الحرية أولاً , والديمقراطية غاية وطريق

الحديث عن الوحدة في زمن السقوط

الدكتور جمال الأتاسي

أيها السادة:

     عندما تلقيّت دعوتكم الكريمة وقبل أن أفكر بموضوع حديثي هذا إلى منتداكم وجدتني وقد أخذت بي تداعيات الخواطر مذاهب شتى حول علاقاتي بهذا البلد الأردني وأهل هذا البلد وما كان لي في ما مضى من الأيام الغابرة من رفقة في النضال ومشاركات في العمل السياسي والقومي بل ومن رموز من هذا البلد كانت معنا وأمامنا في العمل العربي وما كان لنا من تطلعات وحدوية ومشاريع واحدة, وذهبت بي الذكريات بعيداً إلى بدايات المشاركة في العمل القومي.

     وأستدرك هنا لأقول أن هذه هي المرة الأولى في حياتي التي أدخل فيها أراضي الأردن وأزور عمّان وما عذري إلا أنني لعشرين سنة خلت كان هناك حرص من أهل الشأن في بلدي أن لا أغادرها, ومن قبلها، وقد يكون لأكثر من عشر سنوات كانت مداخل قطركم مغلقة في وجهي، ولعل ذلك جرى لأنني كنت من القائلين بسياسات أو أفكار لا تتفق مع توجهات أهل الحكم هنا، أوهناك، أو لما كانت عليه دواعي ضرورات الأمن المتبادل بين الأنظمة العربية المتجاورة. وهذه المسألة، مسألة الحدود، والحواجز الأمنية والجمركية وجملة المواقع والإجراءات التي تحجب شعوب الأمة الواحدة عن التواصل ببعضها وعن التكامل والتي تقوم في وجه تبادل وانتقال الأفكار والأشخاص والسلع والأموال بين أقطارنا التي نقول إنها أجزاء من وطن واحد لأمة واحدة تجمع شعوبها كلها مصالح مشتركة وتطلعات واحدة كما تواجهها تهديدات ومخاطر واحدة, هذه المسألة لا بد أن تكون مدخلنا أيضاً لأي حوار نفتحه في وجه التحديات المصيرية التي تعترض مستقبل أمتنا وتهدد وجودها كأمة, فالحواجز تقام بين شعوب الأمة العربية وكذلك الحصار وإثارة الفرقة والانقسامات داخلنا وفيما بيننا, بينما حدود العديد من أقطارنا وثغورها وأسواقها أصبحت مفتوحة كل الانفتاح في وجه أعداء الأمة والمشاريع الغازية وللطامعين في أرضها ومياهها ونفطها وثرواتها ومواقعها الاستراتيجية. إن مطالب حرية التعبير وحرية المواطن داخل أقطارنا وحرية التبادل والتواصل فيما بين شعوبنا وقوانا الوطنية لم تعد مطالب تتعلق فقط بقضايا الديموقراطية وحقوق الإنسان والمواطن بل إنها أصبحت وكأنها الضرورة التي لا بد منها لإسقاط الحواجز والحدود فيما بيننا ولتوحيد مواقفنا وقوانا في مواجهة أخطر هجمة إمبريالية تتعرض لها أمتنا ومنطقتنا العربية  في وقت لم يبق لنا فيه من رصيد إلا أن تعود وتتواصل وتنهض حركة الشعوب.

     تلك المسألة, مسألة الحواجز والمعوقات والفرقة والانقسامات التي تُمزق أمتنا ومجتمعاتنا العربية وتعطل قدراتها ومسألة الأخطار الزاحفة بأشكال ومشاريع متعددة تتهدد وجودنا ومستقبلنا والتي ليس هناك من رد عليها يكون في مستوى خطورتها واتساعها إلا تحرك عربي وحدوي جديد يصعد من مواقع متعددة في الوطن العربي ليصنع تضامن الأمة ووحدة قواها؛ هي المسألة التي أردت تقديمها عنواناً حين أردتم أن يدور الحديث حول وضعنا العربي واستشراف أساليب العمل القومي للتغيير باتجاه المستقبل وتحقيق الأهداف, والوحدة هي الهدف إنه هدف يراه الكثيرون مؤجلاً وبعيد المنال أو يضعونه في آخر أهداف نضالهم الوطني، ونراه اليوم ملحاً وقريباً، وتبقى المسألة من أين نبدأ..؟، وكيف..؟ .

     ها أنذا قد قفزت في طرحي للمسألة إلى النتائج والمطالب قبل الخوض في الأسباب والمقدمات ليبقى الهدف واضحاً أمامنا في كل ما نسوق من أفكار ومن شواهد وذكريات, وأعود وأبدأ من جديد بذكريات مضت وبتجارب كانت وجمعتني على طريق واحدة وفي نضالات وأعمال قومية واحدة مع أخوة ورفاق من الأردن.

     منذ أيام الشباب الأولى والدراسة الجامعية في دمشق شاركنا فيها معاً بتأسيس روابط وجمعيات وأحزاب قومية وحركات نضالية. لقد أسهمنا معاً في تأسيس حزب البعث وبعدها في انقساماته. وشاركنا في الدفع بخطى حثيثة على طريق الوحدة المصرية- السورية ثم في العمل الوحدوي الناصري بعد انفكاك الوحدة، وفي عام 1956 كان لنا دور في دعم تشكيل ذلك الجسر الاستراتيجي الثلاثي الذي استبق وحدة القطرين وقام بين سوريا ومصر والأردن لتضمها في حلف عسكري وميثاق عمل مشترك للوقوف في وجه الأحلاف الغربية والتهديدات الصهيونية، وإذا كانت الحلقة الأردنية هي التي تصدعت يومها من داخلها قبل غيرها فإنه يبقى دائماً في التصور والمخيلة كمرتكز استراتيجي لدفاع الأمة عن وجودها، وعلى آثاره نشطت بعد ذلك محاولات قيام الجبهة الشرقية في الأردن في موازاة الجبهة المصرية والتي كانت تشد إليها العراق والعمق الاستراتيجي للأمة في العراق وبنصرة العراق عام 1941 بدأت مشاركاتنا وعند نصرة العراق في حاضره لا بد لنا من وقفة في النهاية.

     ولا بد أن يكون واضحاً أمام كل عربي أن العراق ليس الدرع الواقي للأمة في وجه الغزاة والطامعين من الشرق فحسب بل هو جزء لا يتجزأ من وجود الأمة وكيانها وأي تهديد لانفراط عقده الوطني هو تهديد لوجود الأمة ومستقبلها….. ، إنها تجارب كانت، وأعود الآن إلى أولى تلك التجارب.

     كان ذلك في ربيع عام 1941 عندما نشبت ثورة رشيد عالي الكيلاني في العراق في وجه الاحتلال البريطاني إبان الحرب العالمية الثانية. وهب الشعب السوري يطالب بنصرة العراق. كنت في السنة الأولى من دراستي الجامعية. وفي جامعة دمشق تجمعنا طلاباً من أقطار عربية عدة ونادينا بالتطوع لنصرة العراق. وذهبنا نتصل هنا وهناك بمن يدلنا إلى طريق العراق وقيادة الثورة في العراق. وفي النادي العربي حيث كان يتلاقى مناضلون عرب من شرقي الأردن وفلسطين وسوريا ولبنان وجدنا مرجعيتنا. وكنا أربعة طلاب: أنا السوري وآخر لبناني وأردني من آل التل وآخر من آل عميرة- جرى اختيارنا لنذهب كطليعة أولى إلى بغداد تستكشف الطريق أمام رفاقنا، وتزودنا برسائل توصية من رموز نضالية عروبية معروفة, على رأسهم المرحوم الدكتور صبحي أبو غنيمة من الأردن ورفيقه الدكتور حجازي, حملناها إلى قادة العراق وإلى المفتي الحسيني والقاوقجي ومن تجمّع معهم من عرب إلى جانب الثورة في بغداد وتسللنا عبر الحدود ووصلنا بغداد بعد عناء فوجدناها تعج بالعديد من الزعامات الوطنية الفلسطينية والأردنية والسورية وقد اختلط فيها الحابل بالنابل. وانكسرت مقاومة الثورة قبل أن نقاتل في صفوفها وعدنا أدراجنا لنُحجز في معتقلات جيش الانتداب في سورية.

     لقد انكسرت تلك الثورة الغرة وكُبل العراق بالقيود البريطانية ولكنه ما انكسر في مخيالنا وفي مخيال الطلائع القومية في الشرق ذلك التصور لضرورة الوحدة العربية في مواجهة مشاريع الهيمنة الاستعمارية. لقد انكسر من قبل مع ثورة الحسين الكبرى الجيل القومي الذي سبقنا حين لم تقو تلك الثورة أن تحقق هدفها في إقامة دولة عربية موحدة تعم أقطار المشرق, بينما أقامت الدول الاستعمارية المنتصرة في الحرب العالمية الأولى نظاماً للشرق الأوسط نافياً للوجود العربي والوحدة العربية ورسمت الحدود وتوازعت السيطرة والنفوذ حسب اتفاقات سايكس- بيكو واحتلت بريطانيا وهي تحمل في حجرها وعد بلفور ومشروع الكيان الصهيوني بلاد فلسطين.

     تلك كانت صفحة من الصفحات التاريخية لما يسمى بالنظام الشرق أوسطي كنظام للسيطرة على منطقتنا العربية من قبل قوى الهيمنة والامبريالية العالمية وقبل تلك الصفحة وبعدها تتابعت صفحات ومشاريع ولعل أخطرها ما يجري ترتيبه والعمل له اليوم على قدم وساق.

     جيلنا ذاك الذي ناصر العراق وثورة العراق في الماضي والجيل العروبي الذي سبقه كانا يتطلعان إلى زحف تحريري للأمة ينطلق من بغداد وتلتف حوله الأمة ليطوي الحدود ويُبعد الطامعين والغزاة ويوحد الأمة. ولعله كان مترسخاً في مخيالنا الجماعي السيرة التاريخية لكفاح أمتنا, ما جاء عليه الرد التاريخي والمسار الاستراتيجي لأمتنا في مواجهة الحملات الصليبية التي داهمت بلادنا المنقسمة والمتنازعة وتملكت بيت المقدس, وتبقى أمامنا سيرة نور الدين الزنكي الذي انطلق من الشرق من الموصل وحلب ليوحد العراق وبلاد الشام كمنطلق للتصدي للزحف الصليبي ومن مشارقنا ذهب صلاح الدين الأيوبي إلى القاهرة ليُمسك بمصر، ومن مصر بعد نور الدين انطلق صلاح الدين بقوة الأمة الموحدة نحو المواجهة والتحرير.

     أما نحن فإننا عندما انكسرت بغداد وعاد وأمسك الاستعمار البريطاني بخناقها كما أمسك بفلسطين ومن قبلهما كان ممسكاً بمصر, ما كنا بعد في وعينا القومي والتحرري مددنا البصر إلى سيناء وما بعد سيناء, ولا كان عبد الناصر قد قام بعد في مصر ومد البصر عبر سيناء ليُمسك بالدور القومي الكبير لمصر وشعب مصر, وليتقدم بمشروعه القومي لاستنهاض الأمة ومواجهة التحديات.

     ما هذا حديث عن الماضي أو ارتداد إلى ماضٍ فات زمانه ورجاله بينما الأبصار مشدودة إلى ما يجري في الحاضر- وما يجري خطير- والأفكار مشغولة بما يُدبر لأمتنا وما يُرتب لمنطقتنا وما يتهددنا من كل حدب وصوب, وما تستجر إليه أو ما تجرجر بعضها إليه, أنظمتنا القطرية المستسلمة والتابعة والتي تُمسك هذه الأنظمة بخناق شعوبها ألا تتحرك أو تتجمع أو تقول وتوحد كلمتها في مواجهة هذا الزحف المنظم من الحلف الأمريكي- الصهيوني للسيطرة على المنطقة باسم التسوية السلمية وترتيب نظام شرق أوسطي جديد وإقامة سوق شرق أوسطية مشتركة. إن الولايات المتحدة الأمريكية على عجلة من أمرها اليوم فهي بعد أن كسبت معارك الحرب الباردة وحظيت بسقوط الاتحاد السوفييتي والكتلة الاشتراكية وبعد أن ضربت ضربتها في الخليج ودمرت العراق وطموحاته وفرضت حمايتها وقواعدها العسكرية على أقطار الخليج وأصبحت تتحكم في النفط وأموال النفط تريد أن تنجز مخططها الامبريالي الكبير, وأن تبقى القوة الكبرى المسيطرة في العالم, أمام القوى والتكتلات الدولية الكبرى الصاعدة في العالم والمنافسة لها في السيطرة على الأسواق العالمية.

     الولايات المتحدة الأمريكية هذه التي أصبحت مرجعية للعديد من الحكام العرب، والتي يستجدي المفاوضون العرب تدخلها في عملية التسوية كشريك كامل لتضغط وتدفع هذه العملية خطوات إلى الأمام, تعرف أنها ما كانت ولن تكون إلا شريكاً لإسرائيل وحدها, ولن تعمل إلا لتكون إسرائيل ركيزتها الكبرى الأقوى في قلب الشرق الأوسط هذا الذي تريده أن يمتد إلى الجوار الجغرافي ويتسع وتُصاغ علاقاته وروابطه بحيث لا تقوم للعرب قائمة.

     فما كان حديث الماضي إلا محاولة لمراجعة مسار هذه الأمة في محاولة لاستكشاف بعض من المرتكزات والتوجهات الاستراتيجية التي قام ويمكن أن يقوم عليها صمود الأمة ومقاومتها ولتستدل إلى الثغرات التي نفذت منها المشاريع المعادية وجاءت النكسات لتحكمنا الانفصالية القطرية وتتحكم بنا قوى الردة.

     إن هذا المشروع الزاحف للهيمنة على منطقتنا العربية, والذي يأخذ في كثير من جوانبه وكثير من المواقع التي احتلها شكلاً استعمارياً كاملاً, هذا المشروع الأمريكي- الصهيوني والذي قطع مراحل في التحقيق والتطبيق ليس جديداً على منطقتنا وأمتنا. فمنذ نهوض الثورة الناصرية في مصر وما أن حققت تقدمها على طريق تحرير المنطقة العربية من السيطرة الاستعمارية والتابعية السياسية والاقتصادية وحققت اختراقها الأول للنظام الشرق أوسطي القديم بتأميم قناة السويس وبانتصارها على العدوان الثلاثي عام 1956 إلا وتحركت أمريكا باتجاه المنطقة حاملة معها مشروعها البديل للهيمنة تحت عنوان مشروع أيزنهاور لملء الفراغ الذي أحدثه انحسار الاستعمار القديم من المنطقة. أما ملء الفراغ فيكون بحضور القوة الأمريكية وقواعدها وأحلافها العسكرية في المنطقة وبتكريس الكيان الصهيوني كقاعدة وقوة سيدة أولى في المنطقة وإدخال الأنظمة العربية في مصالحة وتحالف بالتابعية معها وبمد التحالف والترابط إلى إيران الشاه وتركيا, لوضع المنطقة تحت هيمنتها في مواجهة الاتحاد السوفياتي وضد تحرر العالم الثالث. وكانت تعمل لوضع الأقطار العربية وثرواتها ومواقعها الاستراتيجية تحت قبضتها ولتُمسك بخناقها مجزأة في إطار هذا المشروع، وكان من أهداف هذا المشروع واشتراطاته منذ البداية, الانفراد بمصر وإخراج مصر عن سياستها العربية الوحدوية. ولا بد أن يكون واضحاً أمامنا جميعاً أن الولايات المتحدة الأمريكية في النهج الإمبريالي العالمي لحكامها وفي مشاريعها الشرق أوسطية السابقة واللاحقة, وفي كل سياساتها وتعاملها مع بلادنا العربية وأنظمتنا تنطلق أولاً وقبل كل شيء من نفي وجودنا كأمة عربية واحدة, ومن تسفيه قاطع لقضية القومية العربية ومن معاداة أي تحرك يقوم نحو أية وحدة عربية, وهي لا تتعامل معنا إلا كأجزاء منقسمة وأنظمة قطرية متناحرة بل وتريد دفعنا لمزيد من التناحر والانقسام. هكذا عملت في الماضي, وهكذا تعمل اليوم. لهذا وقفت في وجه عبد الناصر ولهذا قاتلتنا مع إسرائيل في حرب حزيران, ولهذا حبكت عملية “عاصفة الصحراء” وأرادت أن تجعل من حربها الخليجية ضد العراق مقبرة للقومية العربية .

     وهكذا فالتناقض يبقى كاملاً بين المخططات والمشاريع الأمريكية وبين أي مشروع لنهوض أمتنا والسير بها على طريق بناء قوتها ووحدتها, وهذا لا بد أن نضعه دائماً في الحسبان حين نتعامل مع السياسات والمشاريع الأمريكية.

     لقد رفض عبد الناصر في عام 1956 بكل قوة مشروع أيزنهاور ووقف بالأمة كلها ضد الأحلاف ومشاريع الهيمنة الإمبريالية وقال عبد الناصر لا فراغ عندنا بعد جلاء الاستعمار, والفراغ يملؤه حضور الأمة وتضامن شعوب الأمة في وجه التحديات, ووقف في بور سعيد بعد تحريرها منادياً: ’’إن الوحدة العربية هي استراتيجيتنا في مواجهة أعداء الأمة وفي الرد على التحديات. وتحركت شعوب على طريق التحرير وعلى طريق الاستقلال وعلى طريق الوحدة‘‘.

     صعدت شعوبنا بنضالها الوطني نحو الاستقلال وحققت الاستقلال وقلنا ها قد انزاحت عقبة كأداء عن طريق الوحدة فجاؤونا بإسرائيل وزرعوا هذا الاستعمار الاستيطاني في قلب أمتنا, وجاءت معها التحالفات والأحلاف وظلت الأنظمة على التابعية وأخذ النفط يكثر في أرضنا وتكبر الأطماع. ولكن شعوبنا تيقظت وصممت على الوحدة طريقاً للمنعة والقوة، وبإصرار لا مثيل له حققنا وحدة مصر وسوريا وحسَبنا أن باب التاريخ انفتح لمستقبل عظيم لأمتنا. ولكن الوحدة وقتها لم تقو على أن تتقدم وتشمل. فهي ما لبثت أن كُبلت من داخلها وحوصرت من كل الأطراف إلى أن اغتالتها مؤامرة الانفصال …. وحسبنا أننا تعلمنا دروساً وعبرة.

     انكسرت الوحدة الاندماجية بين مصر وسورية ولكن مصر عبد الناصر بقيت جمهورية عربية متحدة وبقيت حاملة لمشروع نهوض الأمة وبقيت مصر كجمهورية عربية متحدة قلعة للقومية العربية ومرجعية وسنداً لكل قوى النضال العربي وعندها وحول قيادتها كانت تلتقي شعوب الأمة وتتوحد كلمتها وإرادتها, وتلك كانت القاعدة والأساس لوحدة الأمة, وكم من انتصارات وطنية تحققت في أرجاء الوطن العربي في تلك الحقبة, بل وكم من انتصارات لحركات التحرر الوطني في عالم المظلومين تحققت ودكت الكثير من مرتكزات نظام الشرق الأوسط كنظام للهيمنة الغربية وكدنا نشكل في النظام العالمي كتلة مستقلة ونهجاً جديداً وبرغم كل الأزمات والمصاعب التي مرت بها أقطار الأمة والصراعات التي تفجرت , فقد ظلت مصر عبد الناصر ممسكة بترابط قوى الأمة وبنهوض حركة شعوبها, وظلت الوعد الكبير بوحدة هذه الأمة.

     ومن أجل هذا, من أجل تدمير هذا المرتكز العربي للنهوض والقضاء على الوعد والأمل, أحكم الحلف الأمريكي- الصهيوني تواطؤه وضرب ضربته الغادرة في حرب حزيران, وداهمتنا هزيمة حزيران تقطع مسيرة النهوض وتهدد وجود الأمة. وكادت المؤامرة تحقق أهدافها وكادت تذهب بـ عبد الناصر ومصر عبد الناصر, ولكن حركة الشعوب هي التي صمدت في وجه الهزيمة، وكان مازال هناك شعوب وحركة شعوب, وتمسكنا بـ عبد الناصر وبنهج عبد الناصر في المواجهة وفي تجديد بناء القوة وتجديد بناء تضامن الأمة فما انتكسنا على أعقابنا ولا تزعزع إيماننا بقضية أمتنا ومستقبلها.

     يومها كان هناك عبد الناصر وكانت حركة الشعوب تلتقي عند عبد الناصر وتتوحد بنهجه وكان هناك خط سياسي وفكري ونضال ناظم لحركة شعوب الأمة وتوجهاتها نحو أهدافها، وقضى عبد الناصر، وقلنا إذا ذهب عبد الناصر فقد بقيت مصر عبد الناصر وكل ما صنعته حقبة عبد الناصر في مصر وشعب مصر ولدى الشعوب العربية وبقي كل من حملوا مهمات قيادة الأمة معه ومن حوله وفي الوطن العربي وكل من يتطلعون لوحدة الأمة؛ ولكن حركة الردة كانت قد بذرت بذورها وتقدمت والقصورات الديموقراطية في أنظمتنا وعلاقاتنا حالت بين وعي الشعوب وأن تبصرها وتتبصر منها.

     إلا أن قدراً من الاستمرارية في حركة الشعوب وتصميمها وتلاقيها على الهدف الواحد بقي يدفع. هذا قبل أن تُجهز قوى الردة وأن تضرب الثورة المضادة ضربتها معززة بإرشادات الإمبريالية الأمريكية ومساعداتها التعويضية. وفي مناخ هذه الاستمرارية اندفعت الجيوش إلى القتال ووقفت شعوب الأمة كلها مع المقاتلين، أن استمروا, وكان العبور العظيم بل وفي هذا المناخ دخل سلاح النفط العربي المعركة. ثم جاء الأمر بالتوقف وجاء التحول الخطير.

     نستطيع أن نقول وبحق أن عبد الناصر هو الذي صنع العبور وبما أنجز عبد الناصر وأعد وبما دفعت إليه وحدة الأمة وتصميم الشعوب كان التقدم إلى المعركة وكدنا نسجل نصراً عظيماً. وإرادة الأمة الواحدة بدأت المعركة لتكملها إرادات غيرها ولتتدخل منها مصالح كبرى مناقضة لمصلحة الأمة. ثم كانت الثغرة وجاء التحول والالتفاف واتفاقات فك الاشتباك. وقال السادات أنه لا يقوى على محاربة أمريكا وأن بيدها 99% من أوراق اللعبة وسلم لإسرائيل بما سلم وقال هذه آخر الحروب .

     لقد أخرج السادات مصر من الحرب وأخرجها من قيادة الأمة وكفاح الأمة ووحدة كلمة شعوبها، وهكذا قدمت الانتصارات التشرينية للحلف الأمريكي الصهيوني كل الثمرات التي أراد أو أمُل بجنيها من حرب حزيران وفشل في تحقيقها. وبعد خروج مصر انسحب سلاح النفط شيئاً فشيئاً وخرج النفط وأموال النفط من معركة الأمة ليوضعا تحت سلطة وسلطان أعدائها كما وظفا حيناً بعد حين لتنمية تابعية الأنظمة وتسلطها ولصعود طبقات الفساد والإفساد وتغذية المصالح الإقليمية.

     لكأن تحفز الأمة في حرب تشرين أو بالأحرى في الأسبوع الأول من تلك الحرب كان الطلقة الأخيرة في مدفع الحركة الشعبية العربية الموحدة الهدف والدافعة للتعاون ولوحدة الأمة. ومن بعدها انحسر التيار وتبعثرت القوى وأخذت تتوالى حلقات السقوط بدءاً من أقطار الطوق وامتداداً إلى الأعماق الاستراتيجية لمقاومة الأمة. صعدت الردة في مصر وأخذت تصعد في أكثر المواقع العربية واستعادت مصر سيناء مجردة وخرجت بمليارين من المساعدات الأمريكية تعويضاً لما خسرته عربياً .

     خرجت مصر ولم يجد العرب الذين اجتمعوا عام 1978 في بغداد لتكريس خروجها بديلاً لا في قطر مرتكز ولا في كتلة مواجهة شرقية, وبدل التجمع والوحدة حل التعادي والفرقة بل وتفجرت أقطار من داخلها وقامت حروب أهلية وتمزقت شعوب ومجتمعات إلى أن كانت الطامة الكبرى في تلك التي يسمونها حرب الخليج الثانية والتي لم تكن مجرد حرب لإخراج العراق من الكويت بل جاءت حرباً عالمية شنتها الإمبريالية الغربية الجديدة بزعامة أمريكا لتدمير العراق وما كانت قد أخذت تعد به وتتوعد قوة العراق. ولإخضاع الأمة العربية وتشتيت شملها بل ولتأديب عالم الجنوب كله. وفي هذا السياق يأتي ما يتلاحق اليوم في السياسات الأمريكية ومسارات التسوية وكل ما تحبكه من مشاريع شرق أوسطية. فذلك الاهتمام المدبر الذي عبر عنه الرئيس الأمريكي السابق بوش في خطاب النصر على العراق في 6 أيار عام 1991 بشؤون الصراع في الشرق الأوسط والمبادرة الأمريكية التي تقدم بها وكأنها مكافأة للأنظمة العربية التي وضعت مقاتليها تحت إمرته, نلمس اليوم وبعد المسار العسير الذي بدأ من مدريد قبل 20 شهراً إلى أي فراغ وتفريغ عربي يرمي….

     ذكرت في البداية ما كان من أمر مبدأ أيزنهاور في ملء الفراغ والمشروع الذي تقدمت به أمريكا عام 1956 بعد أن وقفت مع مطلب إجلاء قوات العدوان الثلاثي عن أرض مصر ونهضت القومية العربية ونهضت حركة الشعوب وقضية وحدة الأمة تملأ المنطقة, ولكن الولايات المتحدة أخذت تعد حليفها الاستراتيجي وتمده ليضرب ضربته العدوانية في حزيران عام 1967 هادفة إلى تفريغ المنطقة من القومية العربية ومن مقومات وحدة الأمة ومرتكزات صمودها وقوتها . لقد ضربت ضربتها أولاً في مصر وأخرجت مصر بعد أن كبلتها بالصلح المنفرد واتفاقات كامب ديفيد ووضعتها من حيث التابعية في حلف مشترك مع إسرائيل. ثم بعد ذلك وعندما نهضت قوة العراق استدرجت العراق لمصيدة الكويت وضربته تلك الضربة الصاعقة.

     بقيت بعد هذا كله سورية, وسورية أياً ما تعثرت الأيام تبقى قلباً للعروبة ومركزاً مُحتملاً لتجديد تجمع عربي ونهوض, ولهذا كان الالتفاف عليها ومن حولها من قبل في لبنان والالتفاف اليوم ومن ثم في مسار التسوية وبين الوعد والوعيد تراهن الولايات المتحدة الأمريكية على وضع سورية في مسار كامب ديفيد وإخراجها أيضاً من ميدان الصراع.

     وهي في عملية التفريغ هذه لاتقف عند حد. إنها مازالت تشغل وتشاغل مصر بكل الفتن التي تحبكها مع شريكها الصهيوني وكل المشاريع التي تسوقها لكي لا تقوم لمصر قائمة عربية من بعد وهي تظل تضرب في العراق لكي لا يبقى من عراق وهي تداور سورية.

     هذا جانب من حال الأمة وما يبيت لها ولقطع طريق وحدتها ومستقبلها وإذا ما ركزنا على هذا الجانب القاتم فليس لنقع في اليأس وإنما لكي لا تبقى هناك تبريرات ومخادعات للنفس. فالأمة التي نهضت في الماضي وعلّمت العالم قيم الحق والعدل، وأمتنا التي أمسكت بطريق التحرير والنهوض في الخمسينات والستينات من هذا القرن, مازالت تحمل كل مؤهلات النهوض من جديد وما قام النهوض إلا بإرادة الشعوب الحرة وحركة الشعوب.

     والعودة إلى تلك الطريق لا تكون إلا بعودة حركة الشعوب ومبادراتها الحرة وما السبيل إليها إلا الديموقراطية, ومعركة الديموقراطية تبقى أشرف معاركنا القومية والوطنية اليوم, وبكسبها ينفتح الطريق أمام حركة الشعوب, وأمام إمساكها بمصائرها، وينفتح الطريق إلى الوحدة وإلى المستقبل.

     ولقد جئناكم اليوم ونحن نعتقد أنكم في هذا القطر العربي المناضل قد تقدمتم أشواطاً سبقتم فيها غيركم على هذا الطريق ومن هنا نعود ونبدأ حديثنا عن الوحدة.

     ففي غمرة السقوط وتوالي حلقات التراجع والسقوط التي انتابت العديد من النظم العربية وعصفت بجامعة النظم العربية كان لهذا القطر العربي وشعبه العظيم وقفة مميزة نسجلها له بكل اعتزاز لأنها كانت التعبير الأقوى عن صلابة وحدته الوطنية.

كان ذلك أيام الأزمة الكويتية- العراقية وحرب عاصفة الصحراء وعلى مدى الأشهر الست التي تلاحقت فيها أحداث تلك الأزمة الكارثة. فقد تفرد هذا البلد- هذه المملكة الأردنية الهاشمية- من بين أقطار الأمة كلها بوقفة وطنية شجاعة ومسؤولة في تعبير وطني ديموقراطي وقومي موحد لكل الأردن حكومةً وشعباً ولكل الشعب على مختلف أحزابه وفئاته الاجتماعية وكان إعلامه أروع وأصدق إعلام في التعبير عن مكنونات هذه الأمة وإرادة شعوبها هذا في الوقت الذي كان فيه الأردن معرضاً لأفدح الأخطار وهو على أطول جبهة مع العدو المتربص ومحاصراً بكل الضغوط والتهديدات.

     كتبت يومها كلمة في نشرة ” الموقف الديموقراطي ” للتجمع الوطني الديموقراطي السوري وجهت فيها تحية التقدير والاعتزاز لشعب الأردن وإعلام الأردن إذ وجدت فيما يعبران به ويعبران عنه قدوة ومحصلة خطوات من التغيير الديموقراطي وقلت إن قبساً من الديموقراطية له فعله في إيقاظ وعي الشعب وتلاحم قواه الوطنية ما لا يفعله أيُ شيء آخر وبذلك القبس من الديموقراطية قدرتم على ما لم يقدر عليه غيركم من تعبيرٍ حر ومن أن يكون الموقف الرسمي تعبيراً عن إرادة الشعب وتوجهاته.

     ورأينا ولا بد أن نرى اليوم أكثر كيف أن الديموقراطية حين يتمتع فيها المواطن بحقوقه وكرامته وحرياته تطلق مبادراته وترقى بوعيه القومي وممارسته لمسؤولياته والتزامه بمصلحة الأمة وأهدافها.

     وإذا كان الأردن قد دفع ومازال ثمناً غالياً بسبب ذلك الموقف القومي المحرك والقدوة وإذا كانت هناك عمليات حصار متعددة الأطراف وضغوط كثيرة تمارس اليوم لكي يتراجع ويتبع الموكب ويتخلى عن تجديد مثل تلك الوقفة الواعية والشجاعة فإن الذين يتطلعون لاستنهاض شعوب الأمة على طريق الوحدة يظل الأردن أمامهم يوحد ويجمع.

     إن محنة الخليج تلك كانت من أصعب المحن التي مرت بها أمتنا ومازالت تعاني آثارها الخطيرة وكانت امتحاناً سقطت فيه الكثير من المواقع التي كنا نحسبها حصينة وسقطت من بعدها وتمزقت قوى, ولكننا هنا ومن هنا لا بد أن نكون قد تعلمنا من التجربة دروساً أولها: كيف نصوغ وفي ظروف الخطر بالأسلوب الديموقراطي الوحدة الوطنية لقوانا الشعبية على مختلف اتجاهاتها لتكون إرادة واحدة. وثانيها: أن أي موقع عربي تنهض فيه مثل هذه الإرادة القومية الموحدة والحرة لشعبه, وإن لم يكن الموقع الكبير أو الأكبر, وإن أية قيادة وطنية تلتحم بإرادة شعبها وتعبر عن هذه الإرادة, لا بد أن يؤدي دوراً توحيدياً, ويُشكل مرتكزاً لتجمع قوى الأمة, القوى التي تعمل للوحدة والمستقبل.

     وما نريد أن نبشر به وندعو له هو أن تتعدد هذه المواقع والمواقف الموحدة وتتلاقى ولا يفت في عضدها وتعاضدها ما تراه أمامها من تساقط وسقوط.

     ما أتيت إلى هنا كباحث ومنظر لأحاضر عن الوحدة العربية ومقوماتها وضرورتها فما أنا إلا رجل من العاملين في الحقل السياسي القومي ومن جيل رهن حياته وفكره من أجل العمل لتحقيق الوحدة العربية مؤمناً أن الوحدة هي طريق المنعة والقوة. ولكننا الجيل الذي سطر على جبينه، وسجل لحساب مشروعه التحرري الوحدوي الاشتراكي أو ثورته القومية الديموقراطية، هزيمة حزيران . ولهذا أسماه البعض جيل الهزيمة وأتشبث بأننا كنا ومازلنا جيل الالتزام وجيل التواصل والاستمرار. فمن معاناة شعبنا الطويلة ومن تاريخ أمتنا تعلمنا وعن أساتذة وقادة في النضال القومي سبقونا هنا وهناك أخذنا. وكان عنفواننا أيام صعود عبد الناصر وبمشروع عبد الناصر لتوحيد قوى الأمة في النهوض بها أخذنا ومازلنا. وحضور عبد الناصر في حياة هذه الأمة وما كان لقيادته من فعل في استنهاض حركة شعوبها كانت فرصة تاريخية كبيرة لتوحيد أمتنا فوتناها وفوتتها علينا الكثير من القوى التي تنطعت يومها لقيادة الأمة وما فعلت إلا أن شتتت مسالكها. بعد هزيمة حزيران عاد عبد الناصر وأمسك معززاً بإرادة شعوب الأمة وعاهد عبد الناصر أمته وعاهدنا معه على مواصلة الكفاح دون توقف حتى النصر في معركة إزالة كل الآثار التي خلفتها حرب حزيران وإزالة وصمة الهزيمة عن جبين أمتنا لتستأنف مسيرة تقدمها نحو أهدافها.

     ولكن الردة جاءت بعد عبد الناصر وأسقطت ما أسقطت وقطعت أواصر وحدة الشعوب وتلاقيها وبعثرت قوى الأمة..

     وها نحن من جديد في مواجهة ظروف عربية وإقليمية ودولية لم تكن أصعب منها الظروف التي قامت الثورة الناصرية في مواجهتها وتكاد تطرح علينا المسائل ذاتها التي كانت تعترض سبيل نهوض أمتنا. وإذا كان عبد الناصر تركنا وأثقال هزيمة حزيران مازالت تثقل كاهل أمتنا فإن القيادات والأنظمة القطرية التي أعقبت سطرت على كاهل الأمة أفدح الهزائم وأخطرها وهي تلك التي استجرتنا إليها وألحقتها بنا أمريكا والحلف الصهيوني وراءها في حرب الخليج, فهي لم تكن هزيمة للعراق وحده بل هزيمة للأمة ووحدة الأمة أو هذا الذي أريد لها وبات على الأمة أن تواجه أولاً وقبل كل شيء إزالة الآثار التي خلفتها تلك الهزيمة لكي تعود الأمة وتقوى على مواجهة قضاياها وتحديات وجودها وهذا ما يطرح على قوى الأمة، كل قوى الأمة، مهمات ليس لجيل أن يقوم بها أو ببعضها لوحده. كما أن أي زعامة تعجز وحدها عن القيام بهذه المهمات أو بعضها، فهي بحاجة للأخذ بكل حكمة تاريخ هذه الأمة وبتجميع كل قواها على نهج واحد ومواقف واحدة في المواجهة.

     وبعد أن تكسّر الذي تكسّر من مرتكزات صمود الأمة وحلقات وحدتها تذهب قناعاتنا إلى أن حركة استنهاض الشعوب والدفع على طريق توحيد قوى الأمة لا بد أن تعود وتصعد من هنا من المشرق مثلما بدأت من قبل. وإذا ما نظرنا إلى الأمور بمنظار استراتيجي يستمد مقوماته من الخبرات التاريخية لأمتنا لوجدنا التركيز على موقعين: مصر هناك والجبهة الشرقية هنا والجسر الاستراتيجي الذي مدته تجربة الوحدة بين مصر وسوريا. وإذا كانت استعادة مصر لدورها مهمة تعود لشعب مصر وحركته الوطنية الديموقراطية فإن إحياء الجبهة الشرقية لن يكون إلا بإحياء لحركة توحيد شعبية تنطلق من المشرق العربي وتتناول أول ما تتناول مهمة الجمع بين سورية والأردن والعراق, وتلك مهمة قد تبدو عسيرة بعد كل ما قام على طريقها من عُقد وعقبات. إلا أنها الضرورة التي تفرضها المخاطر التي تتعرض لها الأمة وتتهدد الجميع كما تبقى السبيل لإيجاد منفذ للتقدم نحو المستقبل وعلى هذا الطريق لا بد أن نستنهض القوى الوطنية الديموقراطية لهذه الأقطار ونستنهض إرادة الشعوب.

     ولتكون هناك شعوب تتحرك ولتكون هناك مجتمعات وطنية وإرادة شعوب حرة تفرض نفسها لا بد أن يتقدم التغيير الديموقراطي في مجتمعاتنا العربية وأن تُرفع القيود التي تقيد حرية الشعوب وتفتتها داخل أوطانها فالقصور الديموقراطي في تركيب أنظمتنا السياسية وفي تكوين مجتمعاتنا المدنية وفي بناء قوانا السياسية ووحدتها الوطنية توظف كلها لصالح القوى المعادية للأمة ومشاريع الهيمنة عليها حين تعطل حركتها وقواها أو تبددها في صراعاتٍ لا تنتهي.

     فراية الديموقراطية وحقوق الإنسان وكرامة المواطن وحرية الكلمة والتجمع الوطني لا بد أن تبقى دائماً مرفوعة أمامنا ونحن نتقدم على أي طريق في العمل الوطني والقومي, ولا أرى من طريق نتقدم عليه ويكون في مستوى التحديات التي تواجهها أمتنا والتصدي للأخطار الزاحفة ومشاريع الهيمنة المعادية إلا طريق الوحدة. ذلك كان ومازال الرد الطبيعي والتاريخي للأمم وبه تشكلت المجتمعات الوطنية ودولة الأمة.

     وطريق الوحدة ليست واحدة ولا تنطلق من موقع واحد وليست طريق زعامة أو قوة واحدة ولكنها تستهدف تضامن قوى الأمة ووحدة كلمتها ووقفة واحدة لكل من تجمعهم وحدة الهدف ووحدة المصير في مواجهة ما يُبيت لهذه الأمة وهذه المنطقة.

     ولكن الطريق إلى ذلك ليست معبدة ولا بد من تذليل العقبات التي تعترض سبيلها وثمة خطوات كثيرة لا بد أن تقوم ومراحل لا بد أن تُقطع ومواقف لا بد أن تُحسم ومطالب للشعوب لا بد أن تتقدم ولا بد لكل من يستطيع رفع صوته أن يتكلم وأن يوضع الجميع أمام مسؤولياتهم الوطنية والقومية والتاريخية. ولن أدخل في تفصيل كل المطالب.

     مطلوب أن تتحرك الشعوب وتضغط وعلى كل الأنظمة لإزالة ما خلفته حرب الخليج الأمريكية الصنع من آثار ودمار على الواقع العربي والعلاقات العربية وأن تعود الجامعة العربية لتؤدي دوراً جماعياً وفاعلاً ومُلزماً وأن يعود ميثاق الأمن الجماعي العربي والدفاع المشترك وأن يستبعد ويخرج ذلك النظام الأمني الدخيل الذي فرضته القوة الأمريكية في الخليج وأعادت فيه مع حلفائها القواعد والمصالح الاستعمارية إلى منطقتنا.

     مطلوب رفع الحصار والمقاطعة عن العراق وليبيا وإدانة التدخل الأمريكي وضرباته العدوانية وأن تُعلن الحكومات العربية مجتمعة إنهاء هذه المقاطعة وهذا لن يكون خروجاً على القرارات الدولية التي فرضت بالأصل تعسفاً من الولايات المتحدة وفي الوقت الذي لم تلزم فيه نفسها بقرارات أخرى.

     مطلوب التقدم بمشروع السوق العربية المشتركة والتكامل الاقتصادي العربي وما يتطلبه من إجراءات في موجهة المشروع الإمبريالي الصهيوني للسوق الشرق أوسطية. هذه وغيرها من المطالب والمواقف وبخاصة تلك المُلحة والتي تتعلق بالموقف العربي الموحد في مواجهة ما يُطرح من مشاريع وتنظيمات شرق- أوسطية وما يرتب من مستويات وفي التصدي لاحتمالات المستقبل القريب وما يتهدد من مخاطر تفترض الدفع على طريق تضامن عربي ومُصالحة، إلا أن المصالحات بين الأنظمة لن تكون مجدية وتضمن المصالح العليا للأمة والشعوب ما لم تأت عبر مُصالحة ديموقراطية بين الأنظمة الحاكمة وشعوبها بحيث تتحقق سيادة الشعوب وتنطلق حركة الشعوب.

     ولا بد للحكام أن يدركوا في النهاية أن الحكم وشرعية الحكم واستقراره إنما تحميه إرادة الشعوب وتحميه الوحدة والسياسات الخارجية الموحدة والاستراتيجيات القومية التي تعزز الاستقلالية عن قوى الهيمنة الخارجية والانفتاح كل الانفتاح بين قوى الأمة وأقطارها, ولا تحميه الأجهزة والمساعدات الخارجية ولن تحمي أحداً بالتأكيد الرعاية الأمريكية.

     ولكن هذا الذي طالبنا به ونطالب ليس بعد شيئاً من الوحدة التي نأمل، وما هو إلا التمهيد وتذليل عقبات على الطريق وإنه ليس بعّد الصمود على طريق الوحدة, بل هو العمل لإيقاف الانهيار وتوالي حلقات السقوط, ولكن هل نقف عند هذا وننتظر بينما الأخطار والمشاريع المعادية تزحف من بوابتنا الشرقية حتى أقاصي الغرب؟.

     نحن هنا في مشرق الأمة ونتطلع إلى حركة توحيد عربية تبدأ وتصعد من المشرق لتلم سورية والعراق والأردن ويشد أزر لبنان ولا يُفرق ويحمي ظهر الفلسطينيين والمقاومة ليكون للفلسطينيين كيانهم المستقل ودولتهم العربية الحرة وتنتظم في عقد الأمة الواحدة…. قلنا لنتحرك من المشرق ولتتحرك مطالب الشعوب وإرادة الشعوب لتعود وتضع قضية الوحدة في برنامج نضالنا اليومي ولتلتقي عليها برامج ومطالب أحزابنا وقوانا الوطنية كلها بعد أن طُويت ووضعت كهدف مؤجل وبعيد .

     قلنا بصعود من المشرق لا على سبيل التحديد والحصر بل نريد لو أنه يأتي من مواقع عربية متعددة. ولقد أعطت وحدة اليمنين من قبل مثلاً ودفعاً وسنكون جد سعداء إذا ما سبقتنا وبدأت من أقطار المغرب أو من مصر والسودان. وأنا من الذين ما تصوروا وعلى مدى العقود الأربعة الماضية نهوضاً عربياً وحدوياً إلا أن تكون مصر ركيزته وشعب مصر طليعته ومنطلقه. ومازال لدى شعب مصر أياً ما انقلب المرتدون رصيد وحدوي كبير ومطلوب أن تعود مصر وأن يعود شعب مصر يأخذ دوره الذي كان. وهذا لا يكون إلا في نهج آخر غير هذا النهج الساري المفعول وفي دورٌ يختلف عن ذلك الذي مارسته عربياً وأمريكياً في حرب الخليج. ودور مصر أن تكون طليعة كفاح وتحرير وتوحيد للأمة وأن تعطي القدوة وليس دورها أن تتبع أو أن تكون وسيطاً بين العرب وأمريكا وإسرائيل ولا أن تفتح أبوابها وأسواقها لترويج المشاريع الغازية…

     إلا أننا هنا في المشرق والمخاطر الكبرى تتحرك في اتجاهنا، ومسؤوليتنا أن نتحرك وأن نتنادى للوحدة ونتوحد فالتهديدات تحيط بنا من كل جانب، زحف إمبريالي جديد للهيمنة واستعمار استيطاني يتوسع ويقوى ومياهنا تُنهب وحدودنا تستباح وتزداد مطامع الجوار الإقليمي بنا, وتمضي الأمور نحو تشكيكنا بوجودنا القومي وبحقوقنا التاريخية والإنسانية وسلبنا هويتنا الثقافية والحضارية بعد أن استعمروا النفط العربي وأموال النفط بل وأصحاب النفط بالتابعية. وهكذا أصبحنا من جديد أمام تحدي أن نكون أو لا نكون.

     ولقد سبق أن استشهدت بمعرض حديث عن القومية العربية بحكمة من قال:
(إن الأمة التي تضعها الظروف التاريخية والأخطار التي تتهددها أمام ضرورة وحدتها ولا تفعل وتقيم كياناً موحداً فإنها لا تلبث أن ترتد إلى عصر بربريتها…).

     وهذه حالنا ولكأن تلك البربرية لم تعد مجرد تهديد بل هي أخذت تجتاح عدداً من أقطارنا حروباً أهلية وصراعات ونزاعات طائفية وعشائرية وإقليمية لتعود مجتمعاتنا إلى الانقسامات ما قبل الوطنية والقومية .

     وبعد هذا أعود وأقول إن العمل من أجل الوحدة هي المهمة الملحة اليوم وليست للمستقبل مهمة الجيل العربي الراهن الذي يتصدى اليوم لقيادة مجتمعاتنا العربية في مختلف المواقع الوطنية والشعبية مسؤولية هذا الجيل وليس الذي يأتي بعده، وإلا فإن الجيل القادم لن يبقى أمامه شيء ليوحده بل وقد لا يعود جيلاً لأمته وإنما لأمم أخرى وأوطان غير أوطانه الأصلية هذا إذا فُتحت أمامه أبواب المهاجر.

     وإذا كان من كلمة في الختام لإعطاء منظور أشمل للأمور فلا بد من القول أننا نعيش اليوم مرحلة من الانهيارات الكبرى في العالم وكذلك من التكتلات الكبرى والتجمعات والكل يتطلع إلى ما سيستقر عليه النظام العالمي واستقطاباته، والكثير من الأمم تعيد حساباتها وتوازن مصالحها أو تعيد تشكلها. ولكن أمتنا مهددة ولا تستطيع الانتظار، ومنطقتنا ( ونقول منطقتنا العربية ولا نقول الشرق أوسطية) تبقى محط الأنظار وتبقى المستهدفة ولكأنها عقدة العقد فيما يمكن أن يستقر عليه أو لا يستقر نظام عالمي جديد ومن منظور وطني يرفض التابعية والخضوع, ومن منظور إنساني يرفض تسلط قوى الإمبريالية والنهب العالمي للأرض والشعوب, ومن منظور تاريخي لأمتنا وقدر أمتنا ورسالة أمتنا نقف لنقول أن لا قيام لنظام عالمي عادل وعلاقات تبادل منافع ومصالح بين الدول وعلاقات أخوة وجوار بين الشعوب وان لا استقرار في العالم وبين شمال وجنوب ما لم تستقر هذه المنطقة على وجود عربي قائم بذاته لأمة عربية حرة و موحدة لا تخضع لإمبريالية تغزوها ولا لاستعمار يستوطن داخلها ولا تتبع لاستقطاب عالمي تنشد السلام في العالم وتصنع سلامتها وسلامها حين تصنع وحدتها.

جمال الأتاسي في المنتدى العربي – عمًان – الأردن – 1994