الحرية أولاً , والديمقراطية غاية وطريق

احتفِ بالألم لأنك ستتعلم منه

أحمد مظهر سعدو

تحدثت ” أحلام مستغانمي ” عن طقوس الكتابة، فوصفت حالات دخول الكتابة لدى الكاتبـــــة الروائية التشيلية الشهيرة (ايزابيل أليندي) لتقول: ” ايزابيل تدخل الكتابة كما تدخل قصـة حب.. بشغف وصبر وتفانٍ، وبمتعة تعادل متعة جنسية.. بالنسبة إليها (الكتابة تجدد الحيوية، وكأنها تمارس الجنس مع عشيق مكتمل).. الكتابة هي وسيلتها للمتعة، وهي طريقتها في الحزن أيضاً، هي تكتب لتتداوى، وتعترف كما سادة الحبر.. بأن (المرء لا يتعلم شيئاً وهو سعيد، وحده الألم يمدنا بالوجود الحقيقي).
لعله الألم العميم الذي يعلمنا. لعله الوجع النازل فوق رؤوسنا ينتج منا حالات وهالات من الوعي المطابق، من العشق للحياة، ومن عشق مازال فينا ساكناً بين جوارحنا، وبين ظهرانينا. إنه عشق الوطن، هو التماهي مع الوطن.. الوطن الثاوي في مخيالنا، والقابع على مر الزمان في جوانية ذواتنا، والشاخص أبداً في كل حيواتنا. نعم هو الألم يا أحلام.. هو الألم يا ايزابيل الصاعد كل يوم وكل لحظة، في كل حارة، وفي كل درب، في كل كفر، في كل معرة.. وكل مزرعة، وبين زواريب حارات الماغوط، وضمن أزقة شام الياسمين، شآم نزار قباني. ومآذن الأموي، المنتمي إلى الوليد بن عبد الملك، والممتد جغرافياً وتاريخياً إلى معرة النعمان حيث يرقد جثمان القائد العربي الكبير عمر بن عبد العزيز على ” دكة شلب من شلابات” الريف العربي ذي الطبيعة المسلمة.. الألم الذي سيعلمنا يا أحلام ليس بعيداً عن بلد المليون ونصف شهيد، كما أنه ليس بعيداً كذلك عن أرض الرباط وجوار المسجد الأقصى الذي بارك الله حوله.. هو الألم يا ايزابيل الواصل أممياً بين تشيلي وبلاد الشام، وشرقي المتوسط التي تحدث عنها الراحل الكبير عبد الرحمن منيف.. وجال جولته فيها عبر (مدن الملح) التي لابد آيلة للانفراط. ولعل الملح المنيفي الآيل للانحلال مازال بيننا، وما زلنا بين ملاذاته ومآلاته.. هو الألم يا أحلام الذي نصحنا به أحد الفلاسفة بقوله ” احتفِ بالألم لأنك ستتعلم منه” فهل سنتعلم حقاً من كل هذه الجبال الشاهقة من الآلام، وهل سنحفظ الدروس من هذا التراكم الكمي والنوعي لانتصاف الوطن وتوسط الحي ونواة عين الفرح والفكاهة والضحكة.. ضحكة الطفل الذي إذا غرد في ظامئ الرمل أعشبا.. يا سادة الحبر.. بل يا سادة القلم: إن الألم ينبئنا بأن مستقبلاً أكثر إشراقاً لابد قادم نحونا وآناً آخر مختلف ومنتفض يرنو إلى الأعلى.. لابد قادم نحونا.. يا هذي الأقلام التي مدادها الألم والعشق.. عشق الوطن.. وعشق ما فيه من بذور حملٍ لولادة طبيعية وليست قيصرية – آتية لامحالة، وراسمة لمنعرجات أمة نواتها في بلاد الشام شآم الحب والأمل.. شام فارس الخوري، ونزار قباني، وشكري القوتلي وحسن الخراط.. شام ألفة ادلبي، وبدوي الجبل.. وعمر أبو ريشة.. شام النصر، والمبتدأ والخبر، وكل معاجم اللغة العربية، وكل أصحاب الفكر الموسوعي، وقادة الفتح العربي، الذين وصلوا الصين شرقاً والأندلس غرباً.. فحق لنا منهم وعبرهم وبأحفادهم الميامين، أن نبتسم قليلاً بعد ألم عميم، وقوس قزح يبزغ كل يوم مع أمطار ربيعية تنهمر رخاً.. وسخاء. وقد تجاوز عدد شهداء الوطن السوري الصغير مليون شهيد ونيف، من أجل الكرامة والحرية. فكانت المقتلة  على يد الطاغية المتربع على رمل الشام ،والخاطف للوطن، بمساعدة الطغاة  الآخرين في موسكو وطهران.

أحمد مظهر سعدو

كاتب صحافي سوري، رئيس القسم السياسي في صحيفة إشراق