الحرية أولاً , والديمقراطية غاية وطريق

مقاربة نظرية لفهم تنويعات المنظومة الديموغرافية السورية

ريمون المعلولي *

في سياق تناولنا لمسائل مثل: الوطنية، المواطنة، الديمقراطية، التعددية.. إلخ، نناقش خاصية التنوع الثقافي الذي يتمتّع به السوريون: اثنيًا ودينيًا وطوائفيًا وأنماط معيشة… إلخ. وغالبًا نَعدُّ هذا التنوع مصدر غنى يُحسب لمصلحة المجتمع السوري، على اعتبار أن لكل تكوين لونه الثقافي الذي يميّزه من الألوان الأخرى الموجودة معه وإلى جانبه، فالتنوع مصدرٌ للثراء، ومُحفزٌ لتكامل خاصيات السكان، وبالتالي هو مُحرّض للتقدم والتنمية والتطور. فالغنى الثقافي في المجتمع خاصية حميدة يتمتع بها السوريون، خلافًا للمجتمعات أحادية التكوين أو الثقافة، التي غالبًا ما تقترن بالانغلاق وبطء التطور.

وبالطبع، يمكن دعم هذه المقولة من خلال الاستعانة بنظرية النُظم التي انطلقت من علم الإيكولوجيا، ثم تبنتها علوم كثيرة، منها علوم النفس والاقتصاد والسياسة الاجتماع.. إلخ، وعُدّت بمثابة إطار مفاهيمي يمكن الركون إليه لبناء تصورات كلّية يسهل فهمها في ميادين حياتية كثيرة، فهناك نظم سياسية، وأخرى اقتصادية، وبيئية… إلخ.

في الإيكولوجيا -على سبيل المثال- قانون يتحدث عن “التنوع الحيوي” Biodiversity وأهميته وضرورته، من أجل تأمين استقرار النظم البيئية وتوازنها واستمرار عطائها. فكلما كانت النظم غنية بالأنواع الحية وأفرادها، أي كانت ذات تكوين معقد، كانت محمية من عوامل الانهيار والزوال، بخلاف النظم الحيوية فقيرة الأنواع والأفراد، التي يُطلق عليها النُظم بسيطة التكوين، فهذه معرضة للانهيار.

وأصل هذه القاعدة مُستمدّ من مفهوم النظام System :، فالنظام كيان يضم مجموعة من العناصر والمكونات المترابطة مع بعضها البعض، وتعمل بتنسيق تام وبتفاعل، تحكمها علاقات وآليات عمل وظيفية، وتكون في نطاق محدد لتحقيق هدف النظام.

إذًا، فإن غنى المنظومة الإيكولوجية بالأنواع والمكونات شرط ضروري، ولكنه غير كافٍ لاستقرارها، بل لا بدّ من توافر شرط التفاعل الوظيفي بين مكونات المنظومة، فكل مكونٍ منها يتفاعل مع المكونات الأخرى، يعطيها ويأخذ منها، وتتم عملية التفاعل الوظيفي والضروري لبقائها وقيامها بوظائفها.

وفي غالب الأحيان، يكون البشر مسؤولين عن تبسيط النظم الإيكولوجية، من خلال حرمانها من ميزة تنوعها الحيوي بأساليب عدة، وتكون مسؤوليتهم كبيرة في حدوث تفكك وانهيار تلك النظم وزوالها.

في الميدان الاجتماعي، يكون التنوع الثقافي في المجتمع هو المعادل لتنوع النظم الإيكولوجية. فالتنويعات الثقافية في المجتمعات: الاثنية والدينية والطوائفية.. إلخ، إنما هي تعبيرات عن مجموعات فريدة من القيم والمعتقدات والمواقف والتوقعات، إضافة إلى اللغات والرموز والعادات والسلوكات التي يمتلكها الأفراد بحكم مشاركاتهم الآخرين ببعض الخصائص المشتركة، ويمنحها هذا مزيدًا من الغنى والتوازن والاستقرار والقدرة على النمو والتطور. إنها في الخلاصة تعبيرات عن تعدد الخصائص والوظائف والمصالح وتشابكها وتكاملها.

إن غنى المجتمعات بالتكوينات الثقافية، ونجاحها في تفاعلها وتناغمها، يحتاج إلى بيئة سياسية ذات طابع ديمقراطي يوفر مستلزمات النجاح في إدارة تنوعاتها، فبينما تستطيع مجتمعاتٌ إدارة تنويعاتها جيدًا وتستفيد من مزاياه، هناك مجتمعات أخرى تفشل في ذلك، ويكون مصيرها الانجرار إلى الفوضى والتفكك الاجتماعي.

ويُعدُّ قبول التنوع في المجتمع، وإبداء الاحترام لمكوناته، مقدمةً ضرورية للنجاح في إدارة التنوع، أي إن كل شخص فريدٌ بذاته، وإن كل مُكون ثقافي نسيجٌ وحده، وأنه يجب الاعتراف بهذه الاختلافات الفردية والجمعية أيًا كان شكلها، سواء كانت دينية أو اثنية أو طائفية دينية أو مهنية أو معاشية وجنسية.. إلخ، وبالتالي هناك حاجة لاستكشاف هذه الاختلافات في بيئة آمنة وإيجابية، ولقبولها واحترامها.

يتم التعبير عن رغبة المجتمع ورغبة إدارته أو قيادته في إعمال مبدأي القبول والاحترام تجاه التنويعات الثقافية، من خلال إعلان تمسكها “بالحقوق الثقافية“، بغية تنظيم العلاقة بين حقوق الإنسان والحريات الأساسية من ناحية، والثقافة من ناحية أخرى.

وفي هذا الإطار، كان موضوع الحقوق الثقافية والحق في المشاركة في الحياة الثقافية على وجه الخصوص من الموضوعات التي نالت اهتمامًا كبيرًا، وتمّت صياغتها أول مرة في المادة 27 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان.

وهنا لا بد من التشديد على أن “إعمال الحقوق الثقافية” لا يعتمد على التدابير الموجهة نحو المشاركة الثقافية للمكونات فحسب، بل يحتاج أيضًا إلى الانتباه إلى الحقوق ذات الصلة، ومن بين هذه الحقوق حق الشعوب في تقرير مصيرها، ومن ذلك حقوقها الثقافية والسياسية.

وبالتأكيد، تتفاوت المجتمعات لجهة تعاملاتها وتصرفاتها حيال مسألة التنوع الثقافي، بين قبول التنوع والاحتفاء به على أنه مصدر غنى لجميع مكونات المجتمع، ويُمثل هذا المستوى أحد قطبي متصل، يكون قطبه المقابل رفض التنويعات الثقافية، وممارسة أقصى أنواع التمييز من جانب المجموعة المهيمنة، أو السعي لاحتوائها في داخلها، وهذا يعني زوال ثقافات وهويات الأقليات.

وبين نمطي القبول والرفض أو التمييز، يمكن المرور على نمط يوفر الحماية للأقليات وثقافاتها، متضمنة غياب أي نهج عدائي إزاء اختلافاتها الثقافية، في مقابل قبول الأقليات التنازل عن ميزات تختص بها الأغلبية الثقافية، مثل عدم التسامح معها في شؤون الشراكة في صنع القرارات العامة.

أنتجت جغرافيا سورية وتاريخها تركيبة ديموغرافية متعددة التكوينات الاثنية والدينية وتفرعاتها الطائفية، فضلًا عن تنوع تكويناتها الاجتماعية واللغوية.. إلخ، وشكّلت كما يحلو لنا أن نسميها بالموزاييك الديموغرافي السوري.

وهنا يبرز سؤال يتصل بطبيعة العلاقات بين المكونات أو التنويعات الثقافية في الديموغرافيا السورية، هل شكلت منظومة ذات خصائص واضحة يمكن الحديث معها عن وجود شعب سوري متعدد المكونات الاثنية والدينية والطائفية المتفاعلة فيما بينها اقتصاديًا واجتماعيًا وثقافيًا، أم لم تكن سورية أكثر من وعاء لتجميع مكونات منفصلة عن بعضها، أو متناحرة في ما بينها، فأفقدها ذلك صفة المنظومة الديموغرافية التي تتمتع بالوحدة في إطار التنوع؟ فالموزاييك ليس مجرد ركامِ قطعٍ ملونة موضوعة في إناء، بل هو تلك اللوحة ذات المعنى الذي تشكل منها عبر عملية صُنع حاذقة.

إن الإجابة عن السؤال المطروح مهمة، على الباحثين التصدي لها من أجل الوقوف على مدى سلامة ووحدة النظام الديموغرافي والثقافي السوري التعددي، ومدى تناغم العلاقات بين مكوناته، وآثارها على الهوية الوطنية السورية.

* باحث أكاديمي وأستاذ جامعي سوري

المصدر: حرمون