الحرية أولاً , والديمقراطية غاية وطريق

نظام ولاية الفقيه الإيراني وأهدافه الاستراتيجية في سورية

جابر أحمد *

يرجع تاريخ العلاقات بين سورية وإيران إلى عام 1946، ولكن هذه العلاقات، وإن كان يشوبها بعض من التوترات، كانت تُدار وفقًا للأعراف الدبلوماسية، وفي مقدمتها عدم التدخل في الشؤون الداخلية للبلدين، لكن بعد سقوط نظام الشاه وإقامة نظام الجمهورية الإسلامية، تطورت هذه العلاقة في عهد الرئيس الأسبق حافظ الأسد لتشمل كل المجالات، وقد ازدادت بشكل غير مسبوق بعد انطلاق انتفاضة الشعب الهادفة إلى الحرية والديمقراطية وإزالة الحكم الفردي السوري عام 2011، حتى وصلت إلى ما هي عليه اليوم.

كان نظام ولاية الفقيه في إيران يعلن أن تدخله في سورية ينحصر بما سمّاه الدفاع عن “الأماكن المقدسة لدى الشيعة في سورية”، كما كان ينفي على الدوام أي وجود عسكري له على الأراضي السورية، ويدّعي أن هذا الوجود ينحصر في عدد من “المستشارين العسكريين”، ولكن السؤال الأساسي والمهم الذي يطرح نفسه هو هل ما يقوله قادة الجمهورية الإسلامية حول تدخلاهم في سورية ينطوي على شيء من الحقيقة أم لا؟ وللإجابة على هذا السؤال وغيره من الأسئلة؛ لا بد لنا من إلقاء نظرة -وإن كانت موجزة- على المبررات التي يطرحها النظام الإيراني في المجال الخارجي، التي أتاحت له التدخل في شؤون البلدان الأخرى، ومن جملتها سورية، وهذه المبررات تشمل العناوين الرئيسة التالية:

أولًا: الحفاظ على أمن الحدود الإيرانية

إن نظام الجمهورية الإسلامية، في إطار سياسته الخارجية التقليدية، وعلى ضوء مستوى التهديدات التي تستهدف أمنه القومي، يرى أن هناك خطتين أمنيتين من أجل الحفاظ على أمن البلاد القومي: الأولى يُطلق عليها الخطة الأمنية “العاجلة”؛ والأخرى الخطة الأمنية “غير العاجلة”. وتشمل “الخطة الأولى” دول الجوار، وهي كل من العراق  وتركيا وباكستان وأفغانستان ودول مجلس التعاون الخليجي، حيث يرى النظام أن الخطر القادم من هذه الدول يحتل الأولية وهو في أعلى مستوياته؛ أما الخطة الثانية “غير العاجلة”، فتشمل كلًا من سورية ولبنان وفلسطين و”إسرائيل”، اعتقادًا منه أن هذه الدول لا تشكل تهديدًا مباشرًا للأمن القومي الإيراني، لكن على ضوء ما حدث في سورية من تطورات، رأى النظام أن التعريف الأمني التقليدي السابق للسياسة الخارجية الإيرانية لم يعد ينطبق على سورية، كونها تقع في الخطة الأمنية الثانية، وبالتالي أصبحت سورية بالنسبة إلى النظام الإيراني تقع في مجال الخطة الأمنية “العاجلة الأولى”، لأن ما يجري في هذه البلد، بحسب اعتقاده، يشكل تهديدًا مباشرًا لأمنه القومي ولمصالحة الحالية والمستقبلية في منطقة الشرق الأوسط، ولعلّ هذا هو ما دفع مرشد الجمهورية الإسلامية علي خامنئي إلى القول: “إن أهداف إيران في سورية هي أهداف استراتيجية، وإذا لم نحارب العدو على أراضي هذه البلاد، فسوف نضطر إلى محاربة الإرهابيين في كل من همدان وكرمانشاه”، وهما مدينتان حدوديتان تسكنها أغلبية من أكراد إيران.

على ضوء ذلك، يرى النظام أن اقتراب المجاميع الإرهابية إلى الحدود الإيرانية، وإثارة الاضطرابات، وفقدان الأمن على الحدود الغربية للبلاد، من شأنه أن يزيد الضغوط على الحدود الشرقية، وفي مثل هذه الظروف، سوف تنفذ الجماعات الإرهابية إلى داخل البلاد على نطاق واسع، وسيحتاج أمن الجمهورية الإسلامية إلى التدخل لمحاربة (داعش) وجبهة النصرة وبقية الجماعات التكفيرية والإرهابية، في أماكن وجودها في سورية والمناطق الغربية من العراق. إن هذا التدخل، بحسب تحليلات النظام الإيراني، يقلّل من احتمال تنفيذ مثل هذه السيناريوهات ويصل به إلى صفر، وعليه يرى النظام الإيراني أن سورية تشكل العمق الاستراتيجي له، فالاهتمام بهذا البلد (سورية)، ومنع النفوذ الغربي وإدراك نيّاته، يشكّل إحدى أولويات الأمن القومي للجمهورية الإسلامية الإيرانية.

ثانيًا: الحفاظ على ما يسمى بمحور المقاومة

أحد المبررات التي يسوقها النظام الإيراني للتدخل في سورية هو الحفاظ على ما سمّاه “محور المقاومة”، حيث يرى أن إضعاف “محور المقاومة” من أهم نتائج الأزمة السورية، ويعتقد قادة النظام الإيراني أن سورية “تقع في طليعة الكفاح ضد الصهيونية”، وعلى ذلك؛ “توجب استراتيجية إيران الأمنية أن تدعم الدول التي هي في طليعة المواجهة والحرب ضد إسرائيل”.

وإذا ما دققنا في تصريحات قادة النظام؛ فإننا ندرك جيدًا أن الهدف الأساسي من وراء تدخلهم في الشؤون الداخلية لسورية إنما يندرج في سعيهم لتحقيق أهداف استراتيجية بعيدة المدى في سورية. من بين هذه الأهداف، وفقًا لما أفاد به موقع “دنياي اقتصاد” الإيراني، أن النظام يخطط لمشروع مد أنابيب لنقل الغاز والبترول الإيراني عبر الأراضي العراقية، تبلغ كلفته 18 مليار دولار، إلى الموانئ السورية، ومنها إلى الدول الأوروبية، وقد تمّ التوقيع بالأحرف الأولى على هذا المشروع، بين سورية والعراق وإيران، وذلك في عام 2010. ويرى النظام الإيراني أن سورية هي بوابة الدخول إلى شرق البحر الأبيض المتوسط، ولذلك يدّعي أن دمشق تُعدّ أول جسر لجبهة المقاومة الإسلامية، وهناك احتمال لإضعاف فصائل المقاومة في حال غيابها، ومنها “حزب الله” و(حماس) و(الجهاد الإسلامي) وغيرها من المنظمات الطائفية الإرهابية التي تؤيد الدور الإيراني، وتدافع عن مصالحه، وتأتمر بإمرته.

ثالثًا: الحفاظ على ميزان القوى في المنطقة

من بين المبررات التي يطرحها نظام الجمهورية الإسلامية، لتبرير تدخله السافر في سورية، “الحفاظ على ميزان القوى في المنطقة”، وإن سقوط نظام بشار سيقضي على نفوذه في منطقة الشرق الأوسط، كما سيؤدي إلى خسارته أحد حلفائه الأساسيين في المنطقة، وهو ما يصب في نهاية المطاف في مصلحة “إسرائيل”، بحسب تعبيره.

إن إصرار نظام ولاية الفقيه على بقاء نظام بشار الأسد في السلطة إنما يعبّر عن خوفه من فقدان موقعه الاستراتيجي في سورية، ومنع نفوذه الإقليمي، ويدرك النظام الإيراني جيدًا أن سورية في ظل حكم بشار الأسد تحولت إلى بلد فقير وعاجز، لأن هناك أكثر من نصف مليون من مواطنيها أصبحوا في عداد القتلى، وقد شُرّد ما يُقدر بنصف سكانها، ولأن 75 % من بنيتها التحتية قد دُمّر، وأكثر من 80 % من سكانها بحاجة إلى الدعم من أجل الاستمرار بالحياة، وإن بشار الأسد ونظامه لا يستطيعون إدارة البلاد، في مرحلة ما بعد انتهاء الحرب، لذلك فالنظام الإيراني ما يزال يصرّ على تقديم مختلف أنواع الدعم لبقاء بشار الأسد في الحكم، كونه مدركًا تمامًا أن سورية إذا كانت ضعيفة فمن السهل عليه تنفيذ مشاريعه، لكن الحقائق، على ضوء ما يجري على الساحة السورية، والوضع الدرامي الذي تعيشه إيران في الداخل، سواء من ناحية تعرضها للعقوبات الدولية أو الانفجار الشعبي، لا تعني أن طهران لم تعدّ نفسها إلى مرحلة ما بعد الأسد، لكنها في الوقت الراهن تصرّ على بقاء الأسد، إلى أن يتم التوصل إلى اتفاق نهائي بين روسيا والولايات المتحدة، ولكنها إذا تأكدت من التوصل إلى اتفاق، فستلتزم بالشروط الجديدة، بشرط ضمان مصالحها، وقد أثارت زيارة جواد ظريف الأخيرة إلى دمشق بعض انتقادات من وسائل الإعلام الروسية، إذ تحدثت عن تكهنات بشأن اتفاق انسحاب إيران من سورية.

انطلاقًا من هذه المعطيات المتوفرة؛ يمكن القول إن بقاء بشار الأسد مرهونٌ بثلاثة عوامل أساسية هي: انشقاق في الجيش السوري على نطاق واسع؛ وإيقاف الدعم العسكري الروسي؛ وتوقف الدعم الإيراني المادي والعسكري.
وبناء على ذلك؛ يمكن القول إن أحد هذه العوامل، وهو الدعم العسكري والمادي الإيراني، على وشك التوقف، وما الضجّة الإعلامية، عن استراتيجية إيران لتطوير القدرة الصاروخية الدفاعية السورية، التي ظهر الحديث عنها بعد زيارة رئيس هيئة الأركان الإيراني اللواء محمد باقري إلى سورية، ولقائه وزير الدفاع السوري العماد على أيوب، وعقده مثل هذه المعاهدة، إلا للاستهلاك الإعلامي، ولرفع معنويات أنصار النظامين السوري والإيراني المنهارة.

* كاتب وسياسي أهوازي

المصدر: حرمون