الحرية أولاً , والديمقراطية غاية وطريق

الجيش السوري في عيده الماسي .. من البدايات إلى حافظ الأسد

محمد علاء الدين *

يعتبر أغسطس/ آب من العام 1945 شهر التأسيس الحقيقي للجيش الوطني السوري، وليس مجرد بيان صدر في الأول منه، إذ أن الشهر بكامله شهد حراكاً متواصلاً على مدار أيامه، وحزماً من المراسيم المتتابعة والقرارات الناظمة لكل شؤونه. ولم يكد الشهر يشرف على نهايته، إلا وكانت مرحلة التأسيس الفعلية ناجزة ومعلنة. والجيش السوري هو أعرق جيش وطني عربي يتأسس مستقلاً عن أي احتلال، أو تدخلات خارجية مباشرة، تزامناً مع استقلال الدولة السورية عن الاحتلال الفرنسي، والذي كان أيضاً أول استقلال معاصر في الدول العربية الحالية. وقد عبّر عن الآمال الكبرى المعقودة على هذا الجيش في بناء وطن المستقبل النشيد الوطني الذي بدأ بتحيته “حماة الديار عليكم سلام/ أبت أن تذل النفوس الكرام”. وحمل شعاره وعلمه كلمات “وطن. شرف. إخلاص”، فكيف كانت مراحل تأسيس هذا الجيش، المحتفل بالذكرى الماسية (75 عاماً)، وكيف كانت مسيرته ودوره في التحولات الكبرى، وصولاً إلى ما إليه.

محاولات أولى:

بعد الحرب العالمية الأولى وإعادة رسم المنطقة وفق إرادة المنتصرين، اصطدمت إرادة السوريين لإقامة دولتهم الكبرى، في حدودها الطبيعية، مع مخططات أقوى الحلفاء المنتصرين (بريطانيا وفرنسا)، فسارع “المؤتمر السوري العام” إلى إعلانه قيام “المملكة السورية العربية” في 8 مارس/ آذار 1920، أعقبته مباشرةً محاولة تأسيس جيش سوري وطني، وتسمية يوسف العظمة وزيراً للحربية، ففتح باب التطوع وبدأ الحديث عن سَنِّ قانون للخدمة العسكرية الإلزامية. وسرعان ما بدأت التشكيلات الأولى لذلك الجيش تبدو واقعة، الأمر الذي أثار حفيظة فرنسا، بل وجعل من أهم شروط الجنرال الفرنسي، غورو، عبر إنذاره أن يتم تسريح ذلك الجيش. ضمن تلك التجاذبات، خرجت طلائع من هذا الجيش، وبعض رافضي الاحتلال الفرنسي بقيادة يوسف العظمة، لمواجهة جيش غورو في ميسلون غرب دمشق، وفي معركة معروف مسبقاً عدم تكافئها من جميع الجوانب. وسرعان ما انتهت باستشهاد قائدها ومن صمدوا معه، لتدخل القوات الفرنسية صبيحة اليوم التالي دمشق (25 يوليو/ تموز 1920)، معلنة نهاية المملكة السورية وجيشها الأول.

ويخلط بعض الباحثين، نتيجة تشابه التسمية في المرحلة ذاتها بين المسميين: جيش الشرق الفرنسي: وهو إحدى القوى الضاربة للجيش الفرنسي الذي عمل خلال الحرب العالمية الأولى في الشرق مع قوات الحلفاء، ومن ثم استكمل مهمته في احتلال سورية ولبنان وأجزاء من تركيا. وصل تعداده عام 1921 إلى سبعين ألفاً من المقاتلين النظاميين، معظمهم من الدول الخاضعة للسيطرة الفرنسية في المغرب العربي والسنغال وبقية المستعمرات الأفريقية، وتحت قيادات فرنسية خالصة.  والقوات الخاصة للشرق: وهي القوات المحلية التي شكلتها فرنسا في كل من سورية و لبنان عام 1924 بديلاً عن “جيش سوري وطني”، بإشراف فرنسي، كما نصّ صك الانتداب الذي تنصلت منه فرنسا. بلغ عدد هذه القوات حين التأسيس أكثر من ستة آلاف، ووصل في ذروته إلى أربعة عشر ألف مقاتل عام 1935. وكان أكثر متطوعيه من الأقليات الدينية والطائفية والإثنيات العرقية، أما قياداته العليا فهي فرنسية حصراً.

ويُذكر في السياق ذاته أن فرنسا عمدت، بعد اندلاع الثورة السورية الكبرى (1925) إلى تشكيلٍ آخر أسمته “القوات الإضافية”، استعانت به على إخماد الثورة، وكان معظم منتسبيه من الموتورين طائفياً وعرقياً وشذاذ الآفاق الذين اتسموا بالوحشية والفظاظة بالتعامل، ما جعل فرنسا، بعد إخمادها الثورة الكبرى، تستغني عن خدمات كثيرين منهم، وتضم الباقي إلى “القوات الخاصة للشرق”.

تكاد تجمع وثائق تلك المرحلة أن قرابة نصف القوات كان من العلويين (في سورية) والمسيحيين (في لبنان)، مع نسبة لافتة من الطائفة الإسماعيلية قياساً لتعدادها، على عكس الانخفاض الملحوظ في نسبة الطائفة الدرزية. أما المسلمون السنة فعلى الرغم من وجودهم ضمن تركيبة تلك القوات، فقد كانت نسبتهم أقل بكثير منها في المجتمع، وأغلب المنتسبين من أعراق غير عربية. لافت أيضاً الاعتماد في تلك القوات على أبناء الجبال والمناطق الريفية النائية أكثر من الاعتماد على أبناء الحواضر والمدن، وكان ذلك مدروساً بعناية من الفرنسيين، بحكم تجربتهم السابقة في شمال إفريقيا، بل ونقلوا ضباطا وخبراء منهم من هناك إلى سورية ولبنان، لخبرتهم في شأن التقسيم المجتمعي، وافتعال العداوات وتكريسها وفق خلخلة البنى القائمة.

بعد تحوّل الحراك الثوري السوري إلى مرحلة الكفاح السياسي، والنجاح في تحقيق بعض المطالب، كانتخابات الجمعية التأسيسية ووضع دستور 1930 وإعلان الجمهورية السورية الأولى التي أنهت التقسيم الفرنسي لسورية إلى عدة دويلات. أما المطالب المتعلقة بتأسيس جيش سوري، فماطلت فيها فرنسا، لكنها استجابت لافتتاح “الكلية العسكرية في حمص” 1932. ولزيادة نسبة السنة والعرب في القوات، ولكن بمراقبة دقيقة منها، بما لا يخلّ بمنهجها. ما زاد، بدرجة لافتة، نسبة العرب والسنة التي تجاوزت النصف من خريجي الكلية العسكرية في حمص، أن المستوى التعليمي في الجبال والمناطق النائية كان متدنياً، بل ومنعدماً في كثير منها، وهو ما يفسر قلة الضباط العلوييين تحديداً، مطلع الاستقلال

التأسيس الرسمي والعيد الماسي:

تتضارب بعض الآراء مختلفةً في اعتبار أحد العامين (1945 – 1946) عام تأسيس الجيش السوري المستقل، بزعم الفريق الثاني إن الاستقلال كان في 1946، لكن المؤكّد، بالبحث والتقصي والوثائق، أن يوم التأسيس كان في الأول من أغسطس/ آب 1945، وهو أيضاً المعتمد رسمياً من الحكومات السورية المتعاقبة. وتعود جذور التأسيس إلى معاهدة 1936 التي نصت على منح الاستقلال خلال مرحلة انتقالية، أقصاها ثلاث سنوات، وتأسيس جيش وطني سوري على كامل الأراضي السورية التي تحتلها فرنسا (مع استقلالية لبنان) في مقابل الإبقاء على قاعدتين جويتين فرنسيتين للإستخدام، حين الضرورة.

نشوب الحرب العالمية الثانية (1939) ودخول فرنسا الحرب أعطياها ذريعة للمماطلة، لكن الوعود عادت لكسب تأييد السوريين، حين وقّعت باريس تحت الاحتلال الألماني، خصوصا بعد معركة دمشق (يونيو/ حزيران 1941) التي استعادت فيها قوات فرنسا الحرة السيطرة على سورية، طاردة القوات الموالية لحكومة (فيشي) المعينة من الألمان، فقبيل تلك المعركة حلقت طائرات فرنسية تتبع للحلفاء في سماء دمشق، وألقت مناشير كتب عليها “فرنسا بصوت أبنائها تعلن استقلالكم”. بعد شهر، اجتمع المندوب السامي الفرنسي الجديد (الجنرال كاترو) مع السياسيين السوريين في مدرج جامعة دمشق، معلناً أن الوقت قد حان لوضع نهاية للإنتداب والتفاوض بشأن شروط تحقيق سيادة تامة، استمرت المفاوضات حتى سبتمبر/ أيلول 1941، وأذيع بيان الاستقلال، وفيه “إن فرنسا تعترف بسوريا دولة حرة مستقلة ذات سيادة”. اعترفت بريطانيا ودول أخرى بهذا الاستقلال مباشرة، والذي أعقبه إعادة العمل بالدستور، وتولي تاج الدين الحسيني مهام رئاسة الجمهورية.

استقلال سورية إذن وإعلانه فرنسياً، واعتراف بريطانيا به كان عام  1941، لكن تطبيقه الواقعي على الأرض وجلاء آخر جندي فرنسي تأخر إلى ما بعد تحرير فرنسا ذاتها من الاحتلال الألماني ونهاية الحرب العالمية الثانية عام 1945، حيث عادت المفاوضات إلى بحث إجراءات التنفيذ. طالبت فرنسا ببقاء القاعدتين الجويتين، كما في معاهدة 1936وبإشرافٍ على تشكيل الجيش الوطني، وهو ما يرفضه الساسة السوريون، لأن فرنسا نكصت بعهودها وسلمت لواء اسكندرون لتركيا (1939)، وضمّت مزيداً من الأقضية لجبل لبنان. ما يسجل هنا بحروف ناصعة لساسة الاستقلال، خصوصا الرئيس شكري القوتلي ورئيس الوزراء وزير الدفاع، سعد الله الجابري، الموقف الصلب في رفض أي وجود فرنسي أو تدخل، على الرغم من التهديد باعتقالهما وقصف الطيران الفرنسي مبنى البرلمان وحاميته (29 مايو/ أيار 1945)، بل وقّعا معاً مرسوم تأسيس الجيش السوري، الوطني كامل الاستقلال، في الأول من أغسطس/ آب عام 1945. وسرعان ما صدر خلال الشهر ذاته الأمر الإداري (55/3) عن قيادة الأركان الحربية، متضمناً التفاصيل الناظمة لتشكيلات الجيش السوري، بفرقه وألويته وأفواجه وشعبه، وما يتعلق بشؤونه واعتبارها واجبة التنفيذ من الأول من سبتمبر/ أيلول 1945.

وعندما تم الجلاء كاملاً (17 إبريل/ نيسان 1945) كان الجيش السوري فعلياً وحده القوة العسكرية الموجودة في الدولة المعترف بسيادتها، من دون وجودٍ لأي جندي محتل.

قبل النكبة والانقلابات:

حدّد المرسوم 1271 الصادر في 12/11/1945، بتوقيع كل من رئيس الجمهورية شكري القوتلي، وسعد الله الجابري بصفته وزيراً للدفاع ورئيساً للوزراء، ملاك الجيش السوري بتشكيله الموجود والبالغ عدد أفراده  12686، ثلثاهما من القوات النظامية وثلث من القوات غير النظامية الملتحقة به. فيما كان عدد الضباط من مختلف الرتب  586 ضابطاً، أعلاها رتبة زعيم (عميد)، ومن بينهم أول ضابط يتسلم قيادة الأركان، الزعيم عبدالله عطفة، التي تظهره الصور الأرشيفية في احتفالات الجلاء وهو يسلم علم الجيش للملازم أول عدنان المالكي.

اللافت في الإحصاءات والأرقام الموثقة أن عدد أفراد الجيش من القوات النظامية يقلّ عن العدد الذي كان يشكل قوامه في القوات الخاصة للشرق قبل الاستقلال، والتي تجاوزت أعدادها أربعة عشر ألف مقاتل، ما يعود إلى أن مرسوم التأسيس استثنى من آثر  مؤازرة الفرنسيين، ولم ينضم للجيش الوطني بعد حادثة الاعتداء على البرلمان.

عتاد الجيش وسلاحه الخفيف والمتوسط والثقيل حين التأسيس تذكره الوثائق بالتفصيل، وهو سلاح متواضع جداً لجيش وطني، فعلى سبيل المثال كانت آليات سلاح المدرّعات مكونة من تسع دبابات فرنسية الصنع وثلاث مدرعات مجنزرة وبعض عربات مصفحة تحمل رشاشات متوسطة. أما فوجا المدفعية فاحتويا معاً على 24 مدفعاً من عيار 75مم نموذج 1897 مع ذخيرة مئة قذيفة فقط لكل مدفع. هذا الواقع من ناحية ضعف التسليح رفعه إلى رئيس الأركان، الزعيم عبدالله عطفة، إلى وزارة الدفاع، بتقرير شامل مفصل و موثق (3/5/208) تضمن اقتراح تشكيل أركان حرب مشتركة بين الدول العربية، بإشراف مجلس جامعة الدول العربية، لوضع أسس موحدة لجيوشها ودراسة الإمكانات المشتركة لإقامة صناعة عسكرية عربية، تحاول تدريجياً التخفف من الاعتماد على الأجنبي في التسليح والتذخير.

ويخلص التقرير إلى أن “المعنويات قوية بحماس الأفراد الفطري .. إلا أنها ضعيفة بالسلاح والماديات، وإن القوة العددية لهي وليدة الماديات فإذا صلحت صلح الباقي. ويمكن التأكيد بأنه في حال تأمين الوجهة المادية للحصول على ما ينقص الجيش من أسلحة وتجهيزات ومعدّات وإعطاء العسكريين الحد الأدنى مما يحتاجونه في حياتهم المادية، لكي يتمكّنوا من حفظ كرامتهم، يمكن أن نتوصل بجيشنا إلى أقرب حد من الكمال النسبي”.

اهتمت الحكومة بمعظم ما جاء في تقرير رئيس الأركان، وشكلت لجاناً لشراء ما تستطيع من أسلحة ثقيلة من مخلفات جيوش الحلفاء في البلدان المجاورة والقريبة، ومحاولات تنويع مصادر السلاح الجديد، بشكل مباشر أو عن طريق وسطاء، فنجحت في بعض وفشلت في آخر، ما أبقى التسليح دون المستوى المأمول، على أعتاب حربٍ تلوح نذرها في فلسطين.  وعلى صعيد التدريب، أُرسل ضباطٌ كثيرون في بعثات للتدرّب على أحدث التقنيات في مختلف التخصصات العسكرية، ومنها دورات طيران. ولم يمض عامان، حتى ارتفع مستوى الكفاءة في بعض التخصصات، إلى درجة جيدة نسبياً، لعل من شواهدها مطار المزّة العسكري الذي ضاق بحركة طيرانه اليومية من طلعات تدريبية واستطلاعية على الطائرات البالغ عددها 24، معظمها هارفارد أميركية الصنع مخصصة للتدريب، ما استدعى فتح ثانية للطيران والتدريب في مطار النيرب العسكري في حلب. وتزامن ذلك مع قوانين ومراسيم ناظمة ومنظمة للشأن العسكري، مستفيدة من تجارب الجيوش المتطورة، والأهم مرسوم الخدمة العسكرية الإلزامية الذي طبق أول مرة نهاية عام 1947، وتجاوزت دفعة السوق الأولى عشرين ألفاً من الأفراد المجنّدين مع فتح باب التطوع للأطباء والمهندسين من خرّيجي الجامعة السورية، بحسب الحاجة والاختصاص، لتعيينهم ضباطاً عاملين برتبة ملازم أول، بعد اتباعهم دورة عسكرية.

كان الجيش السوري في تلك المرحلة وطنياً بحق، ولم يشهد أي تمييز بين أبناء الوطن الواحد، المتطلع إلى دولة حضارية، وبحماس منقطع النظير، للذود عن حياضها في مرحلة تلوح فيها المخاطر والتهديدات. وتعطي الوثائق التي باتت متوفرة بكثرة وتفصيل فكرة واضحة من خلال أسماء الضباط على شمولية مختلف أطياف المجتمع السوري بطوائفه وأعراقه (من بين أسماء الضباط أكثر من ضابط أرمني وبمواقع قيادية). جدير بالملاحظة أيضاً أن الضباط من الطائفة العلوية لم يكن لهم وجود بين رتب القادة مع عدد قليل في رتب الضباط حديثي الانتساب، ولعل مرد ذلك أن التعليم المؤهل لدخول الكلية العسكرية في حمص منذ إحداثها (1932) لم يكن متوفراً في مناطقهم الجبلية آنذاك، لكن تلك القلة الملحوظة ذلك الوقت سرعان ما ستنقلب عكساً لتغدو ظاهرة طاغية في مرحلة لاحقة.

ضربات البداية الموجعة .. والانحرافات:

أقسى ما يمكن أن يتعرّض له جيشٌ وليد، ما يزال يحاول إكمال البنيان في دولةٍ فتية، يكون باضطراره للانخراط في حربٍ، عليه فيها أن يكون المهاجم، وهو الدور الذي يحتاج في العلوم العسكرية ضعفي قدرة الخصم على الأقل، فيما الوضع هنا معكوس تماماً في اضطرار الجيش السوري لمحاربة للصهاينة على أرض فلسطين (1948).

الغريب، والمريب أحياناً، فيما حصل خلال ذلك العام على مجمل الساحتين، العربية بشمولها، والسورية بخصوصها، يجعل عشرات الأسئلة بلا إجابات مقنعة. عربياً، وبعد ما استكملت بريطانيا رعايتها على أرض فلسطين، وتأكدت من قدرة التنظيمات الصهيونية، عسكرياً وإدارياً، على المواجهة، تنفيذاً لوعدها السابق (بلفور 1919). أحالت بريطانيا القضية الفلسطينية إلى هيئة الأمم (1947)، مدّعية أن الوضع بات خارج إمكاناتها ويحتاج لقرار دولي.

صدر قرار تقسيم فلسطين الذي أجمع العرب على رفضه، بل واستبقوه، لعلمهم المسبق بنتائجه، إلى التنادي إلى تشكيل جيش تحرير عربي، فرعى مجلس جامعة الدول العربية مشروع التطوع فيما سمي لاحقاً “جيش الإنقاذ”، بقيادة الضابط المخضرم الطرابلسي المولد، فوزي القاوقجي، الذي سبق وقاد ثورة 1936. استهدف جيش الإنقاذ عشرة آلاف متطوع، لكن الوثائق تؤكد أن من تحرّك منهم إلى الداخل الفلسطيني، كان نصف العدد فقط، وبتسليح بسيط، غالبه أسلحة فردية قديمة. بدأت عمليات جيش الإنقاذ في الداخل الفلسطيني منذ أواخر عام 1947 بعد قرار التقسيم مباشرة. وعلى الرغم من قلة عتاده، استطاع أن ينتزع السيطرة على مناطق من البريطانيين والعصابات الصهيونية. ولكن المثير للتساؤل عدم قيام تعاون بينه وبين حركة المقاومة الداخلية التي نادى بها مفتي القدس، أمين الحسيني، وقاد عملياتها عبد القادر الحسيني.

وفيما يخص الجيش السوري، بادرت الحكومة إلى تقديم 54 من ضباطها بقيادة أفواج المتطوعين في جيش الإنقاذ، وكان من بينهم قادة أفواج اليرموك. ومن أبرزهم، ممن سيكون لهم شأن لاحقاً، المقدم أديب الشيشكلي، قائد فوج اليرموك الثاني.  والرائد غسان جديد قائد فوج المتطوعين العلويين. لكن الحكومة السورية، وهي هنا الثالثة بعد الاستقلال، بعد وفاة سعد الله الجابري 1947 الذي كان يجمع منصبي رئاسته الحكومة ووزارة  الدفاع، وكان عبر تاريخه الأكثر صلابة في المواقف الحاسمة، ثم حكومة خالد العظم فحكومة جميل مردم ووزير دفاعه أحمد الشرباتي، بدت هذه الحكومة كأنها استكانت لما قدمته من دعم لجيش الإنقاذ، بضباطها المتطوعين، لكنها لم تستعدّ بجيشها استعداداً كافياً لنذر حرب واضحة المعالم والمكان والزمن، فالمعلن من بريطانيا وهيئة الأمم أن الانسحاب البريطاني سيكون منتصف مايو/ أيار وأن القيادات الصهيونية ستعلن فوراً قيام دولتها، مستندة إلى قرار التقسيم. انتظرت الحكومة السورية إلى ما قبل الموعد المحدد بثلاثة أسابيع، لتقرر عاجلاً، بعد قرار مجلس جامعة الدول العربية، الدخول إلى فلسطين، بلواء المشاة الأول بقيادة العقيد عبد الوهاب الحكيم، مع تحريك اللوائين، الثاني بقيادة العقيد جميل برهاني، والثالث بقيادة الزعيم حسني الزعيم، ليكونا على أهبة الاستعداد. حاول العقيد الحكيم ان يشرح بأن ثلاثة أسابيع غير كافية للاستعداد لدخول حرب هجومية، لكنه اضطر للامتثال للأوامر التي بلغت من تخبّطها أنها بعد تحرك اللواء بكل أسلحته للدخول عن طريق لبنان. وبعد أن استجمع ما يمكن من معلومات وخرائط عن طبيعة المنطقة ونقاط تمركز العدو جاءته الأوامر مجدداً، وقبل يومٍ من بدء الحرب بالعودة من لبنان، والتجمّع في قطنا للدخول من الحدود السورية، ومواجهة مناطق لا يملك خرائطها.

لعل ذلك، وما سبقه من أسباب، أدّيا إلى نتائج غير مرضيةٍ في بداية الحرب التي حضر بدايتها داخل الأراضي الفلسطينية رئيس الجمهورية ورئيس الوزراء، تأكيداً على أهميتها، فبعد تقدماتٍ للجيش، وتحرير نقاط حدث تراجع وانكسارات أثارت الشارع السوري على حكومته وأدائها في هذه الحرب التي لم يمض عليها سوى أسبوع، حين اضطرّ وزير الدفاع، أحمد الشراباتي، تحت الضغط، إلى الاستقالة، لتعقبه في اليوم التالي عدة مراسيم، بصرف كل من خطّط للمعركة من الخدمة، مطيحة رئيس الأركان، اللواء عبد الله عطفة، وقائدي اللوائين الأول والثاني، عبد الوهاب الحكيم وجميل البرهاني، فيما صدر مرسوم بتكليف قائد اللواء الثالث، حسني الزعيم، بقيادة الأركان.

أصدرت الحكومة قراراتٍ استثنائية عديدة متاحة دستوريا في حالة الحرب، فأعلنت حالة الطوارئ، ووضعت كل ما يمكن من إمكانات مادية، لدعم الجبهة، وتم زج اللواء الثالث، وسلاح الطيران على الرغم من أن سلاحه تدريبي وطياريه قلائل حديثي التخرّج. حيث عدّل الفنيون ما استطاعوا بالوسائل المتاحة على الطائرات، كي تحمل القذائف وتزويدها برشاشيْن، أمامي هجومي وخلفي دفاعي، فأبدى أولئك الطيارون مهاراتٍ فائقة في الطيران بلا اتصالات، والهجوم على خطوط العدو، دعماً للقوات البرّية المتقدّمة، تزامناً مع انتصارات لجيش الإنقاذ والجيوش المصرية والأردنية والعراقية وتقدّمها.

كان الجيش الأردني أكثر كفاءة وقدرة في إدارة المعارك من بقية الجيوش، على الرغم من أن معظم قادة فصائله المشاركة ضباط بريطانيون بقيادة الجنرال غلوب باشا، ما يضع إشارات استفهام كثيرة عن عمق الاستراتيجيات البريطانية والطريقة الغامضة التي تدير بها سياساتها المتعددة والمتداخلة في مناطق حكمها، خصوصا وأن مصر والعراق أيضاً كانتا أيضاً تحت الحكم البريطاني. تقدُّم الجيوش العربية من الجهات الثلاث واشتداد حركة المقاومة الداخلية بقيادة عبد القادر الحسيني، جعل الدول الداعمة لقيام إسرائيل تستشعر الخطر الحقيقي، ما ألجأها إلى طلب هدنة شهرا، لم تكن إطلاقاً في صالح الجيوش العربية، وأعقبتها بهدنة ثانية أوجدت فيها السبل لتقديم الدعم العسكري واللوجستي للقوات الصهيونية، فيما باتت الجيوش العربية في وضع الافتقار إلى استمرار التذخير وتعويض الفاقد من السلاح، بل إن إحدى صفقات السلاح المبرمة مع تشيكسلوفاكيا لصالح الجيش السوري ذهبت إلى الإسرائيليين، في فضيحةٍ فتحت أبواب التحقيقات عن أدوار خيانة. بدأت الأمور تتحول، ميدانياً وجغرافياً، لصالح الإسرائيليين، حتى صدور قرار مجلس الأمن بفرض الهدنة الدائمة (نوفمبر/ تشرين الثاني 1948) فرفضتها الدول العربية بداية، ثم راحت حكوماتها منفردة إلى مفاوضات غير مباشرة (رودس 1949) أفضت بها إلى القبول، فيما بقيت الحكومة السورية (المستقلة) رافضة الهدنة.

تداخلات المرحلة وبدء الانقلابات:

قبل حرب فلسطين وخلالها، كانت شركة النفط الأميركية (تابلاين) تحاول تمرير مشروع خط أنابيبها من السعودية إلى البحر المتوسط عبر الأراضي السورية، وبشروطها المجحفة التي رفضت مرة ثانية من حكومة خالد العظم العائدة إلى الحكم. استغل حسني الزعيم حالة التذمر الشعبي من الساسة، في أعقاب قيام دولة إسرائيل، ونقمة عسكريين كثيرين عليهم، بذريعة عدم درايتهم بالأمور العسكرية، فقام بانقلابه العسكري في 30 مارس/ آذار 1949، بعد قطعه جميع الاتصالات عن العاصمة، واعتقال قواته سياسيين كثيرين، في مقدّمتهم الرئيس القوتلي ورئيس الوزراء خالد العظم. باشر الزعيم بانتزاع جميع السلطات، وحصرها في شخصه، مسلماً نفسه بنفسه سلطة بعد أخرى، وبطرق لم تخلُ أحياناً من شكل مسرحي واستعراضي كان يهواه، ومرفّعاً نفسه إلى رتبة مشير. وفي خضم قرارات ومراسيم كثيرة متتالية، كان بعضها يلقى تأييداً شعبياً، مرّر الزعيم “اتفاقية التابلاين”، ووقع اتفاقية الهدنة، وهما أهم ما كانت تسعى إليه الولايات المتحدة الأميركية من دعمها له وتأييدها انقلابه. أمام تكشف دور الزعيم ولجوئه إلى زج معارضيه في السجون، سياسيين وعسكريين، حتى ممن ساعدوه في انقلابه، كالعقيد أديب الشيشكلي، وما أعقبه من تسليم زعيم القوميين السوريين، أنطون سعادة، إلى لبنان بطريقة فجة، حيث تم إعدامه مباشرة، الأمر الذي اعتبره كثيرون خيانةً لا تليق برئيس دولة، بالإضافة إلى ابتعاده عن المشروع البريطاني في العراق والأردن.

سرّع ذلك كله بنهاية حكمه الذي لم يدم سوى 137 يوماً بانقلاب جديد، نفذه العقيد سامي الحناوي. وسيشكل انقلاب الزعيم لاحقاً نقطة الانعطاف الخطرة في الدور الوطني لمعظم الجيوش العربية، لفرض أجندات خارجية، أو لفرض إرادة القادة العسكريين على السياسة العامة للدولة وإقصاء رجالاتها المنتخبين ديمقراطياً، بقوة سلاحٍ تنحرف توجهاته من الحدود إلى داخلها، وإلى إراقة دماء من أهل الوطن أكثر بكثير مما يفعل تجاه الأعداء الخارجيين. سرعان ما أُعدم حسني الزعيم ميدانياً بتهمة الخيانة، إثر انقلاب العقيد الحناوي الذي تكشف مباشرة الدور البريطاني فيه، على خلفية التنافس البريطاني الأميركي في الدور المتصاعد لأميركا بعد الحرب، فأجندة انقلاب الحناوي أظهرت دعمها للمشروع البريطاني بوحدة سورية والعراق في ظل حكم ملكي هاشمي ترعاه بريطانيا، ويحقق مصالحها في السيطرة على البلدين، وربط خطوط النفط العراقي، وما هو متوقع من نفط سوري بساحلها على البحر المتوسط وهو المشروع المؤيد من قادة حزب الشعب.

يلحظ هنا تأثير حكم العسكر على السياسيين، وبدء مرحلة انحرافات بعضهم بالخضوع للقوة العسكرية، وتملك قادتها في محاولة للتشارك، بمكاسب حزبية أو فئوية. اتضح ذلك بتوجه الحناوي إلى تسليم الرئاسة للرئيس السابق، هاشم الأتاسي،  ودعم حزب الشعب في الحكومة والمناصب، فردّوا له بمكافأة ترفيعه رتبتين من عقيد إلى لواء وتثبيته في قيادة الأركان التي كان يرأسها بالوكالة. ولعل الحناوي، ومن يقف خلفه، استفادوا من تجربة الزعيم المتهوّرة في الاندفاع السريع إلى الإمساك بجميع السلطات، ومع الرفض الشعبي والسياسي الذي رأى في المشروع البريطاني محاولةً لإعادة الدولة المستقلة إلى حكم استعماري بريطاني. حاول الحناوي وبنصائح من سياسيين مقرّبين التخلص من كبار الضباط المعارضين، بمحاولة تسريحهم أو نقلهم ملحقين عسكريين في السفارات، وهو ما كُشف وجعل العسكريين يسارعون لإطاحته، وبمشروعه عبر الانقلاب الثالث في عام واحد، بقيادة نائب رئيس الأركان، العقيد أديب الشيشكلي الذي كان أكثر مهارة وروية من سابقيه في المناورة مع السياسيين. لم يتطلع مباشرة إلى المناصب، وبقي مكتفياً بمنصبه السابق نائباً لرئيس الأركان ونصّب الزعيم فوزي سلو في قيادة الجيش، والزعيم أنور بنّود رئيساً للأركان، بينما من الناحية الفعلية كان الشيشكلي قائد الانقلاب يمارس دور القائد الأعلى للقوات المسلحة، وكذلك فعل مع السياسيين، فبقي هاشم الأتاسي رئيساً للدولة  ثم أعيد انتخابه (ديسمبر/ كانون الأول 1949)، واستمر مجلس النواب برئاسة رشدي الكيخيا (رئيس حزب الشعب) في عمله مجلسا تأسيسيا لصياغة الدستور الذي صدر في العام 1950، ويعتبره الخبراء أفضل دستور في تاريخ سورية المعاصر.

على صعيد رئاسة الحكومة، عادت في مارس/ آذار 1950 لتكون برئاسة خالد العظم، أكبر المناوئين للمشروع البريطاني بضم سورية والعراق. وعلى الرغم من الإصلاحات الكثيرة في مجالات الاقتصاد والنقد ومشاريع الاستصلاح والقوانين الاجتماعية والسياسية التي لقيت دعماً في الشارع، إلا أن اختلاطات المرحلة على الصعيد السياسي، والتي أعادت حزب الشعب إلى الحكومة برئاسة معروف الدواليبي، وتمسّك الحزب وقيادته بالنص الدستوري، القاضي بعدم تدخل العسكريين في السياسة، ومحاولة الدواليبي إعداد مشروع تسريح الشيشكلي من الجيش، وأن يكون وزير الدفاع مدنياً ككل الوزراء، وهو الخلاف الذي يراه الباحثون ليس مجرّد خلافٍ شخصي، بل هو خلاف جوهري ومنهجي بين عقليتين مختلفتين لكل من  المؤسستين، السياسية والعسكرية.

قام الشيشكلي بانقلاب أبيض، هو انقلابه الثاني (29 نوفمبر/ تشرين الثاني 1951)، وأسس حزبه (حركة التحرير العربي) الذي نال أغلبية نيابية وتسلم مقاليد الرئاسة، واستصدر مزيداً من المراسيم التي توسع سلطاته، وتكرّسها دستورياً على نحوٍ لم يرق لبقية الأحزاب، القديمة منها على الساحة، والمستجدة كالبعث والقومي السوري، مما اضطرّه لفرض الأحكام العرفية والسير في طريق سابقيه من العسكريين، بزجّ السياسيين في السجون، وبلغت الأمور ذروتها مطلع العام 1954، احتجاجاً على طريقة قمعه أحداث جبل العرب التي سقط فيها قتلى وجرحى. ومع تصاعد حركات التظاهر في مدن الداخل وتآزر عسكريين معها (حلب، فبراير/ شباط 1954). آثر الشيشكلي وقتها، وهو الموصوف بالدكتاتورية، في موقف يسجل له، تقديم استقالته إلى مجلس النواب، حقناً لدماء الشعب، كما جاء في بيانه في اليوم ذاته (مساء 25 فبراير/ شباط 1954). وغادر مباشرة بالسيارة إلى بيروت، ومنها إلى الرياض فالأرجنتين، لتنتهي المرحلة الأولى من انقلابات العسكر على الحكم الديمقراطي التي شكلت منعطفاً خطراً وارتكاساً لبناء الدولة السورية الديمقراطية المستقلة، المتطلعة إلى اللحاق بركب عالم متطور. الآثار السيئة للانقلابات وحكم العسكر لم تقتصر على مسيرة الديمقراطية والسياسة وحسب، بل كان خطرها الأقوى في تجذّرها في نفوس العسكريين، وتطلع كثيرين منهم إلى الوصول إلى الحكم بالقوة، وبدعم سرّي من قوى خارجية، هو أقرب، في طبيعته، إلى الخيانة الوطنية غير المعلنة، تنفيذاً لمشاريع استراتيجية تنسجم مع مخططات الداعمين المتخوفين عليها في إطار التبدلات لاختيارات الدولة الديمقراطية، إضافة إلى استنزاف الجيش كثيرين من قياداته ورتبه العالية عبر التصفية، أو الإبعاد لكل من يخالف أو يراه المنقلب خطراً عليه.

هذه الناحية بالذات سنراها في الجيل التالي من الضباط العائد بشراهة أكبر وأكثر خطراً بعد تسع سنوات شهدت خلالها سورية إطلالة ومضة ديمقراطية قبل الوحدة مع مصر، ثم الانفصال، فعودة العسكر.

العسكر والسياسة .. مدٌّ وجزر حتى الانفصال:

انتهت مرحلة الانقلابات العسكرية الأولى في سورية عام 1954 بتنحي أديب الشيشكلي، ومغادرته السلطة والبلاد، لتعود مجدّداً إضاءة للحياة السياسية الديمقراطية بعد الاستقلال، شاهدة عودة المدنيين إلى الحكم، وتراجعاً مؤقتاً للعسكر عن صدارة المشهد السياسي. ويبدو أن التطور الطبيعي للبلاد، اجتماعياً وتعليمياً، وما صحب المرحلة من استقلال فنكبة في فلسطين، وما أعقبها من انقلابات، إضافة إلى  أن ظلال ما يحدث في العالم وانعكاسه على الوعي السياسي والمجتمعي في سورية ألقى بآثاره الواضحة على المرحلة، فالانتخابات البرلمانية أعطت روائز جديدة، بدأت تدبّ في أوصال الأحزاب التقليدية، المستندة في زعامتها على خلفية إقطاعية وبرجوازية، لعبت دورها الوطني سابقاً، وأوصلت البلاد إلى الاستقلال، فيما برز دور جديد لأحزاب قادمة من منبت اجتماعي مغاير، تقوم، في بنيتها الحزبية الراديكالية، على إيديولوجيات محدّدة، لا على مجرّد خطوط وطنية عامة كسابقتها.

أسفرت نتائج الانتخابات البرلمانية عن حيازة حزب الشعب كتلة أكبر بثلاثين نائباً، تلاه الحزب الوطني، متراجعاً إلى 19 نائباً. أما القفزة الكبرى فكانت لحزب البعث المندمج مع الحزب العربي الاشتراكي ب 17 نائباً. فيما لم تنل بقية الأحزاب والقوى، على الرغم من وجودها الملحوظ، كالقوميين السوريين والشيوعيين والإخوان المسلمين، سوى بضع مقاعد نيابية، تجعلها ممثلة فقط، من دون وجود كتل مؤثرة لها.

العسكر في ظل الإضاءة الديمقراطية:

في انتخابات رئاسة الجمهورية 1955، والتي يقترع فيها النواب، بحسب الدستور، حصل شكري القوتلي على 91 صوتاً مقابل 42 صوتاً لمنافسه خالد العظم، ليعود القوتلي إلى الرئاسة، لكن الواقع الجديد للقوى والأحزاب السياسية سرعان ما اتضح في التوازنات الجديدة ضمن تشكيلات الحكومة والجيش، خصوصا مع التزايد المضطرد لنفوذ البعثيين والقوميين الذين كانوا يعملون بديناميكية وروح شابة متوثبة، وخدمتهم الظروف الإقليمية والدولية أكثر، إثر الموقف القومي إبّان العدوان الثلاثي على مصر 1956، وما تبعه من تقارب أكثر مع الاتحاد السوفياتي، كما كان في استطاعة الاستخبارات، بإدارة عبد الحميد السراج، إفشال محاولة الانقلاب اليميني المرعي من الاستخبارات الأميركية (أكتوبر/ تشرين الأول 1956) الدور الأهم في إبعاد كثيرين من ضباط اليمين وسياسييه، وإعادة بروز دور العسكر بتأسيس مجلس عسكري بقيادة عفيف البزري، والمكون من 24 ضابطاً، أبرزهم عبد الحميد السراج الذي قوي دوره لكشفه المحاولة، ومن ثم طرده الملحق العسكري الأميركي في سورية، هيوارد ستون، ما جعل القوتلي مضطراً لممالأتهم أكثر فأكثر، في توزيع المناصب الحساسة، فكانت حقيبة وزارة الخارجية لصلاح البيطار من “البعث”، وتحولت رئاسة المجلس النيابي من ناظم القدسي عن حزب الشعب إلى أكرم الحوراني، الشريك الاشتراكي للبعث المتوحد، فيما تم تعيين عفيف البزري، بعد ترفيعه إلى رتبة لواء، رئيساً للأركان وقيادة الجيش، وهو المعروف بقربه من الشيوعيين. لابد من التأكيد هنا أن شعبية حزب الشعب، صاحب الكتلة البرلمانية الأكبر من دون أغلبية، كانت تتهاوى نتيجة الميل السابق المعلن لدى حزب الشعب إلى اتحاد مع العراق، في ظل ملكية هاشمية برعاية بريطانية، فيما دور بريطانيا في المنطقة يشهد نقمة شعبية وسياسية وعسكرية متصاعدة، سواء من جهة الدعوة إلى حلف بغداد، أم من العدوان على مصر إثر تأميم الرئيس جمال عبد الناصر قناة السويس، وهو ما جعل القوتلي وحكومته يميلون، بوضوح، إلى المعسكر الشرقي الاشتراكي، وتجلى ذلك بإسناد حقيبة وزارة الدفاع لخالد العظم، المعروف بلقبه البرجوازي الأحمر، نتيجة مواقفه الصلبة تجاه المشاريع الأميركية والبريطانية في سورية والمنطقة.

وربح البعثيون جولة مهمة سياسياً وعسكرياً أمام الحزب القومي السوري الاجتماعي، أحد أبرز خصومهم حينها، من الأحزاب الناهضة، فحادثة اغتيال العقيد عدنان المالكي، نائب رئيس الأركان، في الملعب البلدي في دمشق 1955 وجهت فيها أصابع الاتهام إلى القوميين السوريين، وأدت إلى ضربة قاصمة لهم سياسياً وعسكرياً في سورية، كان من نتائجها تسريح الموالين لهم من الجيش، ومن بينهم أعلاهم رتبة، المقدّم غسان جديد، ومن ثم ملاحقته واغتياله في بيروت 1957. مرحلة المد القومي العروبي جماهيرياً لقيت صداها في صفوف العسكريين من ذوي الميول القومية والبعثية، وأعادتهم إلى الواجهة من جديد بفاعلية، إنما من دون انقلاباتٍ، هذه المرة، بل بدأت بعصيان قطنا (1957)، الرافض قرار القوتلي نقل العقيد السراج من قيادة المكتب الثاني (الاستخبارات) إلى السفارة في الهند، إدراكاً منهم أن نقل السراج القوي سيعقبه حدٌّ من تنامي نفوذهم المستعاد. ويبدو أن القوتلي وحكومته تبينوا جوهر العصيان، وعاقبة الذهاب بعيداً في صدام مع العسكر، فتم طي القرار، استجابة لمطالب ضباط العصيان، وهو ما كان مقدّمة للإيغال في اندفاعهم بفرض إرادتهم بوحدة سريعة مع مصر، فبلغ الاندفاع ذروته بذهاب الوفد العسكري إلى مصر، لملاقاة عبد الناصر، من دون سابق تنسيق، ومن غير إذن رئاستي الحكومة والجمهورية (وثيقة بخط عفيف البزري). أبدى عبد الناصر تحفّظه تجاه لقاء وفد غير رسمي، فاضطر القوتلي، وعلى غير رغبة منه، كما اتضح لاحقاً إلى مجاراة العسكريين بإرسال وزير خارجيته، البعثي أيضاً، صلاح البيطار، للاجتماع رسمياً بعبد الناصر وطلب الوحدة.

في مرحلتي الوحدة والانفصال:

شملت شروط عبد الناصر للوحدة حلّ الأحزاب السياسية، وأن تكون الوحدة اندماجية، لا فيدرالية، وبعاصمة واحدة هي القاهرة، وبرئيس واحد ينتخب. وافق البيطار والوفد العسكري على الشروط، و اضطر القوتلي للذهاب إلى القاهرة، وتوقيع ميثاق الوحدة والتنازل طوعياً عن الرئاسة. وسرعان ما تم في الشهر نفسه الاستفتاء على دولة الوحدة، باسم الجمهورية العربية المتحدة، ورئاسة عبد الناصر. وتزعم النتائج الصادرة حينها أن عدد الأصوات الرافضة كان 300 صوتاً فقط، ليبدأ في اليوم التالي مباشرة (22 فبراير/ شباط 1958) عهد دولة الوحدة.

برزت مشكلات الوحدة المتعجّلة سريعاً، خصوصا أمام الضباط الذين اندفعوا إلى فرضها من دون دراسة أو تخطيط أو هيكلة، فاللواء عفيف البزري الذي تم ترفيعه من عبد الناصر إلى رتبة فريق، وتكليفه بقيادة الجيش الأول في سورية، ومع أول خلاف مع المشير عبد الحكيم عامر، على تعيين أحد الضباط، أصدر المشير قراراً فورياً بتسريحه من الجيش، متهماً إياه بالشيوعية، وعيّن اللواء جمال الفيصل مكانه بعد ترفيعه إلى رتبة فريق. كما بدأت حركة نقل ضباط سوريين كثيرين إلى مصر، وإسناد مهام مكتبية لهم، وتعيين كبارهم في وزارات بلا فاعلية (أمين النفوري ومصطفى حمدون)، ونقل بعضهم إلى الملحقيات العسكرية في السفارات والبعثات الدبلوماسية إبعاداً من صفوف الجيش، ما جعل التذمّر واضحاً، خصوصا عند البعثيين الذين لم تتفكّك عراهم تماماً، مدركين أن ما من دور هام لهم قادم، وأن اندفاعهم المتهور إلى الوحدة يمضي في غير الاتجاه الذي كانوا يطمحون إليه.

وفي العام 1959 بدت الخيبة البعثية من الوحدة واضحة في صفوف قياداتها، المنحلة ظاهرياً، وضباطها الذين تغير بهم الوضع من فارضي إرادات على الرئاسة زمن القوتلي إلى مهمّشين في زمن عبد الناصر. وزاد الطين بلة عليهم فشل القيادات البعثية في انتخابات الاتحاد القومي، ولعل ذلك ما دفع أحد المؤسسين الأوائل (ميشيل عفلق) إلى إعادة التنظيم خارج الحدود، تبعته استقالات أكرم الحوراني من منصبه الشكلي نائباً لرئيس الجمهورية، وصلاح البيطار من مسمّاه وزيراً للثقافة، وعبد الغني قنوت، وعدد من الوزراء المركزيين والمحليين، والذين للحق لم تكن لهم أية سلطة في القرارات النافذة ضمن الهيمنة المصرية. ولعلها كانت خطة من عبد الناصر واستخباراته، لاستيعابهم، مع كبح أي جموح أو تطلع لهم، إدراكاً لمراميهم كبعثيين، فيما كان الثقات في ولائهم من غير البعثيين يحظون بكل النفوذ مثل عبد الحميد السراج الذي بات وزيراً للداخلية، بصلاحيات كبيرة.

اللجنة العسكرية البعثية:

في خضم الخيبات البعثية وتجاذبات المرحلة، والاستفاقة من حلم سرمدي على واقع محبط لطموحات عسكريي “البعث”. ومع محاولة لملمة الصفوف من قيادتهم السياسية التي كانت الهوّة تكبر بينها وبين أتباعها من الضباط، تأسّست في مصر سريّاً لجنة عسكرية بعثية خماسية من كبار الضباط البعثيين، برئاسة أعلاهم رتبة العميد (بشير صادق) الذي سبق وكان ضمن الوفد العسكري المطالب بالوحدة، فيما كان أدناهم رتبة الرائد محمد عمران، وهو الوحيد ضمن الخمسة من الطائفة العلوية. لم يكتب لهذه اللجنة الاستمرار، بسبب حركات النقل إلى البعثات الدبلوماسية، حيث لم يبق منهم في مصر إلا محمد عمران الذي قام بتأسيس لجنة جديدة برئاسته. وهنا نقطة تحول كبرى، فالرائد عمران هو الأعلى رتبة، وضم إلى العضوية الرائد المستجد صلاح جديد والنقيب حافظ الأسد، من الطائفة العلوية، وعبد الكريم الجندي وأحمد المير ملحم من الطائفة الإسماعيلية، وضابطين برتبة ملازم، أدنى مراتب الضباط، من السنّة، على الرغم من وجود ضباط برتب عالية!. وهو ما يعتبره باحثون بداية محاولة هيمنة الطائفية على الجيش بقيادة علوية.

ولم يكن الانفصال عن مصر في 28 سبتمبر/ أيلول 1961 نتيجة أعمال البعثيين، لا من الساسة ولا العسكر، وهو وإن كان، في بواعثه، يرتكز إلى وحدةٍ غير مدروسة ومهملة للجانب الاقتصادي وتوحيد النقد، ولهيمنة مصرية رأت في سورية مجالاً لنفوذ أكبر، أدّى إلى لا مبالاة من القيادات، برئاسة المشير عبد الحكيم عامر الذي بات الحاكم المطلق لسورية بصفته نائباً لعبد الناصر وبتكليف منه. أكثر الأسباب مباشرة وأهمية كان قرار عبد الناصر بالتأميم صيف 1961، وهو ما حاول القوتلي، بصفته الرئيس السابق والمواطن العربي الأول، ثني عبد الناصر عنه، وتبيان مخاطره القادمة، لضربه صميم الاقتصاد السوري وكتله النافذة، لكن عبد الناصر مضى في التطبيق غير آبه.

كان التحرّك العسكري هذه المرة من مكتب المشير عامر، وعبر رئيس المكتب، الضابط الدمشقي العقيد عبد الكريم النحلاوي، مدعوماً من الكتلة الدمشقية بما تمتلكه من نفوذ مالي وتأثير اجتماعي، فنجح النحلاوي في حركته الانفصالية، على الرغم من ضعف عوامل النجاح تكتيكياً وعسكرياً، وما زال من المستغرب تراجع عبد الناصر عن إرسال مزيد من القوات جواً وبحراً إلى اللاذقية، بعد ما اتخذ قراراً أولياً بإعادة الوحدة، و إرساله بعض القوات، لكنه عاد وأمر بالانسحاب، فغادر الضباط المصريون مصحوبين بسوريين إلى القاهرة، وكان في مقدمة السوريين المغادرين قائد الجيش الأول، الفريق جمال الفيصل، الذي صحب المشير عامر إلى القاهرة لتأمين سلامته وبقي هناك، وعندما عاد إلى سورية، أبقى تاريخه العسكري ناصعاً بالابتعاد عن الانقلابات وتدخل العسكر في السياسة. في المقابل، أعيدت أكثرية الضباط السوريين إلى دمشق، لتبدأ صراعات جديدة بين الانفصاليين ودعاة الوحدة، وإن كانت تخفي في ادّعاءاتها رغبة أكبر في استلام السلطة، فلا الانفصاليين بقيادة النحلاوي، ولا المناوئين للانفصال استكانوا لتسليم السلطة للسياسيين، والركون على الصندوق الانتخابي، وهو ما جعل النحلاوي يغادر يائساً ومهدّداً بعدم عودة السياسيين القدامى إلى الحكم، وما أدى أيضاً إلى فصل ضباط ناصريين وبعثيين من الجيش، بل وزجّ عدد منهم في السجون، إثر حركات مناوئة للانفصال (1962).

وتثبت الوثائق والدراسات أن الشارع السوري في عمومه لم يكن مرتاحاً لعودة ممثلي المرحلة القديمة إلى الحكم، و لا للانفصال النهائي وإضاعة حلم الوحدة، على الرغم من أخطاء التجربة، وذلك ما يمكن النظر إليه في صفوف الجيش الذي بات معظم ضباطه من غير الرعيل القديم، ذي المنبت الإقطاعي والبرجوازي، فكانت الحالة العامة مهيأة على مدار الأيام لحدوث تحرّكات عسكرية ضد الحكم الانفصالي، وبتحالفاتٍ بين الضباط الناصريين والمحايدين بميولٍ قومية مع ضباط “البعث”، كما حدث في تمرّد حمص (مارس/ آذار 1962)، بقيادة العقيد الناصري، جاسم علوان، والمقدم البعثي، محمد عمران، وما تبعه من تطوّراتٍ في حلب، كانت تفضي إلى القضاء على الانفصال، لولا حماقة الضابطين البعثيين، حمد عبيد وإبراهيم العلي، بإعدام أربعة ضباط موالين للسلطة والخلاف الذي دبّ في صفوف البعثيين بين راغبين بالإعلان المباشر عن إعادة الوحدة ومرجئين لها، الأمر الذي أدّى إلى تخبطٍ استعادت فيه السلطة زمام المبادرة باعتقال الضباط المتمرّدين.

سيطرة السلطة على الوضع واعتقالها أهم الضباط المحرّكين للأحداث، كالناصري العقيد جاسم علوان، ورئيس اللجنة العسكرية البعثية، المقدم محمد عمران، وما تبعه من حركة انتقالات في صفوف من تراهم يشكلون خطراً عليها، لم يكن سوى خبط عشواء في لحظات شعورٍ بدنو أجل، لوقوعها بين ناري الاحتماء والإرضاء، حيث اتخذت أيضاً قراراتٍ متخبطة في صفوف العسكريين الموالين لها، ممن حسبت أن الشارع المستمر في الغليان سيهدأ نتيجة ذلك، أو أنه سيرضي الغالبية العسكرية المندفعة بعاطفية، تجاه إعادة الوحدة، والتي في مجملها لا تتبادل والسلطة الانفصالية أي ودّ، وكأن تلك المحاولات لم تكن سوى تحرّك في الوقت المستقطع، لإطالة عمر السلطة سريرياً في محاولة إنعاشٍ أخيرة.

سنوات التحولات الخطيرة (1963-1970):

تؤكّد وثائق أكثر من جهة دولية عبر مراسلات خارجيتها وبيانات استخباراتها أن وضع الغليان الشعبي والعسكري في سورية وصل إلى ذروته مطلع العام 1963، وأن الانقلاب على سلطة الانفصال (مع مصر) قادم لا محالة، ووشيك الوقوع، خصوصا بعد انقلاب فبراير/ شباط في العراق، وهو ما دفع ضباطا عديدين حياديين، لكسب ود زملائهم القوميين، بغلبتهم ذات الميول الناصرية، أملاً في دور لهم خلال المرحلة المقبلة، أو حفظاً لأنفسهم من مخاطر التسريح والإبعاد، كما يحدث فيما اعتادوه من حركات انقلابية، وهو ما عزّز ميزان القوى الراجح أصلاً في كفّة العسكريين المناوئين للانفصال. كان كبار القادة العسكريين حينها من المحايدين بميول قومية، ومن الناصريين مكشوفي الولاء، المندفعين، بعاطفيةٍ، إلى إعادة الوحدة مع مصر، من دون تنظيم منضبط، أو تنسيق عالي المستوى فيما بينهم، على نقيض الضباط البعثيين، اللذين كانوا، على صغر رتبهم، يعملون بانضباط وسرّية بقيادة أعلاهم رتبة الرائد صلاح جديد الذي بات القائد الفعلي للجنة البعثية العسكرية، بسبب وجود مؤسسها الثاني، المقدّم محمد عمران، في المعتقل.

أدار صلاح جديد تنظيمه بدقة وإحكام، وبما عرف عنه لاحقاً، بعد تستر وإخفاء، من مكر ودهاء يعتمد على كسب ثقة قادته بإظهار كامل الولاء والطاعة العمياء لهم، طاوياً في سره ما يبيّته ويحيكه من مؤامرات ضدهم. يروي عبد الحميد السراج، بعد تقاعده، في لقاء صحفي، هذه الحادثة التي جرت في مكتبه، حين كان رئيساً للاستخبارات، بعد اغتيال عدنان المالكي، واتهام المقدّم غسان جديد، الشقيق الأكبر لصلاح، بضلوعه في عملية الاغتيال، حيث هاتفه المقدّم البعثي مصطفى حمدون، معلماً إياه بالحضور مع ضابط شاب سيقدّمه له. وحين دخلا المكتب، كان وراء حمدون ضابط برتبة نقيب، قدّمه للسراج معرّفاً به، أدى صلاح جديد التحية العسكرية بقوة، ارتجت لها أرضية المكتب، وقال: “سيدي، باسمي وباسم آل جديد، أتطوع لقتل أخي غسان غسلاً لعارنا الوطني بسبب أفعاله”. ويتابع السراج روايته الحادثة: “حملقت فيه بغضب، وصحت: ما هذا الكلام؟ من ذا الذي يقتل أخاه بفخر؟ لا تعد إلى هكذا هرطقة. وانصرف.. فيما بُهت حمدون وخرج في إثره”. ويبدو جلياً أن صلاح جديد استمرّ على طريقته في إظهار ولائه للقادة، مستغلاً، في هذه المرحلة، موقعه الحسّاس، نائباً لمدير شؤون الضباط، بكل ما يسمح به الموقع من تكتيك ومناورة في وضع من يرغب من الضباط في الموقع الذي يختاره له، تفعيلاً لدور قادم أو تهميشاً، وهو الموقع الذي سيبقى متمسكا به، حتى في المراحل اللاحقة، لمعرفته الدقيقة بعمق أثره. في هذه الظروف، تحرّك الضباط والعسكريون، بقيادة العميد المستقل والأعلى رتبة، زياد الحريري، وبدعم كامل من نظرائه اللذين أبعدتهم حكومة الانفصال عن الخدمة، في صبيحة 8 مارس/ آذار 1963، للسيطرة على العاصمة ومحيطها في الانقلاب الذي سمي “الثورة”، جرياً على عادة الانقلابات العسكرية في المنطقة حينها، منهياً سنة وبضعة أشهر من عهد الانفصال، وما تخلله من ممارسات ديمقراطية شهدت تجاذباً مع العسكر، مرّة أخيرة في تاريخ سورية، لتبدأ مرحلة جديدة ومديدة من سيطرة العسكر على كل مفاصل الدولة، وبتحوّلات شديدة التسارع والخطورة.

من الوطنية إلى العقائدية فالطائفية:

إثر انقلاب “8 آذار” مباشرة، تم تسريح قيادات الجيش السابقة والضباط الذين أيّدوا الانفصال، وفي مقدّمهم وزير الدفاع (الدرزي) الفريق عبد الكريم زهر الدين، ومدير الأمن العميد الدمشقي مطيع السمان. وإعادة الضباط الوحدويين المسرّحين إلى الخدمة، باستثناء بعض الناصريين، كالعقيد جاسم علوان، فيما آثر الفريق جمال الفيصل عدم تلبية الدعوة إلى المشاركة، واعتزال الحياة العسكرية والسياسية، أما الفريق عفيف البزري فأكدت لنا ابنته أنه لم تتم دعوته للمشاركة، نافية الروايات الزاعمة أنه دعي واعتذر.

تشكل سريعاً، خلال أيام الانقلاب الأولى، مجلس عسكري باسم مجلس الثورة، ضم من البعثيين محمد عمران وصلاح جديد وموسى الزعبي، ومن المستقلين زياد الحريري وغسان حداد وفهد الشاعر، ومن الناصريين راشد القطيني وفواز محارب ودرويش الزوني وكمال هلال، وتم التوافق على العميد لؤي الأتاسي، المعروف بحماسه واندفاعه للوحدة (مع مصر)، وقربه بذلك من البعثيين والناصريين، لرئاسة المجلس ثم رئاسة الجمهورية، بعد ترفيعه إلى رتبة فريق. كما تم تعيين اللواء محمد الصوفي، البعثي الأصل والمنتسب لحركة الوحدويين الاشتراكيين بعد الانفصال، وزيراً للدفاع، فيما تولى العميد المستقل، زياد الحريري، رئاسة الأركان، والعميد الناصري راشد القطيني نائباً له. أما العقيد الناصري نور الله الحاج إبراهيم، فتمت تسميته قائداً لسلاح الجو.

كان البعثيون راضين بدايةً عن هذه التشكيلات الصورية، فرتب ضباطهم المتدنية، وقلتهم بين صفوف الضباط الكبار، لا تسمح لهم مباشرةً بتولي مواقع القيادة، مدركين أن ضباطهم اللذين تم ترفيعهم أيضاً وتوليتهم قيادة تشكيلات ميدانية، برّية وجوية، ستسمح لهم باستغلالها قريباً، واستدعوا من الأرجنتين أعلاهم رتبة، العميد أمين الحافظ، ليتولى وزارة الداخلية بعد ترفيعه إلى رتبة لواء في حكومة المناصفة مع الناصريين، برئاسة المؤسس البعثي صلاح البيطار. في الوقت الذي كان فيه الرئيس يندفع وفريق المستقلين والناصريين باتجاه وحدة جديدة ثلاثية، تضم العراق إلى الطرفين، السوري والمصري، كانت اللجنة العسكرية البعثية توسع دائرتها، ناسجةً بإحكام خيوط شراكها، للتخلص من كل الضباط ممن تراهم عقبةً في طريق استفرادها بالحكم وقيادة الجيش. بدت اللجنة بحلقة المستقلين الأضعف، عبر كتلة زياد الحريري من المستقلين، وكانت قرارات تسريح الضباط تصدر في أثناء إرسالهم في وفود وبعثات لمناقشة أمور الوحدة مع مصر والعراق، لتضمن أن لا يكونوا على رأس قطعهم العسكرية، خلال صدور أمر التسريح. اتجهت اللجنة بعدها إلى خصمها الأكبر، المتمثل في الضباط الناصريين اللذين لم تكن حلقات التآمر خافيةً عنهم، لكن انكشافهم وضعف تماسكهم، وأسلوب صلاح جديد التكتيكي في تنقلاتهم، من خلال سيطرته على مكتب شؤون الضباط، كان له أثر كبير في ضعضعتهم.

حاول الناصريون في مايو/ أيار 1963، عبر الاستقالة الجماعية لوزرائهم إثارة الشارع، ولفت الانتباه إلى حقيقة ما يجري في الجيش، من إبعاد ضباطهم لحساب تعيين مزيد من الضباط البعثيين، حتى من غير العاملين، فتحرّك الشارع مباشرة في مظاهراتٍ مناوئةٍ، واجهها ضباط البعث بالقمع وإطلاق الرصاص الحي على المتظاهرين، بل واستغلوها فرصةً للتخلص من معظم الضباط الناصريين، بمن فيهم أعلى القيادات وبذرائع الإقالة والاستقالة والتقاعد، لتشمل وزير الدفاع الفريق الصوفي، ونائب رئيس الأركان اللواء القطيني، فيما أبعد رئيس الأركان، زياد الحريري، إلى السفارة في إسبانيا، بعد تصفية كتلته المستقلة. وبحلول منتصف يوليو/ تموز 1963، كانت المواجهة العسكرية قد باتت حتميةً في صراع ضباط “البعث”، مع ما تبقى من الضباط الناصريين، ومن يتحرّك منهم، على الرغم من عدم إعادته إلى الخدمة، كالعقيد جاسم علوان الذي قاد الحركة الناصرية يوم 18 يوليو/ تموز 1963، وكان من أسباب فشلها انكشاف مخطّطاتها وتحرّكاتها عبر الضابط (العلوي) محمد نبهان الذي زرعه صلاح جديد عميلاً في صفوفهم المنكشفة باندفاعٍ يصل إلى حد السذاجة. تمت السيطرة بالقوة على غليان الشارع، وإفشال الحركة العسكرية واعتقال جميع من شارك فيها، بل ومن سبق تسريحهم وإبعادهم بمن فيهم القادة. وعقدت محكمة عاجلة بستار ثوري، اتخذت قرارها مباشرة بإعدامهم جميعاً، منتظرةً وصول الرئيس الفريق لؤي الأتاسي قادماً من مصر  للتصديق على حكم الإعدام، حيث كان مع مجموعة من البعثيين في جلسة مباحثات مع عبد الناصر في مصر حول الوحدة المزعومة، وهي الجلسة التي أنهاها عبد الناصر على عجل، لمعرفته بما حل في سورية. رفض الأتاسي حين عودته، وبصفته رئيساً، التوقيع على قرارات الإعدام، وقدم استقالته مباشرة، مبرّئاً نفسه من الدم السوري.

ولعل تلك الاستقالة، بحد ذاتها، كانت فرصة جديدة سانحة للجنة العسكرية، حتى وإن لم تتم قرارات الإعدام للانقضاض على آخر ما يفصلهم عن الاستفراد بالجيش والحكم، فقدموا مباشرة وزير داخليتهم، اللواء أمين الحافظ، رئيساً وقائداً عاماً للجيش، وتم ترفيع محمد عمران إلى رتبة لواء، ليتبعه إليها صلاح جديد في قفزة ثلاثية، وليتحول “البعث” إلى حزب حاكم بمفرده، له الحق المطلق في قيادة الدولة والمجتمع، كما سينص الدستور، وليتحول الجيش أيضاً من جيش وطني إلى جيش عقائدي، عقيدته “البعث”، كما في كل الأنظمة الشمولية.

تؤكّد الوثائق والروايات الحية أن اللجنة العسكرية البعثية، وبتخطيط مهندسها وعقلها المدبر، صلاح جديد، ومن في ركبه، مارست كل أنواع التغرير والخداع و الغدر على نحو غير مسبوق، وصولاً إلى مراميها، الظاهر منها كشعار العقائدية، والباطن في سعيها إلى تطييف الجيش، ومن ثم فرض الهيمنة العلوية عليه، وهو ما ستكشفه السنة التالية من تفرّد “البعث” بالسلطة.

الصراع البعثي-البعثي والهيمنة الطائفية:

ما إن سيطر البعثيون، بمفردهم، على الحكم والجيش، حتى برز صراع جديد داخل صفوفهم، هذه المرة قاده العسكريون، ومن لف لفيفهم من البعثيين المدنيين في التنظيم القُطري ضد قيادتهم التاريخية، وما عرف بالقيادة القومية للحزب، بمن فيهم من المؤسسين أنفسهم. وللحقيقة، يعود التذمر من تلك القيادات في جذوره إلى تخبّط القيادة والمؤسسين في مواقفهم غير الممنهجة، منذ لحظة الوحدة وما تبعها من ارتدادات على الحزب، فميشيل عفلق الذي وقّع على حل الأحزاب سرعان ما تراجع عن موقفه، وأكرم الحوراني الذي كان نائباً شكلياً لعبد الناصر وقّع على وثيقة الانفصال، فتم إبعاده كلياً عن الحزب بعد عهد الانفصال، ولم يبق إلا صلاح البيطار من بين المؤسسين واجهةً قيادية يتولى رئاسة الحكومة أمام تعطّش العسكريين للاستئثار بالحكم، بعيداً عن محاولة الهيمنة عليهم من تلك القيادات الحزبية المدنية.

كان ممن وقف في صف القيادة القومية الرئيس أمين الحافظ وبعض أعوانه، فيما نشب بين الطرفين صراعٌ خفي، لاجتذاب القيادات الدرزية، كاللواء فهد الشاعر والرائد سليم حاطوم المتميز بقيادته سلاح المغاوير ذي الكفاءة الخاصة، فيما بدا اللواء محمد عمران في موقف حائر بين الطرفين، وهو ما جعل صلاح جديد يركّز جهوده لاستمالة سليم حاطوم إلى صفه، ليكون رأس الحربة في المواجهة العسكرية في ما عرف بحركة 23 شباط 1966، وانتهت باعتقال الرئيس أمين الحافظ، بعد مهاجمة منزله وإصابته وابنته في معركةٍ دامية، قتل فيها كثيرون من قوة الحرس الرئاسي وقوات المغاوير المهاجمة، وانتهت باعتقال الرئيس أمين الحافظ، وكثيرين من قيادات الحزب والدولة، ومؤسس اللجنة العسكرية السابق اللواء محمد عمران، وزجّهم في السجن، ليغدو صلاح جديد القائد الفعلي للحزب والدولة.

لم تمض أشهر، إلا و تمّت تصفية الأقوياء العسكريين من الطائفة الدرزية، إثر تمرّد سليم حاطوم في السويداء، وما جرّه عليه من وبال انتهى باعتقاله وتصفيته في السجن. وكان قد سبقه اعتقال اللواء فهد الشاعر، اتهاماً له بمحاولة التحضير لانقلابٍ، ليُستنزف الجيش مزيداً من قياداته على أبواب حرب يونيو/ حزيران 1967، والتي ما زالت التحقيقات فيها غير مكشوفة الوثائق، عن دور وزير الدفاع حافظ الأسد الذي أمر بإذاعة بيان سقوط القنيطرة عبر الإذاعة، قبل حدوث المواجهة وما تبعه من هروب قائد الجبهة، أحمد المير ملحم، متنكراً على ظهر حمار، والتوجيه إلى الخطوط الأولى على الجبهة بالانسحاب الكيفي عن طريق الأراضي السورية واللبنانية، وإعادة التجمع في حمص لا في دمشق العاصمة.

المستغرب بعد هزيمة 1967 أن التحقيقات في دور حافظ الأسد لم تُفض إلى نتيجة عملية، بل زادت سيطرة الأسد على مفاصل الجيش ومراكزه الحساسة بالتخلص من ضباطٍ عديدين، غير خاضعين لسيطرته التامة، كالعميد (السنّي) أحمد سويداني رئيس الأركان، والعضوين الإسماعيليين في اللجنة العسكرية منذ التأسيس، أحمد المير ملحم الذي تم إبعاده وعبد الكريم الجندي رئيس الاستخبارات الذي انتهى دوره انتحاراً (أو نحراً) في مكتبه في ظروف لم يتم الكشف عن ملابساتها. وبذلك تكون اللجنة العسكرية بقيادة جديد قد تخلصت من جميع أعضائها من غير العلويين، ولم يبق من أعضائها غير صلاح جديد وحافظ الأسد بعد إطاحة عمران أيضاً. المستغرب أيضاً أن صلاح جديد مهندس هذه الصراعات والنهايات، وعلى الرغم مما يروى عن تجلي صراع نفوذ بينه وبين مرؤوسه حافظ الأسد لم يحرّك ساكناً تجاهه، ما يجعل الاحتمال وارداً بتنسيق خفي، أو بتوافق ضمني بينهما، للتخلص من جميع رفاق المرحلة السابقة، قبل أن يحين أوان استفراد أحدهما بالسلطة المطلقة من دون منغصات. لعل ذلك ما يفسّر تحول الصراع بين صلاح جديد وحافظ الأسد إلى الاحتدام، عقب أحداث أيلول في الأردن 1970، حين رفض حافظ الأسد، من موقعه وزيراً للدفاع، مؤازرة سلاح الجو.

أيقن صلاح جديد أن الساحة لا بد أن تكون لأحدهما فقط، فدعا إلى مؤتمر حزبي استثنائي، استمر نحو أسبوعين، وكانت نتائجه، بعد جلسات مطولة من النقاش، تتجه إلى فصل الأسد وفريقه من الحزب وإقالته من منصبه ومحاسبته على عدم إطاعة الأوامر، وأدواره السابقة المسكوت عنها في التحقيقات. وكان حافظ الأسد جاهزاً لممارسة الدور الذي لعبه مرات ومرات مع صلاح جديد، فحرّك قواته إلى قلب العاصمة، لتعتقل جميع الموجودين من القيادات البعثية، وليعلن بعدها ما أسماها بالحركة التصحيحية (16 تشرين الثاني/ نوفمبر 1970)، متخلصاً من جميع مناوئيه، والواقفين مانعاً في طريق تفرّده في السلطة حاكماً مطلقاً من دون خصوم، بعد سبع سنوات من حكم البعث، تحوّل الجيش الوطني خلالها إلى عقائدي فطائفي، ليأتي عليه  بعدها حين من الدهر يحوله شيئاً فشيئاً، وبشعارات معلنة، إلى جيش أسدي.

* كاتب وروائي وسيناريست مصري

المصدر: العربي الجديد