الحرية أولاً , والديمقراطية غاية وطريق

ليل سوريا الطويل

بكر صدقي *

الواقع أنه ليل طويل في الإقليم كله، وما تخصيص سوريا إلا لأنها بلدي. لا شيء يدعو للتفاؤل بالنسبة لجميع دول هذا الإقليم الذي وصف في أدبيات الإدارة الأمريكية في مطلع القرن بـ«الشرق الأوسط الموسع» الذي كان موعوداً وفقاً للمحافظين الجدد بمستقبل مشرق من الديمقراطية والازدهار وإذ به، بعد عقدين من السنوات، في ليل حالك عنوانه الموت والدمار وفقدان أي أفق مستقبلي.

يستسهل تيار عريض يضم اليسار واليمين، إسلاميين وعلمانيين، قوميين واشتراكيين، يستسهلون الأمر بإلقاء اللوم على «الشيطان الأمريكي» على رغم تغير الإدارات هناك، وعلى رغم الفرص الكبيرة التي أضاعتها دول المنطقة للخروج من مأزقها، وعلى رغم بروز «شياطين» أخرى، روسيا والصين بصورة رئيسية.

واقع الحال أن أنظمة الحكم الفاسدة والدموية المتمسكة بالسلطة إلى الأبد هي شيطاننا الأبرز الذي يتحمل كامل المسؤولية عما نحن فيه، بما في ذلك فتح الباب للشياطين الأخرى بالتدخل لتحديد مصائرنا، وإن لم يكن شيطاننا الوحيد. لنتخيل، فرضاً، أن تلك الطغم المتسلطة قد فكرت لحظة واحدة بمسؤولية وطنية في مواجهة ثورات الشعوب التي طالبت بإسقاطها. فالمسؤولية الوطنية تقتضي التخلي عن الحكم أمام موجة شعبية عارمة تطالب بذلك بعدما يئست تلك الشعوب من إمكانية إصلاحها. مؤكد أنه لا شيء يضمن أن تمشي الأمور نحو الأفضل ببساطة، فالواقع أكثر تعقيداً من توقعات مفرطة في التفاؤل. لكن التغيير السياسي كان من شأنه فتح الباب أمام مجتمعات بلداننا لتقوم بتحديد مصائرها، وقد يتطلب الأمر فترة قلقة غير قصيرة من البحث عن الخيارات الأفضل. وفي غضون ذلك كانت ستتغير حكومات ومعها سياسات، ويكتسب المجتمع خبرات سياسية كان محروماً منها طوال عقود.

لكن المؤكد، على أي حال، أن دماء مئات آلاف البشر كان سيتم توفيرها، وتجنيب البلاد خسائر اقتصادية تعد بمليارات الدولارات تكفي بذاتها لإجراء إصلاحات كبيرة تضع بلداننا على سكة التقدم والرفاه الاقتصادي، وكذا تجنب تدخلات الدول الأخرى التي لا تهمها آلامنا ولا تطلعاتنا، وكذا فيما يتعلق بالمنظمات الجهادية التي لها برنامجها الخاص وحساباتها الخاصة، فهي غير معنية بما تريده مجتمعات البلدان التي نشطت فيها.

هذه مجرد فرضيات لا علاقة لها بالواقع الذي نعرف مفرداته: هناك بلدان كسوريا وليبيا واليمن يمكن القول إنها لم تعد موجودة كدول، هي فلسطينيات جديدة تضاف إلى فلسطين التي نعرفها. وبلدان أخرى لا تقل ظلاماً عنها لكنها لم تبلغ درجة التفكك ذاتها، كالعراق ولبنان والسودان. وهذا لا يعني أن البلدان العربية الأخرى بخير. ولا البلدان غير العربية المجاورة بخير، بدءاً من الكرد في الدول الأربع التي يتوزعون عليها، ومروراً بتركيا وإيران وروسيا. قد يبدو غريباً إدراج روسيا في هذه القائمة، لكن هذه الدولة «العظمى» ربما تتفكك وتنهار انهيارها الثاني إذا واصلت السير على النهج ذاته تحت الظل الثقيل لدكتاتورها الذي يتوهم أنه يعيد لروسيا أمجادها الإمبراطورية بواسطة القوة العسكرية الفظة وحدها.

أما إيران وتركيا المبتليتان بدورهما بلوثة استعادة الأمجاد الإمبراطورية الغابرة بواسطة القوة العسكرية أيضاً، فحالهما أكثر انكشافاً بعد من شريكتهما روسيا. من زاوية نظر معينة يبدو كأن الولايات المتحدة هي المتحكمة بصراعات الإقليم من غير تورط عسكري مباشر كبير. باحتفاظها ببضع مئات فقط من الجنود على الأرض تستطيع تعطيل أي حل سياسي (روسي) في سوريا لا يأخذ مصالحها بعين الاعتبار. أي أن الولايات المتحدة هي التي ترسم حدود الفعل للقوى المتصارعة على الأراضي السورية. وبأعداد أكثر قليلاً من الجنود تفعل ما يشبه ذلك في العراق. هي لا تتدخل في ليبيا لكنها تراقب الصراع الدائر فيها بين تركيا والإمارات، وبين الأولى من جهة وفرنسا من جهة ثانية بشأن التوتر في بحري إيجة والمتوسط بسبب الصراع على الثروات الباطنية.

قد تغري هذه القراءة للدور الأمريكي بذلك الاستسهال المذكور فوق بشأن التهرب من المسؤولية وإلقاء اللوم على الشيطان الأمريكي. الواقع أن الولايات المتحدة هي دولة عظمى لا يمكن تجاهلها أو توقع سياسات منها تراعي مصالح الدول الأخرى. القوة العظمى الأمريكية، وعلى رغم كل ما ينتابها من حالات ضعف ظاهرة، هي جزء من واقع موضوعي لا يمكن بناء أي سياسات وطنية بتجاهلها أو بافتراضات قائمة على الرغبات والتمنيات والأوهام أو بمواجهتها بالضجيج اللفظي كحال محور «الممانعة» سيئ الصيت. ولا يعني هذا الكلام أي دعوة للتبعية لهذه القوة العظمى أو غيرها، بل هي دعوة للكف عن استخدامها غطاءً لفساد طغمنا الحاكمة أو عجز معارضاتنا وضيق أفقها، وذريعة للتهرب من مسؤولياتنا.

* كاتب سوري

المصدر: القدس العربي