها لك”.

     دخلتُ مكتبي راضياً بما قُدر لي وقد انحسم الصراعُ الذي مَزَق نفسي أياماً ثلاثة، ورفعتُ سماعةً التليفون لأُبلغ الرئيس (جمال) أنني أُحَدثهُ من مكتبي بقصر عابدين، وأحسستُ بدفقة الحماسة في صوتِه وهو يطمئنُني قائلاً: “تأكد أنني سأوليك كل الدعم والرعاية، فإني واثقٌ أنك سوف تستطيع أن تُشكل رِباطاً وثيقاً بين حركة المثقفين وحركة الثورة لتخلق منهُما وحدةً فعالة فنحنُ في حاجة إلى تعاون كافة المفكرين المستنيرين في إحداث التنمية الاجتماعية المنشودة”.

     وقبل أن أودعه طلبت منه عودة مصلحة الآثار من وزارة السياحة إلى مكانها الطبيعي، وهو وزارة الثقافة، فوافق على الفور.

     هكذا أصر عبد الناصر على اختيار ثروت عكاشة وزيراً للثقافة لدورتين (1958-1960) ومن (1966-1970) ليصبح أعظم وزير تولى تلك الوزارة.

رحم الله الزعيم العظيم والوزير الفنان المثقف.


عبد الباسط حمودة

مهندس وباحث سوري