الحرية أولاً , والديمقراطية غاية وطريق

في الذكرى الخامسة للاحتلال الروسي …ما يزال المستقبل السوري أكثر ضبابية

مع نهايات شهر أيلول / سبتمبر 2020، يكون التدخل الاحتلالي الروسي قد أكمل عامه الخامس، لحظة قرر فيها الاتحاد الروسي في أيلول / سبتمبر 2015 ولوج الجغرافيا السورية، والوقوف إلى جانب نظام الاجرام الأسدي، في محاولة تدخلية عسكرية لمنع سقوط الطاغية، وإعادة قيام النظام الذي كان قد أضحى قاب قوسين أو أدنى من السقوط والانهيار، حينها عجز الدور الإيراني الاحتلالي الآخر عن إعطاء جرعة الحياة للنظام الفاجر، بالرغم من كل أنواع الدعم العسكري والمالي والسياسي وما بينهما لإنقاذ النظام، واستقدام شذاذ الآفاق من ميليشيات طائفية لبنانية وعراقية وأفغانية، وغير ذلك، كي يعيد الإمساك بالكيان السلطوي الذي بناه عبر سنين خلت مع الأب حافظ ثم الوريث بشار، حينها كان لا بد أن يستنجد الإيراني والنظام السوري معه بمن يتطلعون لهذا اليوم والمضي قدمًا إلى المياه الدافئة، وإعادة إحياء التمدد الروسي في المنطقة، حيث لم يعد لهم ذلك الدور المبتغى منذ سقوط الاتحاد السوفياتي. فجاءت الفرصة ليسارعوا في الوصول إلى المصالح الجمة، وليكون لهم الدور التفاهمي حينًا، والتناحري أحيانًا أخرى، مع الأميركان الذين لا هم لهم سوى الحفاظ على مصالح النفط وأمن إسرائيل، وهو ما وافقت عليه وعلى  حمايته دولة الاحتلال الروسي، منذ تلك المرحلة، وصدَّقت على العديد من التفاهمات مع الأميركان منذ اتفاق الكيماوي بين لافروف وكيري، ثم بعدها في قمة هلسنكي التي جمعت بوتين بترامب، وأعطت صيغة جديدة للتفاهم حول سورية ومناطق أخرى من العالم، وصولًا إلى التفاهم الأمني الأهم بين رؤساء الأمن القومي لكل من روسيا وأميركا، وإسرائيل، الذي عقد في القدس المحتلة منذ ما ينوف عن عام وأنجز توافقًا بين هذا الثلاثي أتاح بموجبه لخطة طريق ثلاثية يتقاسمون فيها المصالح ضمن سورية، ومن ثم التفاهم على أهمية إفساح المجال للإسرائيليين لضرب أي خطر يجدونه متحركًا في الجغرافيا السورية، وهو ما سمح لهم أن يكون السماء السوري مباحًا، يعبثون فيه بما يرون أنه يفيد مصالحهم، وسط صمت مطبق من نظام الفجور الأسدي، الذي ما يزال منشغلاً في استمرار المقتلة التي ينجزها ضد الشعب السوري المنتفض على النظام، والطامح للحرية والكرامة.

 لقد تُركت سورية ومنذ نهايات أيلول/سبتمبر عام 2015 أي منذ دخول القوات الروسية في 29 أيلول/ سبتمبر، لتكون مجالًا لتقاسم المصالح، وللهيمنة الروسية والإيرانية وسواهما، واستبيحت الأرض كما استبيح الشعب السوري، وجاء الروس ليجربوا كل أصناف الأسلحة، حيث أكدت “الشبكة السورية لحقوق الإنسان” في بيان لها، مؤخرًا أن النظام السوري وروسيا يواصلان استخدام الذخائر العنقودية، مشيرة إلى أن أكثر من 80% مــن ضحايا هذه الذخائر في العالم منذ عام 2010 كانوا في سورية. رغم وجود حملة دولية عالمية للقضاء على الأسلحة الخطرة ومنها العنقودية، حيث التحالـف الدولي للقضاء علــى الذخائــر العنقوديــة والحملــة الدوليــة لحظــر الألغام الأرضية، وهما شـبكتان تضمان أكثــر مــن 100 منظمــة مــن منظمــات المجتمـع المدني العاملة فــي مجال نــزع السلاح في مختلـف دول العالم. وقد صادقت على اتفاقية حظر الألغام 164 دولة حتى الآن، فيمـا صادقت علـى اتفاقيـة حظـر اسـتخدام الذخائـر العنقوديـة 109 دول. ومع ذلك فإن استمرار الروس والنظام ما يزال متواصلًا وقائمًا في استخدام هذه الأسلحة المحرمة دوليًا ضد الشعب السوري برمته.

وتشير المندوبة السامية لشؤون نزع السلاح (إيزومي ناكاميتسو) إلى أن نظام بشار الأسد “لم يقدم بعد معلومات كافية من شأنها أن تمكن منظمة حظر الأسلحة الكيماوية من إغلاق الملف الخاص بالعثور على مواد كيماوية داخل سورية”. وأضافت خلال جلسة عاصفة لمجلس الأمن الدولي لمناقشة تنفيذ القرار 2118 الخاص ببرنامج سورية للأسلحة الكيماوية، أن “سورية لم تقدم بعد معلومات أو تفسيرات تقنية كافية من شأنها أن تمكن الأمانة الفنية لمنظمة حظر الأسلحة الكيماوية من إغلاق الملف الخاص بالعثور على مادة كيماوية تم اكتشافها في مرفق برزة التابع للمركز السوري للدراسات والبحوث العلمية”. وكان قد تبنى مجلس الأمن الدولي، في 27 أيلول/سبتمبر 2013، قرارًا حمل رقم 2118، بشأن نزع السلاح الكيماوي من سورية، أشار فيه إلى إمكانية فرض عقوبات واستخدام القوة في حال تنفيذ هجمات كيماوية في سورية من قبل أي طرف.

من جهته السفير الألماني في الأمم المتحدة (كريستوف هويسجن) اتهم روسيا ” بالتستر على جرائم الأسد ضد المدنيين السوريين”. ووجه انتقاداته لنظيره الروسي (فاسيلي نيبيزيا) قائلاً: “ما الذي تحاول أن تخفيه روسيا بتسترها على جرائم النظام السوري؟ ولماذا تسعى روسيا للنيل من مصداقية منظمة الأسلحة الكيماوية، خاصة وأن الأدلة تشير إلى علاقتها بقضية (المعارض الروسي أليكسي) نافالني”.

وهنا تجدر الإشارة إلى أنها تبدو المسألة واضحة من أنها قضية روسية بامتياز وليس دفاعًا عن نظام بشار الأسد فقط، أي أن هناك تورطًا روسيًا في قضية استخدام الكيماوي وكل الأسلحة المحرمة دوليًا بعد أن هدد الرئيس الروسي (فلاديمير بوتين) خبيراً دولياً شارك في التحقيق حول استخدام الأسلحة الكيمياوية في سورية بالقتل، وأكد الخبير الدولي “هاميش دي بريتون جوردون” لموقع “آي نيوز” أنه تعرّض للتهديد بالقتل من قبل الرئيس الروسي فلاديمير بوتين بسبب حديثه عن تورط نظام الأسد في هجمات كيميائية.” وأوضح (جوردون) أنّ بوتين أرسل له رسالة عبر السفارة الروسية في لندن، حذره فيها من الحديث عن هجمات بالأسلحة الكيمياوية في سورية، وأضاف أنّ التهديدات دفعته لزيادة إصراره وتصميمه على التحدث علناً عن استخدام روسيا للأسلحة الكيماوية في سورية.

أشار (جوردون) وهو مؤلف كتاب “المحارب الكيميائي: سورية وسالزبوري وإنقاذ الأرواح في الحرب” أنها لم تكن المرة الأولى التي يتعرض فيها للتهديد من قبل الرئيس الروسي، وقد هدده تهديدًا صريحًا بما يخص منتجات عمله في سورية أي الرئيس الروسي نفسه.

الوجود الروسي في سورية المهيمن على السيادة السورية، والمتحكم بقرارات رأس النظام، والمتغلغل في جوانية الجيش والأمن السوريين، والذي جاء ليوقع مؤخرًا ما ينوف عن أربعين اتفاقًا اقتصاديًا وعسكريًا، مع حكومة النظام السوري، يحاول أن يسير في حالة سباق مع الإيرانيين، لتحصيل ما يمكن تحقيقه، من مصالح براغماتية احتلالية، هو لم يأت إلى سورية إلا من أجلها، ومن أجل  مصالح روسيا الدولة، وليس كرمى لعيون النظام السوري، ويبدو أنه وضمن الظروف الإقليمية والدولية مازال هو الأكثر تخويلًا في الملف السوري، والأكثر قدرة على البقاء والاستمرار حسب قول جيمس جيفري، في وقت ترى فيه الإدارة الأميركية أن مصالحها مؤمنة ومنجزة تمامًا بوجود الدور الروسي البوتيني الذي يراعي مصالحها ومصالح إسرائيل، دون التخلي عن مصالح روسيا أصلاً وأساسًا، ويبقى الشعب السوري هو فقط من يعاني الاحتلالات، ووجود نظام القهر والطغيان الأسدي ضمن سياقات عربية متخلية كلية عن الواقع السوري والشعب السوري، ومنشغلة بمصالح أخرى قد لا يكون آخرها ما جرى من عمليات التطبيع البائسة والمتتابعة مع الكيان الصهيوني.