الحرية أولاً , والديمقراطية غاية وطريق

دروس المتوسط: هل في دول المغرب تُستخلص؟

نزار بولحية *

الوضع مختلف، ما في ذلك شك، لكن ألا يوجد خيط رفيع يربط بين ما يحدث الآن في شرق المتوسط وما يمكن أن يحصل غدا في غربه؟ ألا تكون قبضة المستعمر هي ذلك الخيط؟ للوهلة الأولى قد يتساءل البعض عن علاقة دول المغرب أصلا بشرق المتوسط، وعن سبب التركيز المفرط، كما يعتقد، عليها بالذات.

فإذا كانت هناك بالفعل دروس ستستخلص، ألن يكون حريا بالجميع في الشرق والغرب، على حد سواء، أن يكونوا معنيين بها؟ ولعل آخرين سيزيدون ويقولون بنبرة استعلاء شوفينية، بأنه لا معنى ولا مبرر على الإطلاق لأن تأخذ أي دولة العبرة مما يحصل لدولة أو لدول أخرى، لأن لكل بلد خصوصياته. ولن يكون حريا بأحد أن يتعلم دروسا من آخر، مادام باستطاعته أن يملك إرادته وقراره، ويميز جيدا بين ما يناسبه وما لا يناسبه. ولكن هل مازال بوسع أي كان أن يغلق بابه، ويمنع أي رياح أو عواصف وأنواء من أن تتسرب إلى عقر داره، وتدخلها بلا استئذان، وبغض النظر عن رغبته أم لا؟ ثم ألم يقل البعض أيضا، وقبل عقود، أي حين بدأ جدار برلين بالسقوط، أنه لن يكون هناك أي أثر مباشر للتحولات التي حصلت حينها في أوروبا الشرقية على دول المغرب؟

إن الأزمة الأخيرة شرق المتوسط، وبغض النظر عما إذا كان سيتم احتواؤها في وقت قريب أم لا؟ أفرزت عدة استنتاجات وخلاصات مهمة، لعل أبرزها، أنها أعادت الروح من جديد للكثير من المفاهيم، التي كانت إلى وقت قريب ثابتة وجامدة، وجعلتها تصبح مرة أخرى محل تساؤل حاد وعميق. فكل مصطلحات السيادة والاستقلال، التي كانت في الأصل، وبالنسبة للكثيرين، مشوشة ومبهمة إلى حد كبير، باتت مع اشتعال المنافسة على ثروات البحر المتوسط، على محك اختبار دقيق، ستتضح بانتهائه مدلولاتها ومعانيها الحقيقية. وما حدث ويحدث شرق ذلك البحر، من مواجهة مفتوحة تحت عنوان السيطرة على النفط والغاز، وإعادة ترسيم الحدود، ليس سوى مظهر من مظاهر الصراع بين قوتين، تريد إحداهما تثبيت تلك المفاهيم والمصطلحات بالشكل الذي يناسب طموحاتها الاستعمارية، وترغب الاخرى بمراجعتها بما يستجيب لتطلعات شعبها. أما كيف يمكن أن يعني ذلك المغاربيين، الذين يواجهون الآن أزمات عميقة، ويعيشون في ظل انقسامات حادة وانشغالات متعددة؟ فلعل ما يجعلهم أقرب من غيرهم لذلك، هو أنهم يوجدون على مرمى حجر من أوروبا، مهد تلك الامبراطوريات الاستعمارية، ويخوضون منذ عشر سنوات حراكات وانتفاضات شعبية، لتغيير أنظمتهم أو إصلاحها. وهذا ما يجعلهم يصطدمون بعد أكثر من نصف قرن من حصولهم رسميا على استقلالهم بعقبة كبرى، هي استمرار السيطرة الفعلية للمستعمر السابق على مقدراتهم وثرواتهم، ما يجعلهم يفقدون الإحساس بأي معنى فعلي لذلك الاستقلال، ولا يرون من خلال الوجود غير المكشوف لذلك المستعمر في المفاصل الحساسة لدولهم، أي بارقة أمل بأن تنجح ثوراتهم وانتفاضاتهم في تحقيق غاياتها.

إن تخلصهم من بعض الأسماء أو الرموز المحلية، التي حكمتهم كان نصف الطريق نحو تحررهم، أما النصف الباقي فيبقى تمكنهم من كسب الحرب التي تحسم بعد للحصول على استقلالهم. فهم لطالما سمعوا عن تلك الكلمة السحرية لكنهم لم يروا باستثناء بعض الشعارات، أي أثر مباشر لها لا على حياتهم ولا على سياسات وخيارات دولهم. لكن ما الذي فعلته الشعوب المغاربية حتى حصلت على تلك الدول المستقلة؟ الجواب البديهي الذي يعرفه أطفال المدارس من ليبيا إلى موريتانيا، أن أجدادهم بذلوا الغالي والنفيس، وقدموا أرواحهم على امتداد عقود طويلة، ليتمكنوا في الأخير من أن يجبروا المستعمر على مغادرة بلادهم، ليستلم ابناءهم بعدها زمام الأمور بدلا منه. لكن هل مازال هناك من يعتقد بالفعل في أن تلك الدول تملك حقا إرادتها وقرارها، ولم يعد مصيرها خاضعا أو مرتبطا بالمستعمر السابق؟

من الواضح أن الحبل السري بين المغاربيين والمستعمر الفرنسي بالخصوص لم يقطع بعد، رغم كل التضحيات والمحاولات التي بذلت لأجل ذلك على امتداد عقود طويلة، لكن أين يكمن الخلل؟ ولِمَ لم تنجح كل تلك المحاولات؟ ولِمَ بات السؤال يكرر نفسه بقوة حتى بعد انقضاء أكثر من نصف قرن على طرحه؟ المشكل هو أن الشعوب المغاربية التي اجتمعت في وقت ما في خندق واحد، ووضعت هدفا مشتركا هو طرد المستعمر من المنطقة كلها، عادت وانقسمت، فيما بعد حين حصلت على دول صارت تتصارع في ما بينها على السيادة والنفوذ، وتتحارب من حين إلى آخر على قطعة أرض هنا أو هناك، وذلك هو الفخ الذي نصبه الفرنسيون بإحكام قبل أكثر من ستين عاما في الشمال الافريقي، حين كسروا الحلف التونسي الجزائري المغربي، ولوحوا بجزرة التفاوض على الاستقلال الداخلي للمغرب وتونس، سعيا لعزل الثورة الجزائرية وتطويقها، ووأد الطموحات في بناء مغرب كبير بعد رحيل المستعمر وجلائه. غير أن تبادل الاتهامات وإلقاء اللوم لن يكون اليوم مجديا، فالمهمة التي ينبغي على المغاربيين جميعا أن يتفقوا حولها الآن، ويمضوا فيها هي ما وصفتها صحيفة «الغارديان» في افتتاحيتها الاثنين الماضي حول المواجهة التركية اليونانية في المتوسط بـ«تصحيح التاريخ». ومن المؤكد أن ذلك لن يكون سهلا، فإذا كان باستطاعة أردوغان مثلا أن يناور جيدا، ويستخدم عدة أدوات في وقت واحد، كأن يلوح كما فعل السبت الماضي بان بلاده «قادرة سياسيا وعسكريا واقتصاديا على تمزيق الوثائق والخرائط المجحفة المستندة إلى انعدام الأخلاق» على حد تعبيره، فإن الخيارات أمام الشعوب المغاربية تبدو ضيقة، مادامت تعجز حتى عن مجرد معرفة كل بنود الاتفاقيات التي وقعها قادتها ليحصلوا على الاستقلال، فضلا عن عدم قدرة حكوماتها على المطالبة بإدخال أي تعديلات مفترضة عليها. ولأجل ذلك فإن التقاط اللحظة وانتهاز الفرصة سيكون مهما. فإذا كان بوسع الأتراك أن يطالبوا بتصحيح الاتفاقيات الظالمة، التي وقعوها تحت الضغط، فسيكون الأحرى أن يطالب المغاربيون ولو بمعرفة كل بنود اتفاقيات استقلالهم، وأن يطلعوا على ظروف توقيعها ويصححوا بدورهم، ولو في مرحلة موالية كل الأخطاء والمظالم التي اقترفت بحقهم. ولن يحصل ذلك باستجداء فرنسا، أو بمحاولة تنظيف تاريخها الاستعماري، كما فعل الرئيس التونسي في زيارته الاخيرة لباريس، بل من خلال تنويع التحالفات، وإشعار الفرنسيين بأن العالم لم يعد يختصر في بلدهم، وأن المغاربيين والأتراك مثلا يمكن أن يلتقوا في تحالف جديد، ويشكلوا كتلة وازنة في البحر المتوسط، لكن أي مصلحة قد تدفعهم نحو ذلك؟ لاشك في أن من يرغبون بالحفاظ على الوضع القائم سيمتنعون عن القيام بأي تغيير، وسيفوتون على أنفسهم وبلدانهم فرصة استخلاص الدرس باكرا، رغم أن التاريخ أثبت وفي أكثر من مرة كم كانت عواقب التأخر عن ذلك قاسية ومرة.

* كاتب وصحافي من تونس

المصدر: القدس العربي