الحرية أولاً , والديمقراطية غاية وطريق

هل ما يزال المشروع الناصري باقٍ ومستقبلي؟

الحرية أولاً _ خاص

تتعين المسألة الفكرية ذات المشروع القابل للحياة، بمدى قدرتها على الإجابة عن كل الأسئلة المنبثقة آنيًا ومستقبليًا من معاناة الناس، وجملة المتغيرات السياسية والاجتماعية، التي تخرج من الواقع، ومن صلب حاجات البشر والشعوب، ويبدو أن المشروع الناصري، والتجربة السياسية الناصرية، هي التي مازالت تحمل بذور مستقبليتها، وتجيب باستمرار على جل التساؤلات التي تخرج من هذا الواقع العربي برمته.

يُقال الكثير اليوم عن الذي طرحه الراحل الكبير الدكتور جمال الأتاسي المتعلق بتجديد وتطوير الفكر الناصري، بما يحمله من استيعاب منطقي للمرحلة، ولكل المتغيرات التي طرأت وتطرأ على الساحة السورية وكذلك واقع الأمة كل الأمة.

ضمن هذه المحددات، وفي أتون الضرورة والمتطلبات، كان لا بد من إعادة النقاش والحوار حول هذه المسألة الآن، بينما يشهد الواقع العربي العديد من الإشكالات، بما يترك المجال أمام إعادة طرح المشروع القومي العربي الديمقراطي الذي طرحته التجربة الناصرية، ثم جاء الدكتور جمال الأتاسي ليتابع تحديثه بما يلائم المتغير الآني والمستقبلي.

موقع (الحرية أولًا) وضع هذه الأسئلة أمام بعض السياسيين والمثقفين المعنيين بالحالة الناصرية من حيث القول: هل ما يزال الفكر الناصري باقٍ ومستقبلي. ومن ثم هل يمكن القول إن ما طرحه الدكتور جمال الأتاسي من فكر تنويري قومي ناصري يحمل إمكانية بقائه ومستقبليته كمشروع قومي ديمقراطي، يمكن أن يكون مشروع المستقبل بامتياز؟

فكانت الإجابات كما يلي:

الأستاذ محمد عمر كرداس الكاتب والمعارض الناصري المعروف قال: ” لا شك عندي أن مشروع عبد الناصر هو المشروع الوحيد الذي ينقذ الأمة من كبوتها ويحقق حاضرها ومستقبلها، وأن تكون أمة بين الأمم المتحضرة، لأن الإمكانات البشرية والموقع الجغرافي والثروات الكبيرة المتنوعة التي تزخر بها أرضها تتيح لها مكانًا متقدمًا بين الأمم، وقد كانت (في الستينات) ضمن هذه المكانة عندما كان عبد الناصر قائدًا لهذه الأمة، وأرقام الأمم المتحدة ومنظماتها توثق ذلك؛ لم يكن عبد الناصر رجل فكر نظري، إنما اقترن عنده القول بالعمل، ولن أردد هنا انجازاته فقد أصبحت معروفة. لقد كان رائدًا في كل شيء، ويكفي أنه قضى وعمره خمسون عامًا وهو يلملم جراح الأمة التي أثخنتها طعنات حكام وحكومات رجعية أو مزايدة أو مرتبطة وعميلة، واستطاع أن يوقف هذا النزيف، إلا أن أنظمة الردة بعده تمكنت من الأمة، وقضت على إنجازاتها في عصر آخر ” . ثم تابع يقول: ” أما جمال الأتاسي البعثي العتيق الذي كان يحمل هموم الأمة أيضًا، أدرك مبكرًا أن مشروع نهوض الأمة هو مشروع عبد الناصر، وليس مشروع البعث المزاود وصاحب التجربة الخاصة التي دمرت الأمة في العراق وسورية؛ وعندما تقرأ اليوم ما كان يكتبه جمال الأتاسي، تشعر أنه موجود بيننا، فاستشرافه للمستقبل وقلقه الدائم على مصير الأمة، خلق عنده حالة من استشراف المستقبل، والخوف الدائم لإدراكه مواقع الضعف والثغرات التي كانت تأخذ من تصميمنا على أهدافنا وتُضعف أداءنا، ويكفي أن نستشهد بجملة قالها بعد الانفصال { إن الأمة التي تأتيها فرصة النهوض والحياة في العصر ولا تقتنصها، ترتد إلى عهود بربريتها }، وهذا مع الأسف ما يحصل، وبصدد الوضع السوري وفي رده على الصحفي المصري القومي والناصري مجدي رياض يقول ( إن الموزاييك السوري مهدد بالدمار إذا بقيت سورية على قطريتها ودولتها القطرية).
وأختم بالقول: إننا سنبقى نناضل ونكافح في سبيل نهوض هذه الأمة ووحدتها “.

الكاتب والناشط السوري المعارض عزت الشيخ سعيد أكد لنا أنه ” رغم مرور نصف قرن من الزمان على غياب قائد المشروع النهضوي، بصورته الأكثر اتساقًا مع واقع حال الأمة العربية، والأكثر استجابة لمتطلبات العصر الذي نعيش به، والأكثر التصاقًا مع هموم الناس. يبقى مشروع النهضة العربية ينتظر من يُمسك به، منذ انقطاع العمل به، بغياب قائده ومؤسسه الراحل (جمال عبد الناصر) وينتظر من يستنهض كوادر الأمة ونخبها، والتي ماتزال إلى اليوم تتردد في قيادة شعوب الأمة، رغم ما قدمته (هذه الشعوب) وبذلته من تضحيات في سبيل الخروج من حالة الاستنقاع والجمود وانغلاق منافذ التغير، والتي أثبتت أنها أكثر تقدما من نخبها وطلائعها.
لقد مر أكثر من قرنين من الزمان، على بداية انطلاق مشروع النهضة العربية، ذلك المشروع الذي بدأت ملامحه تتجلى عبر رجال الفكر على اختلاف مشاربهم، وعبر الجمعيات والتيارات التي تشكلت في أواسط القرن التاسع عشر، والتي هالها حجم التخلف عن ركب الحضارة العالمية، والتحولات التاريخية التي كان مسرحها أوربا والغرب عمومًا. كان ذلك المشروع يتطور مع مرور الأيام، إلى أن أخذ صيغته الأكثر شمولاً واتساقًا مع واقع الحال (كما أسلفنا) مع بروز شخصية عبد الناصر بكل ما تحمله وتعنيه ” ثم تابع قائلاً ” والناصرية كذلك لم تقف عند ما طرحه عبد الناصر، بل تطورت رؤيته فكرًا وتنظيرًا وتنظيمًا وتجربة، مع العديد من المفكرين والأحزاب التي ارتبطت بمشروع عبد الناصر وأخذت بخطوطه الأساسية. وربما لا نجانب الصواب إذا اعتبرنا أن الساحة الناصرية السورية هي أكثر من طور وقدم وأضاف واستكمل جوانب النقص في مشروع عبد الناصر ونعني بهذا الكلام كل ما قدمه الراحل الدكتور جمال الأتاسي عبر سني حياته والتي ربما يصح أن نسميها الناصرية بصيغتها الأتاسية.
إن من أهم الإضافات التي قدمها الراحل جمال الأتاسي، كانت التركيز على الديمقراطية، كمدخل أساسي لتأسيس الدولة الوطنية المدنية؛ وإن الدولة الوطنية العصرية الحديثة هي القاعدة لبناء دولة الأمة، جاء ذلك واضحاً بقول جمال الأتاسي في نشرة/مقالة “الحرية أولاً” نهاية السبعينات «والديمقراطية التي ننشدها، هي الديمقراطية المباشرة، الديمقراطية الكليّة لجماهير الشعب، بحيث لا تسلبها أو لا تسخرها لمصالحها، دكتاتورية طبقة جديدة ولا دكتاتورية فئة أو فرد، فهي الديمقراطية الجماعية والكلية والتي تنزع إلى النهوض الكلي بحرّية الجماهير ووعيها واسهامها في السياسة والحياة العامة، في مواجهة هذا الاستبداد الكلي والجماعي أيضاً الذي يبسط سلطانه في الدولة والمجتمع والسياسة والعلاقات العامة». إن الناصرية ليست تراثًا أو إرثًا مضى زمانه وتجاوزته حركة التاريخ يقول السيد سعيد، وإنما هو تجربة حية في الممارسة والفكر، تتميز بديناميكيتها وقابليتها المستمرة للتطور والتفاعل مع المتغيرات المحلية والعربية والدولية ويتمثل جوهرها في الارتباط بهموم الناس ومشاكل الأمة وشعوب الأمة والعداء للاستعمار بكل أشكاله ورفض التبعية والربط العضوي بين الثورة الاجتماعية والثورة السياسية أي الربط بين العدالة والحرية”. ثم تابع القول: ” نتذكر مقولة الراحل جمال عبد الناصر التي تعبر عن الارتباط الجدلي بين الأهداف التي طرحها والتي عنون بها مشروعه «إن مجتمع الوحدة العربية لا يبنى إلا بالحرية والاشتراكية وهو تتويج لانتصاراتهما معًا على الأرض العربية». لقد جرت محاولات تشويه كبيرة لتاريخ وتجربة الراحل عبد الناصر وماتزال محاولات التشويه مستمرة إلى يومنا هذا.  ومن يقرأ ما يكتبه المغفلون والمغيبون ومثقفو (النص نعل)، بل وحتى عراة الأقدام من أي نعل ثقافي، عبر وسائل التواصل الاجتماعي يدرك حجم التشويه الذي لا يطال عبد الناصر ومشروعه وحسب، بل يطال هوية الأمة، ولغتها وتاريخها وثقافتها ورموزها التاريخية، لنصبح عراة من أي شيء يحمينا أمام الكوارث التي تنهال علينا من حدب وصوب ومن القريب والغريب. ولا يمكننا أن نغفل أن أنظمة الحكم في البلاد العربية حاولت وعبر تبعيتها وارتهان إرادتها لأعداء الأمة تشويه مشروع النهضة العربية عبر تطبيقات بائسة ومشوهة لأهداف المشروع، ولا أعتقد أننا بحاجة لذكر تلك التطبيقات فهي ماتزال ماثلة للعيان؛ بل وأضافت إلى جرائمها جريمة الفساد والإفساد والتجهيل إلى أن وصلت البلاد العربية وشعوبها إلى حالة من اليأس بإجراء أية اصلاحات، مالم تجد منه بد سوى بإعلان الثورة على تلك النظم، فكان ما كان من تدخلات دولية استدعت تلك النظم لمنع الشعوب من استرداد حقها في تقرير مصائرها وصناعة تاريخها وبناء دولها المستقلة. ما يزال يحدونا الأمل في بروز جيل يستعيد مشروع النهضة استكمال ما نقص منه ليعيد الأمة إلى دائرة الحضارة البشرية كأمة فاعلة لا مستهلكة فقط لمنجزات الحضارة البشرية ” .

أما السيد مصطفى سماق/ مدرس سوري، ولدى سؤالنا إياه هل مازال الفكر الناصري باقٍ ومستقبلي؟ فقد اكتفى بالقول: ” نعم في بعده الاستراتيجي مع الأخذ بعين الاعتبار المتغيرات التي حصلت ” .