الحرية أولاً , والديمقراطية غاية وطريق

عقد اجتماعي أم عقد سياسي؟

حسين عبد العزيز *

ما يزال بعض الكتّاب العرب والسوريين يكتبون عن ضرورة بناء عقد اجتماعي، بصفته أساسًا للانتقال السياسي، ضمن استدعاء تاريخي لنظريات العقد الاجتماعي، التي عرفها القرن السابع عشر والقرن الثامن عشر.

كانت فكرة العقد الاجتماعي فكرة خيالية، لكن كان لها مضامين أيديولوجية وسياسية كبرى، ساهمت في إعادة تشكيل الوعي الأخلاقي والسياسي معًا. لا تكمن الأهمية التاريخية لنظريات العقد الاجتماعي في تجسّداتها الإمبريقية، فلا توجد حادثة في التاريخ تُحدّثنا عن مجتمع قام على أساس عقد عيني، فضلًا عن استحالة تطبيق مثل هذا العقد في عالمنا المعاصر.

وكذلك الأمر على الصعيد الفكري النظري، فالعقد الاجتماعي لن يكون له أي تأثير في الوعي في منظومتنا العربية، لأن العقد الاجتماعي كان في أوروبا ضمن شروط وسيرورة تاريخية تختلف تمامًا عن واقعنا وتاريخنا.

ولا يمكن بطبيعة الحال معاملة مفهوم العقد الاجتماعي الذي جاء في ظل ظروف تاريخية خاصة، وتجربة تاريخية خاصة، وفضاء سياسي وقانوني خاصين، كمعاملتنا لمفاهيم الديمقراطية والليبرالية والعلمانية التي يمكن تطبيقها أو تطبيق جزء منها في ممارسات عيانية ملموسة، في حين لا يمكن تطبيق العقد الاجتماعي، اللهم إلا إذا أُضفي على أي انتقال سياسي صفة العقد، كتوصيف فوقي.

فلاسفة العقد الاجتماعي:

استُعمل العقد الاجتماعي مع (غروتيوس، وهوبس، وبوفندروف، ولوك، وروسو) لتأسيس مشروعية السلطة والسيادة وما يحدث في المجتمع السياسي، أي طبيعة العلاقة بين الحاكم والمحكومين، وهذه الإشكالية لم تكن ضمن المُفكَّر فيه لدى المفكرين في القرن السادس عشر وفي مطلع القرن السابع عشر، حيث كان اهتمامهم منصبًا على تأكيد أن الدولة هي نتاج بشري باتفاق الأفراد فيما بينهم، وأن الملك يجب أن يحكم لخير هذه الجماعة.

كان الغرض من التنظير لنشوء المجتمع السياسي غرضًا سلبيًا يتمثل في مقاومة طغيان السلطة السياسية، ولم يكن غرضًا إيجابيًا هدفه تأسيس السيادة الشعبية، وهي المهمة التي ستكون على عاتق فلاسفة العقد الاجتماعي بعد عقود قليلة.

أصبحت نظرية العقد تقوم بوظيفة أيديولوجية، وهي الحد من سلطة الملك، بالوقوف في وجه الملكية المطلقة القائمة على ما عُرف بنظرية الحق الإلهي للملوك، وهي نظرية تقرر أن الملوك يستمدون سلطتهم من الله، وهم مسؤولون أمامه، وليس أمام الناس، ومن هنا ستكون وظيفة العقد الاجتماعي هي جعل الملوك مسؤولين أمام الناس. وتطلبت هذه العملية الانتقال من فكرة العقد الثلاثية في صيغتها الدينية، إلى فكرة العقد الثنائية في صيغتها السياسية، في الحالة الأولى كان العقد بين ثلاثة أطراف، هم الله والملك والشعب، أما في الحالة الثانية فقد أصبح العقد بين الملك والشعب فقط.

أهمية لجوء الفلاسفة إلى فكرة العقد الاجتماعي تكمن في لحظتها التاريخية، حيث كان المجتمع الأوروبي ينتقل تدريجيًا من مجتمع مشمول بكونية الدين، إلى مجتمع سياسي لا يكون الدين فيه سببًا في مشروعيته.

هذه خصوصية أوروبية فقط، وعلى مستوى التاريخ، وهي ليست موجودة في أماكن أخرى، لا في السابق ولا في الوقت الحالي. العلاقة الجدلية بين الديني والسياسي، ذات الخصوصية الأوروبية، هي التي جعلت فكرة العقد ذات أهمية، ففي الفضاء المسيحي ثمة مقابلة بين القانون المقدس والقانون العلماني، وهي مقابلة غير موجودة في الفضاءين اليهودي والإسلامي، بحسب ما تنبّه إليه برنارد لويس.

إن مقولة “السيفين”، ومقولة “الجسدين” البشري والإلهي للملك، والتمييز بين قانون الأمير وقانون سلطة الشعب، لا وجود لها في إلا في أوروبا المسيحية. ولذلك، فإن فكرة العقد الاجتماعي لها جذور اجتماعية ودينية كانت بمنزلة الناظم للعلاقة بين الله والإنسان، وبين الحاكم والمحكومين.

كان شعب يهوه مجتمعًا دينيًا ومدنيًا في آن واحد، فالإله يهوه هو ملك إسرائيل، من دون أن تكون له سلطة واقعية ملموسة، فهذه الأخيرة هي بيد الملك البشري لا الملك الإله، ومن هذا التزاوج بين الله والعالم اليهودي نشأت فكرة الميثاق لدى بني إسرائيل، وفي التوراة أمثلة كثيرة على وجود العقود بين الله وشعبه، وهي عقود مبنية على التزامات متبادلة، يحصل فيها الشعب على حماية الله مقابل طاعتهم لأوامره ونواهيه، وقد بيّن عزمي بشارة وجوزيف لوكلير أهمية العقد في العهد القديم.

وفي بدايات القرن الثالث الميلادي أخذت فكرة العقد الاجتماعي تظهر على المستوى السياسي، مع كركلا ثم فسباسيان، حين أصبح تنصيب الإمبراطور يتمّ بموجب مرسوم دستوري (قانون تولية الإمبراطور/ LEX REGIA DE IMPERIO) وتصادق عليه جمعيات الناخبين الشعبيين.

ظل الشعب في الإمبراطورية الرومانية، على المستوى النظري، مصدرًا أعلى للسلطة السياسية، ولذلك لم يكن هناك أي تفرقة بين عقيدة LEX REGIA أي سلطة الشعب، وعقيدة LEGIBUS SOLUTUS أي ما يرضي الأمير يكون له قوة القانون، لأن الشعب نقل سلطاته إلى الأمير، وعدم وجود هذا التمييز بين العقيدتين يعود إلى أنه كان يُنظر إلى علاقة الحكام بالمحكومين ضمن تعابير تعاقدية،فقد كان القانون والعرف بمثابة إكسير حياة للجماعة السياسية، فهو المحدد البنيوي للعلاقة بين السياسي والاجتماعي، وما ذاك إلا لأن القانون والعرف كانا يستمدان قوتهما وشرعيتهما من القانون الطبيعي.

إن فكرة الميثاق أو العقد تغلغلت في مجمل البنيان القانوني للجماعة السياسية في العصر الوسيط، من دون أن تتبلور في إطار نظرية سياسية قانونية واضحة المعالم، لأن الإشكالية السياسية للعصور الوسطى كانت إشكالية السلطة (هدف السلطة)، وليست إشكالية الدولة (القوة ذات السيادة)، فهذا الأمر يعود إلى أواخر عصر النهضة، فالعصر الوسيط، وإن كان قد افتتح إشكالية السلطة، لم يُكوّنها حول السيادة.

تميّز مجتمع القرون الوسطى بفكرة العقد، سواء أكان بين الملك والشعب في المراحل الأولى للإمبراطورية الرومانية، أم بين الملك والنبلاء الإقطاعيين بعد انهيار الإمبراطورية عام 476 ونشوء النظام الإقطاعي الذي يكون فيه الملك هو الأول بين متساويين، أم بين الإقطاعيين والفلاحين.

وكان للصراع بين البابا غريغوار السابع والإمبراطور هنري الرابع، حول التنصيبات الدينية عام 1085، دورٌ مهم في الاستعانة بفكرة التعاقد، حيث وجد منظرو الكنيسة أنه يمكن للشعب عدم إطاعة الإمبراطور إذا قام بانتهاك القسم، أو إذا أخلّ بالاستقرار العام.

ومع القديس توما الأكويني (1225 – 1274) أخذت فكرة العقد الاجتماعي بعدًا دينيًا وسياسيًا على المستوى الفلسفي، حيث جمع بين تقاليد آباء الكنيسة والفكر الأرسطي، فقال: إن السلطة ذات أصل إلهي وطبيعة إلهية، لكن جوهرها طبيعي من صنع الإنسان، وناشئة من حاجاته إلى الاجتماع.

مهدت هذه الأفكار لوقوع الصراع في القرن الرابع عشر، حين بدأت الأسئلة تُطرح حول العلاقة بين الملك ورعاياه، وبين البابا وبقية المسيحيين، وكان مارسيل دو بادو (1275 – 1343) المشرّع الرئيسي والمدافع عن شرعية السلطة السياسية القادرة وحدها على إقامة السلام. استخدم دو بادو مصطلح المشرع البشري، ويقصد به الشعب، ومن دون تفويض من المشرع البشري لا يحق للحاكم أن يحظى بالمشروعية السياسية.

مع نشوء حركة الإصلاح الديني في القرن السادس عشر، والإصلاح الكاثوليكي المضاد، بدأت تنتشر فكرة التعاقد انتشار النار في الهشيم، وقد عبّرت عن نفسها أولًا مع نشوء الحركة المشيخية في إسكتلندا، ومؤسسها جون نوكس (1514 – 1572) الذي دعا إلى العصيان وعدم طاعة الملكة ماري تيودور أو ماري الدموية، لأنها حاولت إعادة الكاثوليكية وفرضها على الشعب. وعبّرت عن نفسها ثانيًا في أتون الصراع بين الهجونوت والدولة في فرنسا.

دافع كالفن عن مفهوم معين للعهد، عندما عدّ وعود المسيح في العهد الجديد إعادةَ تأكيد للناموس القديم، الذي هو عبارة عن سلسلة من الاتفاقات الأساسية، أولها تمّ بين الله وآدم، بينما تمّت الاتفاقيات اللاحقة مع نوح وإبراهيم وموسى، وتجددت أخيرًا بتضحية المسيح.

ما زلنا هنا نتحدث عن العقد الاجتماعي من منظور ديني، لأن العقد هو بالأساس عقد بين الله والناس، ولذلك أكّد كالفن على حق جماعة من البشر الأتقياء في أن يجدّدوا التأكيد الأساسي على علاقتهم التعاقدية مع الله.

ومع فلاسفة العقد الاجتماعي، في القرنين السابع عشر والثامن عشر، جرى تحوّل مهم في فكرة العقد، إذ جرى الانتقال من فكرة العقد القائمة على أساس وجود مجتمع عضوي معطى وقائم في ذاته، إلى فكرة العقد القائمة على إرادة الأفراد كذوات فردانية، وهو تأكيد على أسبقية الفرد على المجتمع السياسي الذي ستكون مهمته حفظ حقوق الأفراد، فالمجتمع السياسي الجديد الناشئ من العقد إنما يجسّد البعد الأخلاقي المعياري الكامن في حالة الطبيعة، وهو بُعد سيوجّه المجتمع السياسي إلى الطريقة التي سيعيش فيها الأفراد.

وقد جانب تشارلز تايلور الصواب حين عدّ أن النظر إلى المجتمع السياسي يكون بوصفه أداة لتحقيق غايات ما قبل الغايات السياسية، غايات الأفراد الاجتماعية وحقوقهم الفردية، بمعنى أن مضمون الحكم السياسي يجب أن يقوم على مصالح الأفراد وحقوقهم.

العقد السياسي:

فكرة العقد الاجتماعي حملت بذورًا قديمة في العقل الديني والسياسي لأوروبا المسيحية، على عكس الفضاء العربي الإسلامي، فلا مثيل لهذا العقد، وإن حاول البعض، بأثر رجعي، إظهار أن بيعة العقبة الأولى والثانية التي جرت مع الرسول تشابه في مضمونها وغايتها فكرة العقد الاجتماعي الحديثة، كما ذهب إلى ذلك محمد عابد الجابري.

ومع ذلك، ثمّة تشابه بين الشق السياسي من العقد الاجتماعي الغربي، أي ذلك الشق أو العقد أو الميثاق الذي جرى بين الأفراد وشخص الحاكم، الذي بموجبه جرى الانتقال إلى المجتمع السياسي، وبين البيعة التي جرت مع الرسول، فكلاهما يفسران منشأ السلطة الجديدة، وكلاهما يضعان السلطة في شخص واحد، وكلاهما يرغبان في الانتقال إلى صيغة جديدة من الحكم.

إنّ الأشخاص الذين بايعوا الرسول في بيعتي العقبة، كانوا يهدفون إلى إنشاء سلطة جديدة قائمة على مبادئ وقيم إنسانية، وعلى تنظيم سياسي يختلف تمامًا عما كان رائجًا في الجزيرة العربية، حيث الهيمنة القبلية هي السائدة.

لكن بيعة العقبة كظاهرة اجتماعية سياسية ظلّت حالة استثنائية عابرة، فلم تكن بمثابة القاعدة النظرية القانونية والسياسية التي يُبنى عليها، ولذلك تحولت إلى مجرد ذكرى تاريخية خالية من أي مضمون أيديولوجي، بعكس الحالة الأوروبية حين ظلت فكرة العقد تتطور من سياقها الديني إلى سياقها الاجتماعي فالسياسي، ولذلك شكّلت ثورة فكرية مطلع الحداثة الأوروبية.

ليس المطلوبَ في قراءتنا لتطور مفهوم العقد الاجتماعي الغربي إعادة “تبيئة” المفهوم والنظرية في عالمنا العربي المعاصر، فهذه مهمة مستحيلة، لكن المطلوب هو إدخال فكرة العقد الاجتماعي في الوعي العربي، كونها تحيل إلى أولوية الفرد على المجتمع، وإلى أولوية الحقوق الفردية على الحقوق الجماعية، وإلى ضرورة أن تحكم الأنظمة وفق مصالح الأفراد، وأن هدف السلطة هو تحقيق الخير العام للمجتمع.

أهمية مفهوم العقد الاجتماعي حدثت في أوروبا على مستوى النخب الذين نظروا للعقد وحاولوا تطبيقه، أما في عالمنا العربي المعاصر، فإن تأثير هذا المفهوم يجب أن ينتقل إلى المستوى الشعبي، لخلق ثقافة سياسية شعبية جديدة.

لا يتطلب الواقع العربي بعد عشر سنوات من اندلاع الثورات عقدًا اجتماعيًا، إنما يحتاج إلى عقد سياسي على غرار العقد السياسي الذي جرى في الولايات المتحدة، وتم من خلاله إنهاء حالة الرق في القرن التاسع عشر، وعلى غرار العقد السياسي الذي جرى في جنوب إفريقيا نهاية القرن الماضي، الذي جرى بموجبه إنهاء حقبة الأبارتيد.

تحتاج سورية اليوم وكثير من الدول العربية، إن لم يكن جميعها، إلى عقد سياسي يعيد ترتيب العلاقة بين الحاكمين والمحكومين، لأن من سمات العقد السياسي أن يكون عقدًا جزئيًا لتفاهمات جزئية، ثم تدخل عليه تعديلات مع مرور الزمن ونضوج التجربة، بخلاف العقد الاجتماعي الذي يضع كل الاجتماعي في طرف مقابل السلطة الحاكمة كطرف آخر.

* كاتب سوري

المصدر: حرمون