الحرية أولاً , والديمقراطية غاية وطريق

 أيلول الأسود … يوم اغتال العميل الأردني ’’حسين‘‘ الثورة الفلسطينية

محمد عمر كرداس *

    انطلقت منظمة فتح وقواتها الفدائية “العاصفة ” مع بداية عام 1965 في عمليات فدائية تخترق الحدود إلى داخل الكيان المحتل في فلسطين إلا أن الظهور الأبرز والذي شكل الظاهرة الفدائية بتعدد فصائلها كان بعد حرب حزيران 1967 التي خسرها العرب، فأصبحت القواعد الرئيسية للعمل الفدائي تنطلق من غور الأردن، وانتشرت مراكز التدريب للفدائيين في لبنان وسورية والأردن، وانهالت الأسلحة والتي كان أغلبها فردية خفيفة على الفدائيين بما يبدو أنه تعويض من العرب عن خذلانهم للفلسطينيين ولنضالهم لاسترجاع أرضهم . في عام 68 اشتهرت معركة الكرامة، التي سميت على اسم القرية التي دارت عليها في الأردن، فقد كانت ملحمة بطولية ضد مدرعات الجيش الصهيوني وقواته المدججة، خاضها رجال المقاومة الفلسطينية مع إخوانهم في الجيش الأردني عندما كان على رأسه ضابط وطني هو الفريق ’’مشهور حديثة‘‘ والذي سرعان ما تخلص منه الملك الأردني بعد هذه المعركة . وبعد معركة الكرامة البطولية، ازدادت العمليات الفدائية كماً ونوعاً ضد المحتل لتزداد خسائره بشكل كبير لأول مرة بعد اغتصابه فلسطين وكانت النتيجة المباشرة لمعركة الكرامة، ازدياد عدد المنضمين لمراكز التدريب الفلسطينية من فلسطينيين وعرب ومن جنسيات أخرى، وليصف عبد الناصر في إحدى كلماته ظاهرة العمل الفدائي أنها من أنبل الظواهر العربية وأنجحها في المقاومة بعد هزيمة حزيران . ولكن مع ازدياد العمليات واتساع رقعة المقاومة، ازداد أيضاً عدد أصحاب الأجندات الخاصة، وأصبح كل نظام عربي يسعى لتشكيل المنظمة التي تأتمر بأوامره وتنفذ أجندته التي غالباً ما تتناقض مع مصالح الشعب الفلسطيني وأمته العربية . فشكل النظام السوري منظمة الصاعقة والنظام العراقي جبهة النضال الشعبي . وكانت الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين التي انبثقت عن حركة القوميين العرب قد أصبحت ثلاث جبهات { الجبهة الشعبية لتحرير فلسطينـ بزعامة جورج حبش- والجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين بزعامة نايف حواتمة- والجبهة الشعبية القيادة العامة بزعامة أحمد جبريل الفلسطيني والضابط السابق في الجيش السوري } ولتراجع شعبية هذه الجبهات نتيجة الانقسامات المتتالية، لجأ البعض منها إلى أساليب مختلفة في النضال، وقد أخذت الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين منحى العمليات الخارجية في الدول العربية والأوربية إضافة إلى خطف الطائرات التي حركت الدول المتضررة للضغط على النظام الأردني لوقف هذه العمليات .

    لم يكن النظام الأردني العميل بحاجة للضغط من أحد، ليس لوقف هذه العمليات فقط، فهو يتحين الفرصة للقضاء على العمل الفدائي برمته وليس فقط ظاهرة خطف الطائرات ووقف العمليات الخارجية.

    في 17 أيلول 1970 حاصر الجيش الأردني وقوات حرس البادية المعادين للفلسطينيين وللثورة بمئات الدبابات والمدرعات بقيادة الفريق حابس المجالي قائد الجيش الأردني حينها معسكرات ومخيمات الفلسطينيين ومراكز تجمعهم بالأغوار وبدأ بقصف مدفعي عشوائي لا يفرق بين مدني ومسلح، فأزهق الأرواح ودمر البينية التحتية، واجتاح بدباباته ومدرعاته المدن والقرى والأحياء غير عابئ بنداءات العرب والعالم بوقف المجزرة، إلى أن دعا الرئيس جمال عبد الناصر إلى عقد قمة عربية عاجلة وفرضَ على الملك حسين حضورها وفك الحصار عن ياسر عرفات ليحضر أيضا القمة العربية، والتي استمرت من 25 أيلول إلى عصر 28 أيلول في القاهرة لتخرج بقرار وقف إطلاق النار، وقد بقي عبد الناصر طيلة المدة في مقر القمة في فندق النيل هلتون لتفيض روحه الطاهرة بعد وداعه لآخر القادة العرب حاكم الكويت، ويستشهد دفاعاً عن أنبل ظاهرة عربية وأقدس أرض احتلها شذاذ أفاق بدعم من المجتمع الدولي وحماية الخونة العرب . ولكن ظاهرة المقاومة الفلسطينية في الأردن، وبغياب عبد الناصر أخلت الأردن بالاتفاق وانتهت المقاومة ليتشرد الآلاف في شتى بقاع الأرض ولتنتقل المقاومة إلى لبنان ليكون حظها هناك ليس بأحسن من حظوظها بالأردن . ولتقوم سورية والعراق بمساعدة الأردن بالقضاء على المقاومة، فقد قامت سورية بشق حركة فتح كبرى فصائل المقاومة وشكلت ما سمي بفتح الانتفاضة بقيادة عدد من كوادر فتح الذين قبلوا الاستزلام للنظام السوري، كما قام النظام العراقي بتشكيل عصابة من منتسبي فتح بقيادة صبري البنا التي وجهت بندقيتها إلى صدور المناضلين الفلسطينيين من أكاديميين ومقاتلين ولم تقتل صهيونياً واحداً، وقد أرخ لهذه الظاهرة الكاتب البريطاني المستشرق باتريك سيل المهتم بالقضايا العربية بكتاب تحت عنوان { فتح المجلس الثوري؛ بندقية للإجار} والتي كان من نصيب زعيمها صبري البنا الاغتيال على يد من وظفوه في بغداد .

    مازال تآمر القواد العرب قبل غيرهم على قضيتنا المركزية قضية فلسطين مستمراً بعد نصف قرن من مجزرة أيلول الأسود، آخرها كان في أيلول هذا أيضاً وفي 15 منه، حيث وقّعَ بعضٌ من عرب النفط في امبراطورية البحرين- ماخور الخليج- ومشيخات الساحل، المتصالحة، التي سميت زوراً الإمارات العربية المتحدة اتفاق استسلام جديد هو الرابع بعد السادات العميل وحسين الخائن، والقطار مستمر ولن تكون المنامة آخر محطات العهر العربي .


محمد عمر كرداس
كاتب وسياسي سوري