الحرية أولاً , والديمقراطية غاية وطريق

’’لبنان الكبير‘‘ في قصر الصنوبر

محمود الزيباوي *

لقد فتح “قصر الصنوبر” أبوابه، للمرة الأولى عام 2016، أمام الجمهور اللبناني ليتمكن من زيارة هذا الصرح الذي شهد إعلان ولادة دولة لبنان الكبير في اليوم الأول من أيلول 1920. يتميّز هذا القصر “الفرنسي” بطابعه الشرقي الصرف، وعلى أحد جدرانه لوحة زيتية من توقيع فيليب موراني تصوّر نشوء لبنان الكبير على يد “فخامة الجنرال غورو” كما تقول اللوحة المثبّتة على المدخل الرئيسي للقصر باللغتين الفرنسية والعربية.

يقع هذا الصرح وسط غابة استأجرها ألفريد موسى سرسق في نهاية العام 1915 لمدة أربعين عاما، وذلك لبناء كازينو ونادٍ عثماني يضمّ ميداناً لسباق الخيل. مع احتدام الحرب العالمية الأولى، وامتدادها إلى الشرق، توقّف هذا المشروع، فتحوّل الكازينو إلى مستشفى، ثم صار نادياً عسكرياً أقام فيه والي بيروت، عزمي بيك، وعُرف بـ”قصر الصنوبر”. مع نهاية الحرب العالمية الأولى، خرج العثمانيون من الشرق الأوسط، ودخلت المنطقة في صراع جديد مع قوى الحلفاء التي سارعت إلى تقاسم التركة العثمانية. استقر الأمر لفرنسا في “سوريا الكبرى” وجبل لبنان، وذلك إثر انتدابها من قِبل “عصبة الأمم” لتولّي شؤونهما، وفقاً لما جرى من تقسيمات للمنطقة.

عُيّن الجنرال جورج بيكو مفوضاً عن المناطق العثمانية في سوريا وفلسطين، وانتقل في تشرين الثاني/ نوفمبر 1919 إلى بيروت، وجعل من قصر الصنوبر مقراً للسلطة الفرنسية في هذه المدينة. في باحة هذا القصر، وأمام قناطر مدخله، وقف الجنرال غورو في اليوم الأول من أيلول/ سبتمبر 1920، وسط البطريرك الياس الحويك ومفتي بيروت الشيخ مصطفى نجا، وأعلن في خطاب طويل قيام “لبنان الكبير” أمام أعيان البلاد، وتزامن هذا الإعلان مع القضاء على استقلال “الدولة العربية” في سوريا. خطب المتصرّف نجيب بيه أبو صوان، يومها، في بدء الاحتفال، وقال مرحّباً بالجنرال الفرنسي: “في هذه الساعة المهيبة التي تدخل التاريخ لتدوين حقبة غير قابلة للانمحاء، بيروت زهرة سوريا، عاصمة لبنان الكبير، مستعيدة أنفاسها الحرة، تحيي فيكم راعيها وتحيي بشخصكم فرنسا المجيدة”.

استعاد الرسام فيليب موراني هذا الإعلان التاريخي في لوحة زيتية تسنّى لزوار القصر رؤيتها مؤخراً، وهي لوحة “تسجيلية” تقارب بتفاصيلها اللقطات الفوتوغرافية التي رافقت الحدث، مما يوحي بأن الرسّام استعان بهذه الصور لإنجاز لوحته، وهو من الفنانين الذين شهدوا ولادة “لبنان الكبير”، وكان يومها في الخامسة والأربعين من عمره. يظهر المفوض السامي الجنرال غورو منتصباً في ظل الأعلام الفرنسية، رافعاً ذراعه إلى الأعلى. ويقف البطريرك الماروني عن يمينه بلباسه الكهنوتي الأرجواني، محتلاً وسط الصورة، بينما يظهر مفتي بيروت في الطرف المقابل بلباسه الأسود وعمامته البيضاء. خلف الجنرال غورو، يقف أربعة أساقفة، يتميّز كل منهم بلباس خاص، وهم رؤساء الطوائف المسيحية الذين حضروا الاحتفال. حول الجنرال ورجال الدين، يصطف عند جانبي مدخل القصر حشد كبير من المدعوين. بحسب الصحافة التي رافقت الحدث، تمّ هذا الإعلان بحضور شخصيات لبنانية مسيحية وإسلامية وفرنسية، وعدد من أعيان البلاد، على رأسهم إميل إده وحبيب باشا السعد.

في الخطبة التي ألقاها في بدء هذا الاحتفال، حيّا المتصرّف، نجيب بيه أبو صوان، فرنسا، ورأى أن المواطن اللبناني الذي تميّز بذكائه وحيويّته، يقف اليوم سعيداً بتحقيق حلم ولد في القرون الوسطى، وتحقّق بشكل ثابت في القرن العشرين.

في محاضرة تعود إلى العام 1969، حدّد المؤرّخ كمال الصليبي مراحل هذا الحلم الذي ظهرت ملامحه الأولى في زمن العثمانيين، يوم كانت بلاد الشام ثلاث ولايات: دمشق وحلب وطرابلس. كان الموارنة في جبة بشري والبترون وجبيل والمنيطرة، تابعين لولاة طرابلس، فشرعوا بالنزوح إلى كسروان والمتن والجرد والغرب والشوف، وكانت هذه المناطق تابعة لولاية دمشق. ثم ارتبطوا في مرحلة لاحقة بالأمراء المعنيين، وتكرّس هذا الارتباط في عهد فخر الدين المعني الذي بسط سلطته على الجزء الأكبر من برّ بلاد الشام، وأحاط نفسه بمستشارين ومدبرين من الموارنة، وجعل من آل الخازن وكلاء على الجبة وعلى بلاد جبيل. انتهى هذا العهد باقتياد الأمير إلى الآستانة حيث أُعدم، العام 1635، فاستعاد ولاة طرابلس المناطق الشمالية من جبل لبنان، واستمرّ الموارنة في النزوح من هذه المناطق إلى كسروان والمناطق الدرزية.

مع انقراض السلالة المعنية في البلاد، نهاية القرن السابع عشر، انتقلت السلطة إلى الشهابيين الذين تنصّروا بعد عقود، فتحولت الإمارة الشهابية إلى إمارة مارونية. ومع هذا التحوّل التاريخي، تفاقم الخلاف بين الموارنة والدروز، وأدى إلى صِدامات دامية بين الطرفين، تبعها تقسيم جبل لبنان إلى قائمقاميتين، واحدة مسيحية، وأخرى درزية، إلا ان هذا التقسيم لم يُرض الفريقين، فكانت حرب 1860 التي قضى فيها أعدادا كبيرة من المسيحيين. أفسحت هذه الكارثة المجال أمام فرنسا للتدخل، وأدت المحادثات إلى قيام “متصرفية جبل لبنان” المنفصلة إدارياً عن باقي بلاد الشام، والواقعة تحت حكم “متصرف مسيحي غير لبناني يعيّنه السلطان من بين رعاياه الكاثوليكيين”.

في زمن هذه المتصرفية، انتُخب إلياس حويك بطريركاً في مطلع العام 1899 في بكركي، وزار في 1905، السلطان عبد الحميد، الذي قلّده وساماً رفيعاً. ثم شهد نهاية الدولة العثمانية، وسافر في 1919 إلى باريس حيث حضر مؤتمر الصلح، وعاد حاملاً بشائر “دولة لبنان الكبير”، وأتمّ مسعاه مع إعلان نشوء هذه الدولة في أيلول 1920. هكذا امتدّت حدود لبنان الصغير، لتشمل صيدا وصور ومرجعيون وطرابلس وعكار والبقاع مع أقضيته الأربعة، وباتت بيروت عاصمة لهذه الدولة التي حملت علماً مماثلاً للعلم الفرنسي بألوانه الثلاث، الأزرق والأبيض والأحمر، إضافة إلى أرزة في الوسط. رفضت الحركة الوطنية السورية وأنصارها في لبنان، الاعتراف بالكيان اللبناني الناشئ، ودخلت المنطقة في صراع داخلي استمر حتى مطلع الثلاثينات حين اشترطت فرنسا على الحركة الوطنية السورية الاعتراف بالكيان اللبناني قبل التوقيع على معاهدة تقرّ فيها باستقلال دولتي سوريا ولبنان.

وفي “السنة الثالثة للبنان الكبير”، نشرت جريدة “المعرض” في أيلول 1923 رسماً يمثل “الأمير فخر الدين المعني أول لبناني أوجد لبنان الكبير” إلى جانب صورة تمثل “الجنرال غورو أول فرنساوي أعلن لبنان الكبير”. قبلها، في مطلع ذلك العام، نقلت الجريدة كلمة حول “لبنان الصغير والكبير” ألقاها البطريرك الحويك في احتفال أقيم في ذكرى جلوسه على كرسي بكركي. رأى البطريرك أن “لبنان الكبير” يجمع بين لبنان القديم ولبنان الجديد، ولبنان القديم هو “جبل لبنان، البلد الذي تقلبت عليه القرون الكثيرة باضطهادها ومخاطرها فاجتازها كلها محافظاً على استقلاله بفضل العناية الصمدانية وببسالة قومه ووطنيتهم، فلم يخسر نعمة استقلاله على الرغم مما عاناه من المصائب، بل ظل متمتعاً بها وظلت عناية الله تحرسه في كل حين”، أما لبنان الجديد، فهو “لبنان الكبير الذي انتدبته فرنسا المنتدبة، وقد تعهدت أن ترعاه بعين ساهرة، وهذا أمر لا ريب فيه”.

* فنان وكاتب لبناني

المصدر: المدن