الحرية أولاً , والديمقراطية غاية وطريق

تراث عبد الناصر وتصفية الحساب

معقل زهور عدي *

     ثمة حساب لم تتم تصفيته بعد- على ما يبدو- بين تيارات فكرية متعددة، وأهواء، ومشاعر قبلية مترسبة، وثارات شخصية وشبه شخصية، وخلف ذلك، بعيداً عنه في الكواليس، خوفٌ متجدد من انبعاث روح الأمة العربية، ومن البديهي أن كل من يفكر في امكانية ذلك الانبعاث صديقاً كان أو عدواً سيصل إلى أنه سيستند على آخر حلقاته التي انقطعت وهي التجربة الناصرية شئنا ذلك أم أبينا لا فرق.

     هكذا يكون لاستهداف التجربة الناصرية في الحقيقة مغزاه الخاص اليوم، ليس فقط كمجرد تصفية حساب، فلا أحد يهتم كثيراً بمحاسبة الموتى، ولكن بالضبط لوعي كبار المستهدِفين (اللاعبين الأصليين) بأهمية تصفية تلك الحلقة لمنع الارتكاز عليها في انبعاث روح الأمة العربية ثانيةً .

     وفي هذا السياق يتم الرمي على دريئتين، الدريئة الأولى هي تجربة الوحدة السورية- المصرية، التي يتم تصويرها باعتبارها الخطأ التاريخي الأكبر، آكلةّ الديمقراطية السورية، وحاضنة الاستبداد، بل يذهب البعض لاعتبارها الخطيئة الأصلية التي أنزلت المجتمع السوري من جنة الديمقراطية .

     والدريئة الثانية هي شخصية عبد الناصر ذاتها، فهو ديكتاتور، شعبوي، المؤسس لعبادة الفرد، بائع الأوهام والشعارات الخ..، وتأتي هزيمة حزيران كـ (برهان نهائي) على هزيمة تجربة وفكر ومرحلة بكاملها ! .

     انتهى الأمر، ومن يفكر في البقاء في ذلك الخندق سيتحول إلى مخلوق من كوكب آخر، إلى ديناصور أو مستحاثة فكرية .

     حسناً إذا كان الأمر بهذه السهولة فلِمَ يتجدد الهجوم باستمرار على جثة الوحدة وعبد الناصر؟!، افعلوا إذن أيها الفرسان ما قاله السيد المسيح: دعوا الموتى يدفنون موتاهم .

     لكن لا، فشبح الوحدة وعبد الناصر مازال يقضُ المضاجع، لم يمت بعدُ تماماً، لذا لا مفر من تصويب السهام ضده باستمرار وفي كل مناسبة .

     ( أيتها الحرية كم من الموبقات ترتكب باسمك ):

     أجل أيتها الديمقراطية كم من الدجل والزيف والأحقاد يتم تفريغها باسمك .

     أثناء عهد الوحدة بين مصر وسورية كان ثمة تياران سياسيان يتصارعان على أرضية الفكر القومي- الاشتراكي، أحدهما كان يرى أن الديمقراطية ضرورة لاستمرار الوحدة وبقائها، وأن النضال ضد الاستبداد يجب أن لا يمُس انجاز الوحدة العظيم، بينما رأى الآخر أن الحل هو في الانفصال .

     هل كان بقاء الوحدة ممكناً ؟ لم لا؟. هل كان ممكناً النضال من أجل الديمقراطية داخل الوحدة ، لم لا؟ .

     والاستبداد داخل دولة الوحدة لم يكن يقاس بما عرفته سورية بعد ذلك لا من قريب ولا من بعيد . ها نحن الآن بعد الانفصال- وبكل هذه المدة- نكافح من أجل الديمقراطية دون جدوى؛ فهل سهل الانفصال النضال من أجل الديمقراطية !؟

     بدون شك كان حل الأحزاب في سورية والغاء النظام البرلماني خطأ بالغ، لكنه لم يكن خطأ الوحدة، كان خطأ السياسيين الذين قبلوا بذلك، ومثلما تسرعوا في ارتكاب ذلك الخطأ تسرعوا ثانية في ارتكاب خطأ أكبر هو الانفصال .

     ليس من العدل تحميل الوحدة وزر خطأ السياسيين الذين لم يتحملوا مسؤولياتهم في المحافظة على أسس الديمقراطية، بعد الوحدة أصبح لدينا كيان سياسي يفترض صيانته والدفاع عنه والعمل من خلاله وليس تدميره .

     بتدميره لم يتم استعادة الديمقراطية المُفتقدة، كانت هناك مرحلة انتقالية محدودة بعدها أصبحنا نترحم على ديكتاتورية الوحدة ولا نزال .

     أكثر من ذلك بعد 8 آذار 1963 كانت سورية على مفترق، إما أن يتشكل ائتلاف يضم الناصريين والبعثيين (يمكن توسيعه لاحقاً) يكون مقدمة لاستعادة الوحدة- ولنلاحظ أن مثل ذلك الائتلاف سيعني التعددية والتوجه نحو الديمقراطية- أو (وهو ما حصل) استفراد فئة بالحكم وبالتالي السير نحو الديكتاتورية وتكريس الانفصال، أقصد أن الطريق الوحدوي كان هو ذاته طريق التعددية والديمقراطية، بينما الطريق الآخر طريق تكريس الانفصال وأيضا السير نحو الديكتاتورية بذات الوقت .

     إذن لماذا هذا الدجـل في ربـط الفكر الوحـدوي بالديكتاتوريـة وربـط الانفصــال بالديمقراطيــة ؟

     قبل الوحدة، كما بعد الانفصال، عرفت سورية أشكالاً لا حصر لها للاستبداد؛ هل كان حسني الزعيم ديمقراطيا، وكذلك أديب الشيشكلي؟ وهل كان النظام الحاكم في سورية التي تكرّسَ انفصالها بعد آذار ديمقراطياً ؟

     لكن بعد كل شيء، واحتراماً لتجربة الوحدة ذاتها، يتوجب الاعتراف أن الديمقراطية هي التي أنتجت الوحدة، وأن تصفية الديمقراطية سمحت بالانفصال، ولن نبرر لأيٍ ممن اشترك في الانفصال خطأه الفادح، لكن لنترك ذلك للتاريخ، فقط ما يهم هو القول لأولئك الذين لا يملون من إخراج سكاكينهم لطعن تجربة الوحدة في كل مناسبة وتحت أكثر اللافتــات بريقــاً لـن تفلحــوا قــط .

     فتجربة الوحدة السورية- المصرية أصبحت في وجدان العرب من المحيط إلى الخليج، وكونها حصلت مرة، يعني امكانية أن تحصل ثانية، ليس بالضرورة في ذات السياق، ولا بذات الشكل، فالناس أصبحت تعرف أكثر من أي وقت أن الديمقراطية هي شرط الوحدة ومدخلها، مثلما ان الديكتاتورية حارسة للتجزئة .

معقل زهور عدي

كاتب و باحث سوري

 

المصدر: الحوار المتمدن