الحرية أولاً , والديمقراطية غاية وطريق

بيترو باسو& فابيو بيروكو: الإسلاموفوبيا وأوروبا المتناقضة

محمود منير *

يلفت أستاذ علم الاجتماع الإيطالي فابيو بيروكو في حواره مع “العربي الجديد”، إلى أنه “قد تشكّل، منذ عقدين على الأقل، نظام حقيقي من الإسلاموفوبيا
https://www.alaraby.co.uk/”الإسلاموفوبيا-العالمية”-في-مواجهة-الظاهرة
ضد المهاجرين المسلمين الوافدين، تشكل من ميكانيزمات اجتماعية محددة ومتعددة، ومواضيع رئيسية، وفاعلين اجتماعيين، وسياسات، (هويتية، وأمنية، واستبعادية)، يهدف إلى إبعاد الهجرة المسلمة الوافدة إلى الخلف مخندقاً إياها في أقلية دينية محرومة ومتخلفة”.

كما يحلّل تاريخ الهجرة إلى أوروبا
https://www.alaraby.co.uk/الهجرة-الثقافية-العربية-الى-فرنسا
من خلال فهم واقع المهاجرين وخلفياتهم وطبيعة تعامل السلطات الأوروبية معهم، وكيف تجعل الإسلاموفوبيا من قضية “الهجرة الوافدة المسلمة” المشكلة رقم واحد التي تستوعب كل المشاكل الاجتماعية، وتحوّل القضايا الاجتماعية إلى صراع حضارات سببتها الثقافات الأخرى.

قدّم بيروكو آراءه المخالفة لما يروّج من أفكار تتبناها نخب غربية ويتم إعادة إنتاجها لدى بعض النخب العربية، في كتابه “ضد الإسلاموفوبيا، العنصرية ضد المسلمين في أوروبا وآثارها الاجتماعية”
https://www.alaraby.co.uk/”ضد-الإسلاموفوبيا”-تحويل-العمّال-المهاجرين-إلى-أقلية-“متخلفة”
(2020/ بالاشتراك مع بيترو باسو)
https://www.alaraby.co.uk/بيترو-باسو-كيف-تصنّع-الإسلاموفوبيا
الصادر عن “دار فضاءات”، ونقله إلى العربية ربيع ونيش وزينب سعيد، حيث قامت الأخيرة بترجم مقابلته هذه لـ”العربي الجديد”، والتي يتناول فيها إسلاموفوبية الدولة الأوروبية عبر لا تدخلها ولا تشريعها ولا تطبيقها للقوانين المناهضة للعنصرية، أو عبر تشجيع الاستبعاد والتمييز داخل السياسات العامة.

ويخلص إلى أن “بديل اللقاء بين الشعوب والتضامن بين العمّال يكون هو المذابح، والصراعات العرقية، والحرب بين الفقراء، في حين أن المنظور الوحيد بالنسبة لنا هو منظور التبادل العادل، والاندماج المتبادل اتجاه تحول ديناميكي للآفاق والهويات، والتثاقف كعملية التحرر الجماعي”.

■ تلفت إلى أن استقدام الحكومات الأوروبية للمهاجرين، خاصة بعد الحرب العالمية الثانية بسبب نقص الأيدي العاملة، كان بطريقة انتقائية وبظروف غير عادلة لم تتغيّر إلا بفعل نضالات العمل في الستينيات والسبيعنيات. هل يمكن القول إن “إدماج” المهاجرين الذي كانت تتحدث عنه أوروبا محض خيال؟

– أجيب محيلاً إلى مفكرَين كبيرين في الدراسات الاجتماعية: عبد المالك صياد وجون ماري فانسون، كان اندماج المهاجرين الوافدين في أوروبا وما يزال تحديداً اندماجاً في الجزء الأكثر دنيوية للطبقة العاملة في البلدان الأوروبية، وتكون مندمجة غالباً في البروليتاريا الدونية. ويعود ذلك بالضرورة إلى أن الإدراج الاجتماعي للمهاجرين الوافدين قد حدث ويحدث باسم عبودية الأجور على اعتبار انتمائهم إلى الطبقة التي تعيش من العمل، حسب تعبير السيوسولوجي البرازيلي ريكاردو أنتونس، وباسم العنصرية على اعتبار انتمائهم إلى شعوب وأمم مهيمن عليها من طرف الاستعمار التاريخي والاستعمار الجديد. المهاجر الوافد مستغَّل ومهيمن عليه مرتين: باعتباره قوة عمل، وباعتباره أجنبياً قادماً من بلدان مستعمَرة. يعتبر اندماج المهاجرين الوافدين خرافة، لأن الاستبداد المؤسساتي، والعنصرية، ودونية العمل والدونية السياسية والقضائية والرمزية يتحكمون في تحديد ظروفه؛ بمعنى الدونية الاجتماعية.

ورغم ذلك، فالعمّال الوافدون يتقاسمون نفس الظروف والاحتياجات مع العمّال الأصليين لانتمائهم إلى نفس الطبقة الاجتماعية؛ ولهذا السبب، فمصير العمّال المحليين ومصير نظرائهم المهاجرين الوافدين هو مصير مشترك، مصير استغلال رأس المال للعمل أو مصير التحرّر الجمعي من قوانين الرأس المال. هذه الظروف المشتركة، وتقاسم الظروف الطبقية، هي عنصر ذو أهمية كبيرة، يجب التأكيد عليها بشكل أساسي.

حتى اليوم، ظلّ مسير المهاجرين النازحين من أفريقيا ومن الشرق الأوسط اتجاه أوروبا هو مسيرة الإدراج في سوق العمل العالمي، هو مسير حيث يلقون ظروفاً، ومصائر، وتوقعات العمّال الغربيين، وحتى النضالات الاجتماعية والسياسية أيضاً من أجل العمل، ومن أجل الحقوق الاجتماعية، والسكن، المتواجدة في البلدان الأوروبية. من خلال هذا اللقاء قد تبزغ تضامنات جديدة، وروابط اجتماعية جديدة، وفرص تبادل جديدة، ومقابلات، وتعلّم متبادل. يشكل المهاجرون النازحون حقيقة تولّد نضالات ومطالب تهدف إلى تأكيد الحقوق، وكرامة الإنسان وكرامة الشغيلة؛ وتطمح هذه النضالات إلى تحقيق ظروف معيشية وظروف عمل كريمة، وبالتالي فإنها تساهم في إعطاء الصوت للشغيلة الوافدة ولكل الشغيلة ودعمها. ولهذا وجب الإشادة بمجهوداتهم ودعمهم.

من الممكن أن ينشأ من هذا اللقاء، الذي يعتبر لقاء طبقياً، تضامنات جديدة، وروابط اجتماعية جديدة، وفرص جديدة للتبادل؛ في هذا اللقاء يتعلم المهاجرون النازحون أشياء جديدة، ويقدمون في الوقت نفسه إسهاماتهم المعرفية وتجاربهم، ويمكنهم أن يصبحوا جسر وصل بين انتظارات تحرر عمّال جنوب العالم وشماله، مساهمين في تحول العلاقات الاجتماعية وتجاوز الحواجز الضيقة مثل القومية.  ومع ذلك، لتتحقق هذه المساهمة، من الضروري إسقاط العنصرية والتمييز، الموضوعتان عن قصد كعقبة في طريق تحرر العمّال الجماعي؛ لهذا السبب فالطبقة الشغيلة، والحركات المناهضة للعنصرية، مدعوتان للاستجابة استجابة تامة، وأن توحد كل ما من شأنه أن يفرق بينهم، والتأكيد بأن الهجرة الوافدة تهمّ عالم الشغل بأكمله ومصير الشغيلة جمعاء.

■ سعت السلطات الأوروبية إلى “أسلمة” حركات المهاجرين المسلمين العمّالية المطالبة بتحسين ظروف حياتهم، وتحويلهم من “عمّال وافدين” إلى “أقلية دينية متخلّفة”. كيف تمّت هذه الأسلمة؟

– يشكل المهاجرون الوافدون من البلدان العربية الإسلامية أول ساكنة، غير منتمية لأوروبا، الأكثر عدداً والأكثر تجذراً التي قدمت إلى أوروبا المعاصرة من أجل العمل. وقد أصبحت مع الزمن بطل عملية استقرار وتجذر اجتماعي عميقة، أصبحت مكوناً هيكلياً وعامل تحوّل لعدّة بلدان أوروبية. أقاموا علاقات وثيقة في أماكن العمل، وربطوا علاقات مع المحيط ومع الساكنة المحلية، وحصلوا على حقوق، ووسّعوا وعزّزوا وجودهم في الفضاء العام. إن هذا التجذر الاجتماعي القوي قد جعلهم عصيين على أن يكونوا أكلة سائغة للظروف المفروضة من سوق العمل، جعلهم أكثر مقاومة للظروف الاجتماعية التي فرضت عليهم، ورفعت من تكلفتهم الاجتماعية، ليصيروا ساكنة مطلوبة ولكن غير مرحب بها.

إنهم يشكلون النواة الأكثر تنظيماً من المهاجرين الوافدين الحاضرين في أوروبا. وقد تحدوا كلّا من أرباب العمل، والدول والرأي العام، في عدة مناسبات، وأول من طرح وبطريقة حاسمة قضية ظروف عمل المهاجرين الوافدين وظروفهم المعيشية، والحقوق والتمييز الذي يطالهم، وقضية الاعتراف بهم واحترام بلدانهم الأصلية، رافضين الانصهار والعزل. وقد شاركوا منذ السبعينيات في الحركات العمالية والنضالات النقابية؛ وقد شدد، الجيل الجديد الذي ولد وكبر في أوروبا، على رفضهم معاملتهم كمواطنين من الدرجة الثانية. وشددوا، في أماكن العمل وفي الفضاءات العامة على تحسين ظروف معيشتهم، والاعتراف بهويتهم، واحترام أصولهم. هذا يعني أن، التناقض الفعلي لتوقعات ومطالب نظام الإنتاج، والحكومات، وسياسات العمل وسياسات الهجرة، التي تفرض يد عاملة مؤقتة، أقل تجذراً، غير مستقرة، بحقوق أقل، وأجور رخيصة، معزولة، ومرنة، التي يمكن استعمالها في الوقت المناسب حسب مطالب احتياجات النظام الإنتاجي.

أصبح التجذر الاجتماعي وآثاره موضوع سياسات مركبة، وممارسات وخطابات، تهدف إلى عرقلة اندماج كامل وعادل، وتهميش المهاجرين المسلمين الوافدين. فقد تشكل، منذ عقدين على الأقل، نظام حقيقي من الإسلاموفوبيا ضد المهاجرين المسلمين الوافدين، تشكل من ميكانيزمات اجتماعية محدّدة ومتعدّدة، ومواضيع رئيسية، وفاعلين اجتماعيين، وسياسات، (هويتية، وأمنية، واستبعادية)، يهدف إلى إبعاد الهجرة المسلمة الوافدة إلى الخلف مخندقاً إياها في أقلية دينية محرومة ومتخلفة.

وقد شمل الخطاب السائد، بالإضافة إلى العديد من المؤسسات، هؤلاء العمّال، وهذه الساكنة، المنعوتة بـ “المسلمين”، بتفخيم حرف الميم، بالشروع في عملية مسيّرة من فوق لأسلمة المشاكل الاجتماعية، وللامساواة الاجتماعية (محولة إياها إلى اختلافات طبيعية). إنهم موضوع عملية أعادت تحديدهم كـ”آخر مسلم”، مع معنى استثنائي سلبي وقدحي بالكامل لمصطلح “الآخر” كنعت مميز. لقد تم تجسيد احتجاجات ونضالات ومطالب الشغيلة، والمهاجرين الوافدين، والشباب، على اعتبارها “مشكلة الإسلام”، على اعتبارها “مشكلة الهجرة الوافدة المسلمة”، في داخل عملية أسلمة القضايا الاجتماعية من فوق.

■ يتمّ قلْب العلاقة بين السبب والنتيجة في استيعاب أوضاع المهاجرين، والتغافل عن البطالة وظروف العمل باعتبارها العنصر الأساسي في خلق هذه التفاوتات بينهم وبين المجتمع.. ما هي أبرز الآليات التي تكرّس هذه العلاقة المقلوبة؟

– هيكلة العالم الغربي ظاهرة ذات جذور تاريخية وثقافية عميقتين، ومنها نفهم كيف تحوّلت الإسلاموفوبيا اليوم إلى عنصر عضوي وفي جعل المهاجرين المسلمين الوافدين دونيين ومهمشين، ووظيفياً في إضفاء الشرعية وإعادة إنتاج اللامساواة الاجتماعية التي تمسهم بطريقة هيكلية في كل أنحاء أوروبا.

تتم عملية إضفاء الشرعية وإعادة إنتاج اللامساواة الاجتماعية من خلال عملية عرقنة (إضفاء الطابع العرقي عليهم) المهاجرين المسلمين الوافدين. هم موضوع عملية اجتماعية تتداخل فيها عوامل العرق والثقافة والدين، من خلال عرقنة البعد الديني وتطبيع الثقافة الإسلامية ـ تحددهم كـ”عرق” أو “شبه عرق”: “العرق المسلم”. مثل هذه العملية تصور ساكنة غير متجانسة على الإطلاق على أنها وحدة مترابطة وتصنفهم كاستثناء: الاستثناء المسلم.

من خلال فكرة “الاستثناء الإسلامي”، تعمل السياسات والخطابات العامة على تطبيع حضور “طبقة دنيا” “معرقنة” في انتمائها الديني، وفي تطبيع اللامساواة بجعلها تنتسب إلى طبيعة الثقافة الإسلامية، تجعل الإسلاموفوبيا من قضية “الهجرة الوافدة المسلمة” المشكلة رقم واحد التي تستوعب كل المشاكل الاجتماعية، وتحوّل القضايا الاجتماعية إلى صراع حضارات سببتها الثقافات الأخرى، والنتيجة هي تثقيف وعرقنة الظرف الاجتماعية للمهاجرين الوافدين المسلمين، مهما كانت علاقتهم بالثقافة والدين الإسلامي.

تقدّم الإسلاموفوبيا الثقافة والدينَ الاسلاميين على أنهما المسؤولان المباشران عن اللامساواة الاجتماعية التي يعاني منها المهاجرون المسلمون الوافدون كضحايا ثقافتهم الخاصة؛ تقرّ وتضفي الشرعية على اللامساواة، محوّلة هذه المجموعة الاجتماعية إلى “أقلية دينية متخلفة”.

تنسب للمهاجرين المسلمين الوافدين مسؤولية ظروفهم الاستبعادية هناك ما أدى إلى تكوين مجموعة اجتماعية جد مضغوطة وغير مستقرة وهي نتيجة سياسات، وميكانزمات اجتماعية وخطابات تمييزية. فـ”الاستثناء الإسلامي” يصير مطبعاً معزياً الاستبعاد الاجتماعي الذي يهم جزءاً من المهاجرين المسلمين الوافدين فيهم لأنفسهم ولطريقة وجودهم. في حين، أكرر، أن هناك جذوراً اجتماعية بعينها ـ اللامساواة في العمل، واللامساواة الاقتصادية، والسكنية، والمدرسية هي أساس حالات الاستبعاد أو أساس الصعوبات الاجتماعية.

■ تعتبر أن الفاعلين المشاركين في تصنيع الإسلاموفوبيا، هم: الأحزاب والحركات السياسية، والمنظّمات المتخصصة بمعاداة الإسلام، ووسائل الإعلام، والمؤسسات الحكومية، والباحثون المثقفون والمحللون. كيف يلعب كل فاعل دوره؟

– تنظّم المنظمات المناهضة للإسلام ذات الخلفية الثقافية (الجمعيات، المنظمات غير الحكومية، المؤسسات، مراكز الدراسات) عدّة أنشطة لنزع الشرعية وتشويه الهجرة المسلمة الوافدة: انتشار في الفضاءات المادية والافتراضية معارف مشوهة ونظريات مكيدة؛ الضغط السياسي من أجل الموافقة على تدابير تحدد حقوق المهاجرين الوافدين أو إلغاء تدابير الاعتراف العام بالإسلام، وإبلاغ السلطات المحلية بالسلوكات والأحداث غير التقليدية؛ مظاهرات ضد الاحتفال بلحظات الإسلام القوية وضد حضور الإسلام في الفضاء العام.

تشكل هذه المنظمات سلسلة مهمة للانتقال من العنصرية المذهبية إلى العنصرية الشعبية، فهي تنشر الإسلاموفوبيا من النخبة المتخصصة إلى العامة من الساكنة، حين تخلق “أقوالاً” و”شائعات” تولدان الذعر الأخلاقي الهستيرية اتجاه الإسلام. ويعود هذا التأثير إلى حضورهم القوي أيضاً في الشبكة العنكبوتية وفي وسائل التواصل الاجتماعي، الذي ينتج انتشاراً مروعاً للإسلاموفوبيا في الفضاءات الافتراضية. هذه المنظمات مرتبطة في ما بينها كما أنها مرتبطة بالشبكات الدولية. إنها مندمجة مع المجتمع الذي يحسب له ألف حساب ولديها علاقات جيدة مع صحافيين ووسائل الإعلام، ورجال السياسة وقطاعات الأحزاب، ورجال الحكومة وممثلي المؤسسات، والمقاولين ورجال الأعمال، والمثقفين.

والحركات المعادية للإسلام ذات البعد السياسي، مثل بيغيدا أو بريتاين فورست، نشيطة في الحركات اليمينية مع تعبئات، ومظاهرات، وعرائض، وهجوم واحتلال قاعات الصلاة، والمدارس العربية والأماكن المراد استخدامها كفضاء للعبادة. هذه الحركات تعزز الصور النمطية في حق المهاجرين المسلمين الوافدين كمنغلقين ومتطفلين يلوثون الهوية الوطنية والنقاء العرقي للساكنة المحلية، لها تأثير قوي على المشهد العام مساهمة في التأثير سلبا على الرأي العام الأوروبي، والتشجيع في تعبئة المواطن العادي من أجل إصدار مزيد من السياسات الخاصة بالرقابة والأمن.

هناك أيضاً أحزاب اليمين المتطرف “الجديدة”، على الرغم من الاختلافات بينها، تجمعهم وتميزهم اتهام النخبة السياسية الاقتصادية والمهاجرين الوافدين بقمع “الشعب”، وقمع القومية المختلطة بالأهلانية، والخوف من الأجانب والمعاديين للعولمة الثقافية، والأسبقية للساكنة الأصلية في الحصول على الرفاه، والتشكيك في الوحدة الأوروبية والوفاء للتقاليد؛ إلا أن العنصر الذي يميزهم أكثر ويقربهم أكثر في ما بينهم هو كونهم “أحزاباً معادية للمهاجرين الوافدين”، وخاصة “الأحزاب المعادية للإسلام”. هذه العلامة التجارية هي عامل التواصل في ما بينهم ونقطة وصل مع أحزاب اليمين التقليدية.

من خلال الإشادة بنبل البشرة البيضاء والنضال ضد الشعوب الدونية، واستحضار نقاء الأوطان الأصلية وسيادة الشعب المتفوق، هذه الأحزاب تؤسس لخطاب حول الهجرة المسلمة الوافدة على أساس أنها تهديد عالمي لا يأتي منها إلا التخلف والظلامية، وعدم الكفاءة؛ يقدمون أنفسهم كمعارضين للتجذر الاجتماعي واندماج المهاجرين المسلمين الوافدين، الذين يعتبرون غرباء، وغير قابلين للانصهار، ويفتقرون للقدرة والإرادة في الاندماج.

ثم هناك “الكتّاب” (إن كان بإمكاننا تسميتهم كذلك، حتى لا يؤاخذني كلّ من فوكنر وليوباردي وشكسبير على ما قلت)، فالنوع الأدبي المتمثل في الكتب الأكثر مبيعاً المناهضة للإسلام، من بين أكثر القطاعات عدوانية في صناعة الإسلاموفوبيا. إنه يحيّن التركيب الخطابي، الذي أنتج تاريخياً التمثيل الكاريكاتوري للعالم الإسلامي وللآخر “المسلم”.

يوجد تيار محدد ينشر صوراً نمطية للدونية ونظريات مؤامرة حول الهجرة المسلمة الوافدة، حيث يسود سجل شعبي؛ متجذر بدون وعي وآخر فكري ـ علمي؛ هذا التيار مهيكل جداً ويعتبر جزءاً لا يتجزأ من عملية الدونية، والحط من القيمة، والإنكار التي تولدها الإسلاموفوبيا. إنها تنشر بين القراء العاديين مواضيع مفتاح الإسلاموفوبيا وتمثل أحد العناصر الرئيسية لإضفاع الطابع الاجتماعي المسبق على الهجرة المسلمة الوافدة. التي تعتبر مرجع رجال السياسة، وممثلي المؤسسات، والصحافيين، والمنظمات المناهضة للإسلام، والعاملين في مجال الثقافة والتواصل، الذين يعتمدون على المواضيع والمفاهيم التي يستعملونها في سياقاتهم اليومية.

وهناك حتماً وسائل الإعلام، التي تخصصت في العقود الأخيرة في إنتاج خطابات سلبية حول الهجرة الوافدة من خلال الاستعمال المشوه لمفهوم “الآخر”، وأقروا بأن المهاجرين المسلمين الوافدين من يمثلها بامتياز، مصورين إياهم كحاملي اختلاف راديكالي، وعضوي، كحضور غير طبيعي ومهدد يجب عزله وإبعاده. وقد ركزت وسائل الإعلام على “اندماج المهاجرين المسلمين الوافدين” معتبرين هذا الأخير، أي الاندماج، مسبقاً مستحيلاً وغير قابل للتحقيق؛ فعلوا ذلك من خلال بناء صورة المهاجر المسلم الوافد ككيان متميز ببلورته بالبعد الديني (الإنسان المسلم المشبع بالدين) ومن الانتشار العضوي للبعد الجمعي.

لقد اتبعت وسائل الإعلام عملية ثلاثية هي: التشهير المفرط، وبهلونة، وشيطنة الهجرة المسلمة الوافدة، التي تم تمثيلها كأنها كل متخلف، كصخرة تفتقد ملامح التمييز، بحجب تعدديتها وتغييرها الداخليين. من خلال ميكانيزمات محددة للتمثيل والديمومة؛ صور بلاغية، وصور مرئية، وسلسلة من المعاني الدلالية مثلوها كمرض وربطوها بمخيال الغرابة، والعزلة والاستبعاد الذاتي، مغذين بذلك النفور والرفض اتجاهها. موضوع تقلبات لا متناهية، والاختزالية والتعميم، لتصبح العدو العام رقم واحد.

وقد شجعت وسائل الإعلام باستخدامها لروتين الطوارئ والأمن، على تهميش المهاجرين المسلمين الوافدين وتبني سياسات اقصائية وانضباطية في حقهم، وقد اتجهت الحملات الصحافية العنيفة في مختلف الدول الأوروبية اتجاه سياقات محلية محددة (مدن، “أحياء صعبة”)، وأشخاصاً أفراداً منهم وجماعات (كالمثقفين، وممثلي الجاليات، والجمعيات)، وجوانب الحياة الاجتماعية (كالمساجد، والحجاب، والجيل الثاني، والبوركيني).

ليس من المبالغة إذن القول إن الصناعة الإعلامية للإسلاموفوبيا قد اشتغلت بلا كلل في جعل المهاجرين المسلمين الوافدين دونيين، مساهمة في تحديد وضعيتهم (التابعة) في مختلف السياقات الأوروبية.

وفي النهاية، لا يجب أن ننسى إسلاموفوبية الدولة. إن مؤسسات الدولة، سواء على المستوى الحكومة المركزية أو على المستوى المحلي، لعبت دوراً مهماً في انتشار وتطبيق الإسلاموفوبيا. وقد تم تحقيق هذا الدور حسب طريقتين: بطريقة “متقاعسة”: لا تدخل، لا تشريع، ولا تطبيق للقوانين المناهضة للعنصرية ضد الهجمات اللفظية والجسدية، وضد التخويف والشطط في استعمال السلطة، مدعمة العنصرية المناهضة للمسلمين؛ وبطريقة “نشطة”، بتشجيع الاستبعاد والتمييز داخل السياسات العامة، وسياسات الاندماج المحلية، في مجال تنظيم الحقوق، والانضباط في الاستقلال الذاتي الخاص، مغذية الدعاية التي نجد أمثلتها في أوروبا وفي الولايات المتحدة الأمريكية بشكل يومي.

■ أدت مجمل هذه السياسات إلى خلق “استثناء إسلامي” باعتباره ناتجاً عن جذور ثقافية فقط في تجاهل للجذور الاقتصادية الاجتماعية. كيف تنظر إلى راهن هذا “الاستثناء” ومآلاته في ضوء الأزمات الاقتصادية التي تضرب الشرق والغرب. وهل من سبل للالتقاء؟

– أجيب بإيجاز. الوضعية صعبة للغاية، والعنصرية المؤسساتية في صعود مهول في كل بقاع العالم وتحمل معها العنصرية الشعبية. في هذا السياق، تقدم الإسلاموفوبيا نفسها على أنها الشكل الأكثر حدة والأبلغ تعبيراً عن العنصرية الأوروبية، كرأس حربة عنصرية العصر الليبرالي الجديد. تضرب الإسلاموفوبيا المهاجرين المسلمين الوافدين بشكل مباشر، وفي الوقت نفسه تسمّم وتخدّر الأوروبيين الذين تم حثهم، من فوق، على حفر خنادق لا يمكن ملؤها. يحضرني كلام إيمي سيزير حينما قال إن “الاستعمار يُبيد المستَعمَرين ويوحش المستعمِرين”.

ومع ذلك فإن اللقاء ممكن، حتماً أنه كذلك، لسبب بسيط: هو أن العنصرية ظاهرة اجتماعية تنحدر من فوق إلى أسفل، ويتم تعلمها من الخارج في عملية تنشئة اجتماعية، وليست عنصراً طبيعياً، بالتالي يمكن عكسها وتحييدها. شأنها شأن الفيروس، يمكن هزيمته، يوجد له لقاح. تشكل الإسلاموفوبيا اختباراً مهماً بالنسبة للطبقة الشغيلة، وبالنسبة لمناهضة العنصرية السياسية، والراديكالية، والطبقية. يتعلق الأمر بكل تأكيد بعملية صعبة، ومركبة للغاية، لكنها ليست مستحيلة. فبديل اللقاء بين الشعوب والتضامن بين العمّال يكون هو المذابح، والصراعات العرقية، والحرب بين الفقراء، في حين أن المنظور الوحيد بالنسبة لنا هو منظور التبادل العادل، والاندماج المتبادل اتجاه تحول ديناميكي للآفاق والهويات، والتثاقف كعملية التحرر الجماعي.

* كاتب وصحافي أردني

المصدر: العربي الجديد