الحرية أولاً , والديمقراطية غاية وطريق

“تدوير الزوايا”… خطاب سياسي أم نفاق وطني

مصطفى سليمان *

يكاد لا يخلو أي برنامج سياسي أو وثيقة سياسية صادرة عن التنظيمات أو المنظمات أو التجمعات السورية، على اختلاف تصنيفاتها وأشكالها التنظيمية، من وجود صيغ خطابية موجهة إلى الآخر المختلف، أو إلى الآخرين ممن هم خارج النسق التنظيمي أو الفكري أو الفئوي بشكل عام، ويحرص المتحدثون، سواء أكانوا منتسبين إلى تلك التنظيمات أم منسوبين إليها، على إظهار عبارات وتوجيه رسائل إلى المختلف أو إلى الغير -بوصفه مفهومًا عامًا- تحمل مضامين طمأنة و محاكاة للهواجس والمخاوف لديه، بهدف تبديدها أو تفكيكها و التقليل من شأنها ما أمكن، ومحاولة الدفع باتجاه تجاوزها.

هذا المسلك السياسي اصطُلح على تسميته في لغة المتداول السياسي بـ (تدوير الزوايا)، وهو مسلك لا يخلو من مضامين إيجابية، لكنه في الوقت ذاته ذو أبعاد ودلالات سلبية قد تؤدي إلى نتائج خطيرة. إن تباين النتائج المترتبة عليه إيجابًا أو سلبًا يتحدد تبعًا لموقع صانع السياسات حين يكون محور سياساته وأهدافه موجهًا نحو الخارج، أي إيجاد مساحات مشتركة وتقاطع مصالح مع دول العالم، وتجنب الحروب والصراعات… وهنا مكمن إيجابياته، ولا شك في ذلك، وهو ليس موضع نقاشنا. ما نعنيه هنا هو الجانب الوطني السوي، فهل الخطاب السياسي المؤطر بهذا المفهوم محمول على مرتكزات وطنية تشكّل البُنى الجوهرية له، حيث يكون (تدوير الزوايا) صيغة تكاملية وتكميلية منسجمة مع الجوهر، أم هو خطاب زائف ونفاق وطني بِعدّه لا يعكس حقيقة البنى الفكرية أو الأيديولوجية للمشاريع السياسية، أو لا ينقدها نقدًا جذريًا واضحًا وصريحًا؟

بات واضحًا بعد أكثر من تسع سنوات من الصراع السوري الذي أعقب الثورة السورية أن ثمّة أربعة تيارات متصارعة في سورية، (ليس المقصود هنا الصراع الدولي الذي يتم على الأرض السورية، إنما القوى السورية المتصارعة)، حيث تتنازع هذه التيارات النفوذ على المساحة الاجتماعية السورية، ولكل منها حوامله السياسية المنظمة، المكشوفة منها أو المتخفية بتسميات مراوغة، لكنها منكشفة في حقيقة الأمر.

أولًا- الإسلام السياسي: وأبرز تعبيراته (الإخوان المسلمين) وعدد من الأحزاب الأخرى المتخفية بتسميات متعددة، وهي في حقيقتها ليست سوى أذرع للتنظيم الأم (الإخوان المسلمين)، حيث أُسّست بهدف تحقيق مكاسب سياسية، والهيمنة على مؤسسات وهيئات المعارضة السورية في مدة تأسيسها. وعلى الرغم من محاولة هذا التيار تصدير نفسه كتيار متجدد وقابل للتطور، من خلال (قبوله) بالديمقراطية والدولة المدنية… جوهر ممارساته ينفي ذلك، فضلًا عن عجزه عن تخطي الأسس الفقهية الإسلامية لمفهوم الدولة، وعن الانتقال إلى رؤيتها كمفهوم عصري ومنجز تاريخي متطور.

ثانيًا- الحركة السياسية الكردية: ممثلة بالمجلس الوطني الكردي وحزب الاتحاد الديمقراطي وامتداداته المستحدثة (تبنى هذا الحزب الأسلوب ذاته الذي اعتمده الإخوان المسلمون في تكثير الأحزاب المرتبطة به، وأوجد عشرات الأحزاب المرتبطة به، بهدف السيطرة على الحياة السياسية والإدارية والعسكرية في الجزيرة السورية، وخصوصًا بعد الحوارات التي يجريها أخيرًا مع أحزاب المجلس الوطني الكردي)، وعلى الرغم من التباينات الأيديولوجية لأطراف الحركة السياسية الكردية، والصراعات البينية المزمنة فيما بينها، تلتقي جميعًا في أولوية الانتماء للأمة الكردية، وتشترك في عدّ الهوية السورية هوية رديفة في أحسن الأحوال، وفي أن الوصول للحكم الذاتي هو منجز أولي مرحلي لهدف تحقيق الدولة الكردية المستقلة.

ثالثًا- النظام السوري: قد يبدو مُربكًا بداية الأمر فرز القوى والفئات الاجتماعية التي يمكن إلحاقها بهذا الصنف، لكن الحقائق الموضوعية تشير بوضوح إلى أن أغلبية الطائفة العلوية احتشدت في نسقه بفعل عوامل متعددة (لا نستطيع ذكرها في هذا السياق)، مضافًا إليهم فئة كبار التجار وأصحاب رؤوس الأموال من (الطائفة السنية)، بحكم تحولها على مدى عقود إلى طبقة متوحشة، ارتبطت مصالحها بنيويًا بفساد النظام وآلته الأمنية وتماهت معه، وكذلك بعض منصات (المعارضة) التي أوجدتها موسكو لتحقيق أهدافها الاستراتيجية في سورية.

رابعًا- التيار العلماني الديمقراطي: وهو أكثر الخاسرين سياسيًا واجتماعيًا بفعل عوامل الاستبداد والتدمير التي تعرض لها عبر عقود، مضافًا إليها افتقاده العمق الثقافي التاريخي والنظري للعلمانية في البيئة السورية، وعدم تشكّل هوية وطنية واضحة بعد الاستقلال، والأهم من ذلك هو الأخطاء الفادحة التي ارتكبها في جوانب متعددة بعد بداية الثورة. يبدو جليًا من خلال دراسة الخطاب والممارسة السياسية لمجمل هذه التيارات والقوى السياسية خلال السنوات السابقة أن المشترك الأهم لما صدر عنها هو اعتمادها على هذه السمة (تدوير الزوايا)، التي أصبحت بمنزلة أحد الأركان والضبواط الأساسية في صياغة خطابها وممارساتها في أوجهها المتعددة، ففي الوقت الذي وضعت فيه الديمقراطيةَ وقبول الآخر كلازمة لا بدّ منها في شعاراتها وبرامجها كانت ممارساتها مناقضة لذلك.

وبالعودة إلى سؤالنا عن مدى وطنية ومصداقية ما يصدر عن هذه التيارات، وهل يحقق النتائج الإيجابية المتوخاة منه؟ وهل يُسهم في خلق الأرضية المشركة للوصول إلى مخارج للأزمة السورية المتفاقمة متعددة الأوجه؟ نقول: ترتبط فاعلية استخدام هذا المفهوم في الخطاب السياسي الموجه إلى الآخر المختلف، وإحداث الاستجابة الإيجابية لديه وإزالة المخاوف والهواجس لديه، بثلاث مرتكزات ضرورية تُعدّ شرطًا لازمًا لتحقيق ذلك:

  1. أن يكون تعبيرًا حقيقًا عن البنى والمرجعيات الفكرية التي يعبّر عنها الخطاب السياسي للتنظيم أو الحزب، أي لا بدّ من تحقق مصداقية الخطاب.
  2. أن يكون متّسقًا مع الأهداف الاستراتيجية التي يتضمنها البرنامج السياسي للتنظيمات أو الهياكل السياسية بشكل عام.
  3. أن تؤكده الممارسة الفعلية على أرض الواقع، حيث لا يمكن للشعارات البراقة أن تفي أو تغني عن ضرورة الممارسة المستدامة فعليًا لمضامينها.

لو وضعنا التفاوض مع (النظام السوري) و القوى المرتبطة به جانبًا، بحكم العوامل المحيطة به والمؤئرة فيه وبارتباطه بالصراعات الدولية و الإقليمية المعقدة التي تجري على الأراضي السورية، فإن الوصول إلى نتائج إيجابية حاسمة بين التيارات الثلاث الأخرى، تسهم في إيجاد مخرج -لا يبدو متاحًا- للقضية السورية متفاقمة التأزم، ولو في حدوده الدنيا في سياق الحسابات والتناقضات الجذرية بين الرؤى و المشاريع والمرجعيات المختلفة لهذه التيارات، حتى لو احتمت أو تخفّت بشعارات وطنية، (بعدّ الهوية الوطنية والانتماء الوطني هو الجذر المشترك الذي لا يجب الاختلاف حوله)، وإن الشعارات الوطنية ووحدة الأراضي السورية التي تدعيها أغلبية هذه الأحزاب و التنظيمات، هي أقرب إلى النفاق السياسي منه إلى الخطاب الوطني، بعدّها لا تحقق أيًا من المعايير التي أوردناها أعلاه.

إن الخروج من عنق الزجاجة يقتضي إعادة بناء المنظومات الفكرية والمرجعيات الأيديولوجية وتجاوز عقدة (الأصول الفقهية) ونزع قدسيتها، وعدّها نصوصًا من نتاج البشر في شرطهم التاريخي، كما يجب تصحيح مفهوم السياسة من كونها ممارسة ميكيافيلية متخلفة كما هو سائد، وإعادة بناءه بوصفه ممارسة إنسانية شفافة هدفها الارتقاء بالإنسان وبمختلف جوانب حياته وتغليب مصالح الشعب الاستراتيجية على المصالح الزائفة وليست اقتناصًا لفرص آنية ناتجة عن الأزمة. وبغير ذلك لن يتمكن السوريون من بناء وطنية سورية، ولن يتمكنوا من وقف نزيف معاناتهم التي ستتعمق وتستمر إلى آجال لا يمكن تحديد مداها.

* محام وسياسي سوري معارض

المصدر: حرمون