الحرية أولاً , والديمقراطية غاية وطريق

بن سلمان في الميزان: هل ينتهي تولّيه العهد قبل العهد؟

جلبير الأشقر*

تعدّدت الهزائم التي مني بها في الأيام الأخيرة متولّي العهد السعودي، محمد بن سلمان، وهي تنضاف إلى جملة من الهزائم لحقت به في صدد شتى أنواع الجرائم بالمعنى القانوني للتعبير (ناهيكم من معناه الأخلاقي)، منها جريمة فظيعة كشنّ حرب اليمن في عام 2015 ومنها جرم شبه فكاهي كاحتجاز سعد الحريري في الرياض في عام 2017، علاوة بالطبع على الجريمة التي أثارت أكبر ضجة إعلامية، ألا وهي المسؤولية عن تدبير اغتيال جمال خاشقجي قبل عامين.

والحقيقة أن أية من هذه الهزائم من شأنها أن تنهي مصداقية من يستعدّ لتولّي الحكم في أي بلد، وكم بالأحرى عندما يكون شاباً طائشاً تعوّد على الحصول على مبغاه بدون أن يمرّ باختبار أي من مشقات الحياة، شاباً قدّمه والده على عديدين يسبقونه في تسلسل المُلك الخاص بسلالة آل سعود التي تحكم المملكة منذ تأسيسها قبل ما يقارب مئة عام. ومع ذلك فقد بدا حتى الآن وكأن متولّي العهد والحاكم بأمر أبيه معصومٌ، لا شيء يستطيع الحؤول دون اعتلائه العرش عند وفاة والده البالغ 85 عاماً من العمر.

بيد أن بعض أحداث الأيام الأخيرة توحي بفقدان محمد بن سلمان للاعتبار لدى والده. أول حدث كان منعه البيّن من اللحاق بعرّابه ومرشده إلى فنون الاستبداد، متولّي عهد أبو ظبي والإمارات المتحدة، محمد بن زايد، اللحاق به في «تطبيع» العلاقات مع الدولة الصهيونية. وقد كان العرّاب الإماراتي قد دفع بالمملكة إلى علاقة تواطؤ مع دونالد ترامب حالما اعتلى هذا الأخير سدة الرئاسة الأمريكية في بداية عام 2017، الأمر الذي تكرّس بترتيب بن زايد لأول زيارة لترامب إلى خارج بلاده بوصفه رئيساً لها، وهي زيارته للرياض في أيار/ مايو من العام ذاته. وقد انكشفت منذ ذلك الحين الخيوط التي تربط بن زايد عن طريق سفيره في واشنطن، يوسف العتيبة، بجماعة ترامب، ولاسيما صهره الصهيوني بامتياز جاريد كوشنر. وقد أشرنا في مقال سابق إلى التقرير الذي أعدّته لجنة المخابرات في مجلس الشيوخ الأمريكي، والذي تمّ نشره قبل شهر، حيث كُشف عن التواطؤ الذي قام بين حملة ترامب الرئاسية ودولة إسرائيل والإمارات وروسيا في المرحلة التي سبقت الانتخابات الأمريكية في عام 2016.

وقد كان جلياً تماماً أن الإعلان عن «تطبيع» العلاقات بين الإمارات ودولة إسرائيل إنما كان الهدف الرئيسي منه إتاحة فرصة لفريق ترامب، وبالأخص كوشنر ووزير الخارجية «الصهيوني المسيحي» مايك بومبيو، كي يتباهوا بإنجاز «عظيم» في مجال السياسة الخارجية في هذه المرحلة الأخيرة والقصيرة قبل الانتخابات الرئاسية الأمريكية. والحال أن ترامب مُني بأفشال عديدة في السياسة الخارجية، منها إخفاق مسايرته لحاكم كوريا الشمالية ومنها بالطبع إفلاس «صفقة القرن» في النزاع العربي-الصهيوني. غير أن اقتصار مسرحية «خطوة السلام العملاقة» على اللاعب الإماراتي في الجانب العربي قد خفّض كثيراً من أهميتها، ولا شكّ بالتالي في أن كوشنر وبن زايد سعيا جهدهما لإقناع بن سلمان بالمشاركة بها، لكنهما لم يحصلا سوى على إذن بعبور رحلات الطيران المدني بين تل أبيب والإمارات لمجال المملكة الجوّي.

وإذ تبذل إدارة ترامب مساعٍ حثيثة في تفاوضها مع رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتانياهو، من أجل أن يرضى ببيع واشنطن لأبو ظبي طائرات شبح من طراز إف-35 لقاء المزيد من التخويل العسكري الأمريكي للدولة الصهيونية، وذلك بغية إتمام شروط إقامة حفل توقيع لاتفاق «التطبيع» في حديقة البيت الأبيض يكون في ذهنهم رديفاً لحفل توقيع اتفاقية أوسلو في عام 1993، أدرك الأمريكيون وصديقهم بن زايد أن بن سلمان اصطدم برفض أبيه لمشاركة المملكة في المسرحية. والأرجح أن يكون سلمان قد فطن إلى أن الأمر سوف يكلّف المملكة الكثير عربياً وإسلامياً، لاسيما في صراعها مع إيران. لذا صعّد فريق كوشنر الأمر إلى دونالد ترامب نفسه الذي أجرى مكالمة هاتفية مع الملك السعودي يوم الأحد الماضي محاولاً إقناعه بالانضمام إلى اللعبة. وقد أخفقت المحاولة إذ أصرّ سلمان على موقف المملكة التقليدي من أن تسوية يرضى بها الفلسطينيون لنزاعهم مع الدولة الصهيونية إنما هي المدخل الضروري لإنجاز «مبادرة السلام العربية» التي دفعت بها المملكة وتبنّتها القمة العربية المنعقدة في بيروت في عام 2002.

ثم جاء يوم الإثنين الإعلان عن أن القضاء السعودي ألغى أحكام الإعدام بحق الرجال الخمسة الذين حُكم عليهم بالإعدام في آخر العام الماضي لضلوعهم في اغتيال جمال خاشقجي، وتم التعويض عنها بأحكام سجن مديدة. والحقيقة أن الجميع كان قد رأى في أحكام إعدام الرجال الخمسة سعياً وراء التضحية بهم أكباشَ فداء من أجل تبرئة محمد بن سلمان من مسؤولية جريمة يعتقد العالم أجمع، بما في ذلك وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية، أنه المسؤول الأول عنها. والحال أن تحويل الأحكام من الإعدام إلى السجن ليس نابعاً عن رحمة المملكة وهي لم تتحلَّ قط بالرأفة في تاريخها، وقد نفّذت أحكام إعدام لا تُحصى لأسباب أقل بكثير من اغتيال فظيع كالذي ذهب ضحيته جمال خاشقجي، بل هو بمثابة تأكيد لما يعرفه الجميع، ألا وهو أن المحكوم عليهم لم يقُموا سوى بتنفيذ الأوامر.

وأخيراً، يوم أمس الثلاثاء، جاء كشف صحيفة «فايننشال تايمز» عن فضيحة تتعلّق بمتولّي العهد السعودي، وهي أن والده أمر بتحقيق عدلي في «مركز مبادرات مِسك» وهو مؤسسة «خيرية» تابعة لبن سلمان يرأسها بدر العساكر، مدير مكتبه الخاص. وقد تبيّن أن القضاء الأمريكي كشف عن تورّط «مِسك» والعساكر في التجسّس على مستخدمي تويتر من مواطني المملكة، وذلك في معرض الدعوى التي رفعها على المملكة بتهمة محاولة اغتياله اللواء سعد الجابري، الذي كان مستشاراً أمنياً لولّي العهد السابق، محمد بن نايف، وقد أزاح بن سلمان هذا الأخير من منصبه كي يتولّى الحكم.

وطبعاً ليست هذه الفضيحة الجديدة طريفة بحدّ ذاتها، إذ إننا اعتدنا على أمثالها من قِبَل بن سلمان ومرشده بن زايد (الذي وظّف شركة إسرائيلية في التجسّس على وسائل التواصل الاجتماعي). لكنّ الطريف هو أن الذي نقل الخبر للصحيفة اللندنية إنما هو «مسؤول سعودي» لم تسمِّه، وهي إشارة إلى أن الخبر تمّ «تسريبه» بقرار من قمة الحكم السعودي، حيث إنه لا يُعقل أن يجرأ أي موظف سعودي على تسريب أخبار من هذا النوع. وقد لا تكون بعد فضيحة «مِسك» ختام بن سلمان (ولن يكون ختامه مِسكاً في جميع الأحوال)، إنما تنضاف إلى جملة مؤشرات توحي بأن متولّي العهد المدلّع بات يفقد من سطوته على والده. وسوف تُحرق أوراقه بالكامل لو أدّت الانتخابات الأمريكية القادمة إلى خروج جماعة ترامب عن المسرح.

* كاتب وأكاديمي من لبنان

المصدر: القدس العربي