الحرية أولاً , والديمقراطية غاية وطريق

حضورنا المباشر في السياسة

راتب شعبو*

قد يكون من المفارقة القول إن الحل الأمثل لبؤسنا السياسي المزمن هو الابتعاد عن السياسة. في مقابل السياسة التي ينبغي الابتعاد عنها والتي تعني إدارة شؤون الدولة، هناك سياسة ينبغي الانخراط فيها بكل طاقة ممكنة وهي التي تعني إدارة شؤون الحياة اليومية وصيانة حقوق الناس وتوسيعها. بكلام آخر، ينبغي التخفيف من السياسة من فوق، لصالح المزيد من السياسة من تحت.

من ظواهر الركود الذي تعيشه مجتمعاتنا على كافة المستويات، الزيادة الكبيرة في عدد الأحزاب والتنظيمات السياسية مع غياب شبه تام للمنظمات المدنية التي تعنى بصيانة حقوق الناس المقرة في الدستور وفي القوانين النافذة. هذه الظاهرة يمكن تحليلها على الشكل التالي: في الثقافة العامة في مجتمعنا تحتل السلطة السياسية موقعاً خارقاً تبدو فيه وكأنها إله صغير قادر على كل شيء، قادر على السوء والشر كما هو قادر على الصلاح والخير. يخرج من هذا أن السلطة السياسية تتحمل مسؤولية التخلف والبؤس والخراب الذي نحن فيه، وبالتالي فإن خروجنا من هذه الحال يتطلب تغيير السلطة السياسية، وهذا يتطلب إنشاء أحزاب سياسية هدفها الأول هو استلام السلطة واستخدام قوتها الخارقة لإخراج المجتمع من العتمة إلى النور ومن التخلف إلى التقدم ..الخ. ولا شك في أن كل حزب يرى في نفسه كل الصواب السياسي الذي لا يحتاج سوى إلى السلطة السياسية كي يشفي المجتمع بصوابه هذا.

المنطق السالف الذكر هو منطق انقلابي طالما أنه يرى الحل يكمن ببساطة في “الانقلاب” على السلطة القائمة واستلام مقاليد الحكم بأي سبيل. وقد خبر السوريون نتائج هذا المنطق منذ أول انقلاب عسكري عرفته سورية على يد حسني الزعيم في مارس/آذار 1949. تلا ذلك انقلابات كثيرة قامت بها زعامات أو أحزاب، ثم لم يحصد السوريون منها سوى الخيبة. وحين انتهى زمن الانقلابات بوصول صاحب الانقلاب الأخير في نوفمبر/تشرين الثاني 1970، الذي وفى بقوله “لا انقلاب بعد انقلابي”، وجد السوريون أن حياتهم السياسية لم تكن في مرحلة غياب الانقلابات أحسن منها في مرحلة الانقلابات، وأن هناك فجوة دائمة بين ما يسمعونه وما يعيشونه، بين ما يقرؤونه في الدستور والقوانين وما يتمتعون به فعلاً من حريات وحقوق. لمس جميع السوريين بيدهم أن السلطات السياسية تكرر نفسها مهما تبدلت، وأن تغير السلطات لا يقود إلى التغير المأمول في حياتهم وحقوقهم ومستوى معيشتهم. مع ذلك ظلت السيادة للمنطق الحزبي نفسه الذي يؤكد على أن الحل يبدأ مع استلام السلطة السياسية.

لا حصر للأحزاب السورية التي تتطلع إلى الحكم “لكي تعيد الأشياء إلى نصابها الصحيح”، ولكن من الطبيعي أن يطرح السؤال: ألا يمكن المساهمة في معالجة شرور السلطة القائمة، وإحقاق حقوق المظلومين على شتى المستويات، دون استلام السلطة السياسية؟ ألا يمكن أن يعمل السوريون المستعدون للتضحية بوقتهم وجهدهم وتحمل مخاطر العمل العام في ظل سلطات لا تتقبل أي عمل مستقل من أي نوع، ألا يمكن لهؤلاء أن يبدؤوا بعمل غير سياسي يهتم بجانب ما من حياة السوريين، وليكن موضوع الغلاء أو فضح ومواجهة ممارسات كالرشاوى أو فساد القضاء أو التحرش الجنسي ..الخ؟

كل السلطات، مهما كان لونها أو ايديولوجيتها، تميل إلى الاستبداد والفساد ما لم تجد في المجتمع قوى تكبح هذا الميل “الطبيعي” فيها. لا شك أن الأحزاب السياسية يمكن أن تمارس على بعضها البعض دور الرقيب ويمكن أن تشكل لذلك قوة كابحة للفساد والاستبداد، غير أن الغاية النهائية للحزب تتحكم بسياساته فلا تجعله أميناً تجاه انتهاكات الأحزاب الأخرى، لذلك فإن القوة الأهم والأكثر ثباتاً للجم هذا الميل لدى السلطات هو الحضور المباشر للناس في الميدان العام عبر تشكيلات مدنية متخصصة في حماية حقوق الأفراد والجماعات، الحقوق المنصوص عنها في دستور البلاد وقوانينه.

سوف يقال إن السلطات المستبدة لن تسمح بوجود مثل هذه التشكيلات المدنية. هذا صحيح، لكن الموضوع كله هو موضوع صراع وتوازن قوى. السلطات لا تسمح أيضاً بوجود أحزاب سياسية معارضة، لماذا يندفع السوريون إلى المخاطرة بتشكيل أحزاب سياسية معارضة ولا يخاطرون بتنظيم أنفسهم للدفاع عن حقوق محددة، ومن الطبيعي أن يكون ارتداد السلطة ضد منظمات تدافع عن حقوق معينة، أقل قسوة من ارتدادها ضد حزب يسعى لإسقاط السلطة.

في الواقع، شهدت سورية نشوء منظمات مدنية تعنى بشكل خاص بإغاثة المنكوبين وتأمين خدمات للمحتاجين، غير أن هذه المنظمات كانت ذراعاً مدنية لأحزاب سياسية إسلامية غالباً، فضلاً عن أن الإغاثة وتقديم الخدمات ليست في عداد الأنشطة الحقوقية التي نقول بضرورة القيام بها.

يبدو لنا أن السبيل الأهم لحماية حقوق السوريين ولتغيير الحياة السياسية في مجتمعاتنا هو العمل على تعزيز وجود الناس في الميدان العام، ليس لصالح حزب أو ضد حزب، ليس كوجود سياسي بحصر المعنى، بل كوجود مدني ولصالح حقوق عامة ودفاعاً عن حريات عامة وخلقاً لتضامن مجتمعي تسعى السلطات إجمالاً إلى نسفه. يتطلب هذا التحول الجوهري عملاً طويلاً في التوعية، ولكن لكي تكون التوعية ناجعة ينبغي أن تكون في سياق العمل والنشاط الميداني، وهذا، برأينا، هو السبيل الوحيد للخروج من زمننا السياسي الراكد.

* كاتب سوري

المصدر: نواة