الحرية أولاً , والديمقراطية غاية وطريق

ظل عبد الناصر ونوره في السينما

ناهد صلاح *

 

سبتمبر هو شهر الذكرى، خمسين عاماً تمر على رحيل جمال عبدالناصر، ولا يزال هناك هذا السؤال المُشرع عن حضور صاحب الذكرى في السينما، زعيم وضع السينما في قائمة الأولويات كرافد مهم من روافد الثقافة التي آمن بضرورتها كجناح من أجنحة ثورة يوليو، وازدهرت السينما المصرية في عصره لتتوازى مع تيار جديد يعكس تفاعلاً متنامياً بين السينما والثورة في إطار فكرة تحالف قوى الشعب العامل مع الأفكار الجديدة، ظهر هذا التنامي في تغيير ملامح البطل السينمائي إلى حد كبير، تجاوز الشكل البراق إلى الشكل الواقعي الذى ينتمى إلى طبقات الشعب الكادحة، إضافة إلى إنشاء المؤسسة المصرية العامة للسينما، أربعة معاهد فنية للسينما والباليه والفنون المسرحية والموسيقى، على الرغم من كل هذا لم ينل من السينما ما يليق به وبسيرته.

  يوليو وعبد الناصر لم يحصلا على الاهتمام السينمائي الكافي كما نالته الحرب العالمية في السينما العالمية على سبيل المثال، أو فنان مثل فان جوخ؛ تنافست عشرات الأفلام على تقديم سيرته، أو حتى حرافيش وفتوات نجيب محفوظ الذين سلطت السينما المصرية أضواءها عليهم، التجاهل السينمائي لم يصب عبد الناصر وحده، وإنما كل زعماء التاريخ الحديث الذين أهملتهم الدراما واقتصرت مساحتهم داخل بعض الأفلام على نقطة مهمشة لا تساوى حجمهم الحقيقي في الواقع، ربما جاء هذا التجاهل بسبب النسبة الضئيلة للأفلام التي تلعب فيها السياسة دوراً كوسيط فني وثقافي على شاشة السينما، وربما يبرر الواقع نفسه هذا التعامل الغامض للسينما مع عبد الناصر، فالثورة قدمت قائدها ومفجرها متأخراً كنوع من التأمين والإمساك بكل الخيوط، الغريب أنه بعد استقرار العوامل المحيطة بالثورة ظل عبد الناصر مجرد صورة معلقة على الجدران في خلفيات الأحداث كمؤشر للزمن.

تباينات الظل والضوء أبرزت ملامح واضحة، نظرة عين ثاقبة وزند قوى وصدر هو في حد ذاته متراس وصوت لا يخطئ الحرف أو الكلمة، رجل أسمر اللون يظهر ببذلته العسكرية في مشهد خاطف يقف وسط رفاقه مشدودين بصوته الأخاذ، كما ضابط الجيش سليمان (كمال يسن) مثلاً في فيلم “رد قلبي” (1957) من إخراج عز الدين ذو الفقار عن رواية للأديب الكبير “يوسف السباعي”، باكورة أفلام آسيا داغر بتقنية الألوان وسينما سكوب، الحاصل على المركز الـ 13 ضمن قائمة أفضل 100 فيلم في تاريخ السينما المصرية في استفتاء النقاد لعام 1996 في احتفالية مئوية السينما المصرية، تتغير ملامح سليمان ويبدو عليها التعب وهو يقول:”إنجي بتاعتي يا علي معذباني ومطيرة النوم من عيني، رداً على قصة على وحبه المستحيل للأميرة “إنجي”، بينما يتلون صوته بإيقاع مختلف وهو يخبره :”إنت من الأحرار يا علي”.

  هذا الدور وهذه الشخصية التي تم اعتبارها إشارة إلى عبدالناصر وإحدى تجليات صوره كما قدمتها السينما، حملت إشارة أخرى وهي أنه لم يكن زعيماً بالمفهوم التقليدي، رجل تتبعه الجماهير على دربه الثائر، بل كان واحداً منهم ينتمى إلى الفقراء، كان حقيقة تعاملت معها السينما على ثلاثة أوجه، فقدمته بصورة ضمنية أو رمزية أو ظاهرة، هذا التناول الثلاثي اتضح في الأفلام التي أعقبت ثورة يوليو مباشرة ظهر فيها عبد الناصر بشكل ضمني، كان دائماً شخصية القائد الغامض والمجهول في ذات الوقت يظهر على الشاشة فيبدو رزيناً، هادئاً والجميع يتساءل: من هذا الرجل الرصين؛ حاد الملامح الذى يصاحبه عمق صوتي معين ويجتمع حوله الأحرار؟ (رد قلبي، شروق وغروب، لا وقت للحب و.. غيرهم).

  أول مرة تظهر أغنية خلال فيلم سينمائي تتغنى باسم جمال، كانت أغنية (أَمِمْ جمال القنال) في فيلم (بور سعيد) (1957) تأليف وإخراج عز الدين ذو الفقار؛ وفى أحد مشاهده أيضاً يردد أحد الخواجات الذين يعيشون في مدينة بور سعيد: “عبدالناصر لازم يموت”، كان عبد الناصر هو من كلف فريد شوقي بإنتاج هذا الفيلم في مقابلة حضرها عبد الحكيم عامر وأنور السادات: ” نريد منك القيام بعمل فنى يروى قصة العدوان الثلاثي، خاصة في منطقة بورسعيد لرصد المقاومة الشعبية هناك” (مذكرات فريد شوقي في جريدة القبس)، وشرع في التصوير على الفور تحت القصف مع مجموعة كبيرة من النجوم: شكري سرحان، رشدي أباظة، هدى سلطان، ليلى فوزى حسين رياض، أمينة رزق، توفيق الدقن، سراج منير، أحمد مظهر، زهرة العلا ، زينب صدقي، نعيمة وصفى وغيرهم شاركوا في الفيلم الذى عرض في 8 يوليو عام 1957، أي بعد جلاء العدوان الثلاثي على مصر في 23 ديسمبر 1956 بأقل من 7 أشهر.

  يوسف شاهين من أبرز المخرجين الذين أظهروا صورة عبد الناصر في خلفيات أفلامه، ففي “العصفور” (1972) الصورة ارتبطت بجو النكسة ولحظات التنحي، عبد الناصر يظهر وهو يلقى خطاب التنحي، الطابع الملحمي كان يغلب على الفيلم واختلطت فيه الكوابيس بالأحلام.، وفي “عودة الابن الضال” (1976) كانت مجسدة وبشكل شفاف في جنازة عبد الناصر التي واكبت لحظة خروج (علي) بطل الفيلم اليساري من السجن، وشاهين هنا يلمح إلى خروج اليسار مكسور الجناح عاجزاً عن الفعل في عصر السادات. بينما في فيلمه “اسكندرية ليه” (1979) قدم لقطات عابرة ترسم خلفية المجتمع السياسي في الأربعينيات وتظهر صورة فيها قدر من الكاريكاتورية (أحمد عبد الوارث) والسادات (عبد العزيز مخيون).

   الحضور الرمزي لصورة عبد الناصر، كان ملحوظاً بعد أكتوبر 1973، حيث كان الحنين جارفاً لناصر وزمنه، خصوصاً أن نتائج الحرب لم تُحقق أحلام المحاربين والناس، وإن ظهرت في السبعينيات مجموعة من الأفلام كان الحضور الرمزي فيها لعبد الناصر سلبياً، وحاولت هذه الأفلام النيل من عبد الناصر فأظهرته جلاداً وعصره عنواناً للتعذيب والقهر والمعتقلات واستغلال النفوذ، لم تكن هذه الأفلام التي قادها “الكرنك” لعلى بدرخان سوى أفلام مرتبكة على المستوى الفني والفكري، حتى أنه في عام واحد فقط وهو العام 1977 عرضت مجموعة من الأفلام استهدفت عصر عبد الناصر وركزت على ما أسمته بمراكز القوى واستفحال حضورها في المجتمع ومنها: (أسياد وعبيد) لعلى رضا، (إحنا بتوع الاتوبيس) لحسين كمال، (آه يا ليل يا زمن) لعلى رضا، (امرأة من زجاج) لنادر جلال الذى أخرج أيضاً (ملف سامية شعراوي) عام 1988.

   جاءت أفلام جيل الثمانينيات لتضع يدها على الجرح وتعبر عن مجتمع كاد يفقد ملامحه وهويته، لمس هذا الجيل النقاط الشائكة وصنع معادلة الربط بين غياب عبد الناصر وتردي المجتمع، هو ما نجده واضحاً في “سواق الأتوبيس” إخراج عاطف الطيب، الذى استطاع أن يحدد العلاقة بين خراب الورشة المعروضة للبيع وصورة عبد الناصر المعلقة على جدرانها طوال الوقت، في “زمن حاتم زهران” ركز المخرج محمد النجار على الصراع بين الفترتين الناصرية والساداتية بشكل واضح وقاطع، الصراع بين النضال والتجارة بالنضال، حتى أن صورة الشهيد ظهرت طوال الفيلم كأنها بروفيل لعبد الناصر. كذلك دافع المخرج الراحل محمد شبل في فيلمه “كابوس” عن عبد الناصر وعصره واختار ملامح الأب قريبة الشبه إلى حد كبير من ناصر. يأتي فيلم (يا مهلبية يا) إخراج شريف عرفة ليبرز هذا الحضور الرمزي من خلال الشخصية التي جسدها هشام سليم حينما قال في مشهد الأسلحة الفاسدة: (المعركة مش هنا.. المعركة في القاهرة)، من المعروف أن هذه جملة جمال عبد الناصر في الفالوجا، ربما جاءت الصورة في الفيلم كاريكاتورية لكنها كانت متعلقة بالبناء الدرامي.

   بصرف النظر عن التقييم الفني لفيلم “ناصر 56” (1996) تأليف محفوظ عبد الرحمن، إخراج محمد فاضل، لكنه أعاد الاعتبار لعبد الناصر؛ وقدم صورة مضيئة لرئيس واجه قوى عاتية بلا تردد أو مساومة وعاش نمطاً من حياة لا تعرف البذخ، لعل هذا الفيلم هو الأول في تقديم عبد الناصر بشكل ظاهر في لحظة زمنية فارقة، لكن هناك ثلاثة أفلام عربية سجلت 56 كلحظة من لحظات الكبرياء العظيمة في تاريخنا العربي. الأفلام هي: (كفر قاسم) (1974) للبناني برهان علوية، يطالعنا بمشهد رجال القرية في المقهى ينتظرون خطاب عبد الناصر من المذياع، يبدأ خطاب التأميم وقد اعتمد المخرج على فقرات طويلة منه، فتزغرد النساء ويعم الفرح الجميع.

الفيلم الثاني، العراقي (الأسوار) (1979) لمخرجه محمد شكري جميل، مستعيناً بالعديد من الأشرطة التسجيلية لتقديم مشاهد أرشيفية لوصول أسلحة أمريكية إلى أحد الموانئ العراقية مع تعليق خارج الكادر حول حلف بغداد الذى يدور في الفلك الاستعماري، وفى المقابل يطالعنا عبد الناصر معلناً تأميم الشركة العالمية لقناة السويس شركة مساهمة مصرية، ثم يظهر الناس في الشارع العراقي يهنئون بعضهم مدركين أنه نصر للقوى الوطنية العراقية بقدر ما هو انتصار للثورة المصرية، ثم يظهر عبد الناصر مرة أخرى في خطابه الشهير بالأزهر عندما بدأ العدوان الثلاثي، فتخرج المظاهرات في شوارع بغداد مشاركة شعب مصر.

الفيلم الثالث هو السوري (أحلام المدينة) (1983) لمخرجه محمد ملص، قد استعان هو أيضاً بخطاب التأميم ولكن في سياق واقع مختلف، الانقلابات والانقلابات المضادة كانت السمة الغالبة على الحياة السياسية حينذاك، ومع كل انقلاب الناس تستمع إلى البيانات ذاتها التي تهاجم السلطة السابقة وتعد الجماهير بحياة جديدة، وعندما يعلن عبد الناصر عن التأميم يصبح رمزاً للفعل الوطني ومعبراً عن أحلام القوى الوطنية ليس في مصر فحسب، لكن في الوطن العربي كله، إن “أحلام مدينة” يجسد الفرح السوري بالنصر المصري.

   المخرج السوري أنور القوادري خاض تجربة من نوع آخر حين قدم فيلمه (جمال عبد الناصر) (1998)، وفيه قام خالد الصاوي بدور عبد الناصر، حيث استعرض الفيلم محطات عدة في حياة ناصر منذ التحاقه بالكلية الحربية؛ مروراً بحصار الفالوجا في حرب فلسطين وتنظيم الضباط الأحرار وثورة يوليو وتأميم القناة والعدوان الثلاثي والوحدة بين مصر وسوريا و1976 حتى رحيله في سبتمبر 1970.

* كاتبة وناقدة سينمائية مصرية

المصدر: اليوم السابع