الحرية أولاً , والديمقراطية غاية وطريق

النساء… أوجاع الواقع جماليات الفن

بروين حبيب *

قرن وثمان وعشرون سنة مرّت على مولد الفنانة بديعة مصابني، لأب لبناني وأم سورية، لم تعرف الاستقرار بين البلدين، لا بين أهل والدها، ولا أهل والدتها، رافقتها المعاناة إلى أن حطّت قدميها في مصر منذ قرن تقريبا، تعلّمت الرّقص الشرقي، والغناء، وأربع لغات هي الإسبانية والإنكليزية والفرنسية والتركية، وأسست فرقتها الخاصة.. تلك مصر التي كان يدخلها الناس آمنين.. وكانوا يقصدونها من كل صوب وحدب للتجارة وطلب العلم والشهرة والنجاح.

لم تختلف بديعة مصابني عن غيرها ممن أسسوا مدارسهم ونجوميتهم، هي نفسها أطلقت أسرابا من الفنانين، الذين زادوا في شهرة أم العواصم وأم الدنيا. وقد سجل تاريخ الرقص الشرقي في مصر أهمية مدرسة مصابني، التي تخرجت منها كوكبة من الراقصات، مثل سامية جمال، وتحية كاريوكا، وغيرهما.

هذا الكلام وتفاصيل أخرى في قمة المتعة، وردت في مقابلتها النادرة مع المذيعة الجميلة الراقية ليلى رستم سنة 1966. حكاية الراقصات الشرقيات في مصر لا تختصر في الأسماء الشهيرة، فالرقص الشرقي رغم انتشاره في مناطق أخرى، يعتقد أن ولادته وازدهاره كانا في مصر ولا يزالا. بعض الراقصات لم يشتهرن فقط برقصهن، بل «بجدعتهن» وتشهد الأوساط المقربة من راقصات مثل تحية كاريوكا، وفيفي عبدو، أن الغلط ممنوع معهن، وكلماتهن كالسيف، وأيديهن مفتوحة للفقراء والمحتاجين والمعوزين. إلى هنا تبدو حكاية الرقص الشرقي جزءا من أجزاء الحياة في هذا الشرق. لا تكتمل أفراحنا إلاّ به، كما أن أغلب الأفلام العربية تعج بمشاهد الرقص الشرقي، ومشاهد تكشف خبايا مجتمعنا المزدوج. يحب الجمهور الراقصات، ولا يستغني عنهن في أفراحه، لكن وحده الله يعلم مقدار النوايا السيئة تجاههن.. ولا أدري إن حدث وحوكمت راقصة بسبب وصلة رقص في عالمنا العربي، حسب معلوماتي، للراقصات عالمهن، وهو مفصول بخيط رفيع وربما وهمي عن عالم آخر يقطنه أكثر الناس تناقضا.. نحن.

منذ السنة الماضية تمت محاكمة شابات عشرينيات، أو أقل، بسبب «مياعتهن» عبر تطبيق «تيك توك» المُشاهِدُ الذي يُحَكِّم عقله، ويرى تلك الفيديوهات لن يصاب بصدمة أبدا، فهن مراهقات بحكم تأخر سن النضج في مجتمعاتنا لأسباب كثيرة، وهذه ظاهرة تسود الجوّ العام، لكن الصدمة الحقيقية نصاب بها حين نقرأ الأحكام بالسجن سنتين نافذتين بحق بعضهن! يا إلهي.. أين نحن؟

في مجتمع يكبر فيه الفرد، وأمامه نماذج شهيرة من الراقصات، ونجوم الفن والاستعراض، وتقاليد الفرح بكل ألوانه، يزج بشابات في السجن بحيث يُحشرن مع أشكال وألوان من المجرمات، فقط لأنهن رقصن وقمن ببعض الحركات «المايعة» سجلنها بأنفسهن على هواتفهن ونشرنها عبر هذا التطبيق. والبؤس ليس هنا، إنّه في التعليقات القاسية والشريرة، التي تعكس الرأي العام العربي، الذي هلل فرحا لهذه الأحكام، شامتا في البنتين، وفي عائلتيهما، وفي كل من تسوّل لها نفسها أن تفتح كاميرتها وتقوم بفعل مماثل. هناك من كتب أشياء مرعبة بشأنهن تكشف عن حجم الكراهية والأحقاد التي تسود مجتمعنا.

تزامن هذا الخبر مع أخبار أخرى، تكاد ترسم لنا المشهد الكامل لواقع النساء العربيات، بعد قرن ونيف من النضال، من أجل تحقيق عدالة إنسانية في حقهن في عقر أوطانهن وبين أهلهن، وواقع المرأة في العالم. نبدأ بخبر استقالة كبيرة مستشاري الرئيس ترامب، الذي لوهلة نشعرُ بأنّه لا يختلف عن خبر مقاطعة «أم أحمد» لكل الذين لا يحبهم سي السيد في الحارة التي يسكنها، للحفاظ على سلامة أهل بيته. إنّها القاعدة، فلا يمكن للمرأة أن تتوهم وتبسط نفوذها حيث لا نفوذ لها أصلا.

لكن علينا أن نبتعد عن معطياتنا الاجتماعية لنحكم من خلالها على الآخر. ما فعلته المستشارة، هو أنّها فضّلت ابنتها على ترامب، والقرار يبدو صائبا، كونها قامت بالاختيار الذي أملته عليها أمومتها، وربما يبدو قرارا رجعيا للبعض، خاصة بالنسبة لنساء يعتبرن الوظيفة أهم من الاستثمار في أولادهن، لكن ما أثّر فيّ فعليا هو أن القرار كان استجابة أم لنداء ابنتها، ولا يجوز اعطاؤه أكثر من هذا البعد، لأنه لا يحتمل ذلك. صحيح أنّ هذا العالم يخضع للسلطة البطرياركية، والمرأة فيه تتحرّك حسب طول القيد الذي يقدِّره الرجل. لكن علينا أن نكون حريصين جدا حين نقرأ هذه الأخبار، بإعادة بناء معطياتها الاجتماعية والتاريخية.

هناك مجتمعات تمضي نحو انتصار إنسانيتها وعقلانيتها، ومجتمعات أخرى فقدت بوصلتها تماما ولم تعد تعرف أين تتوجه. لقد طالتها الفوضى حتى بلغت أعماقها.

اغتيلت شابة عراقية في عمر الزهور، بسبب آرائها الثورجية على مواقع السوشيال ميديا، هذا لا يعني أن الجريمة أثرت في العراقيين فقط، فمن يقتل المرأة كأنّما قتل النّاس جميعا. وجه الصبية السمح الذي تناقلته مواقع التواصل الاجتماعي، ممهور باسمها «ريهام يعقوب» شابة جميلة وناجحة، تتوفر فيها كل الصفات التي تتمناها كثيرات.. فلماذا قتلت؟ تختلف الأسباب والموت واحد، فالمرأة تقتل لأسباب غير مقنعة، فقد تقتل لسبب فردي، كما يحدث في جرائم الغرب، هكذا يصاب الرجل فورة جنون فيقتل زوجته أو حبيبته، وينتهي به الأمر في السجن. نحن نقتلها لنغسل شرف العائلة، أو لتكون عبرة لغيرها. وقد نرأف بها فنسجنها للسبب نفسه. ويمكن ابتكار مبررات لا حصر لها للجريمة، فقد يكون لباسها فاضحا، وإن كانت محجبة ومحتشمة فهي حتما تثير مشاعر المجتمع بشيء ما، ثمة دوما تهمة جاهزة، لردع المرأة عن سلوك معين، وقمع طبيعتها. تكريس مخيف لكل أشكال العنف، الذي يباركه المجتمع بصوت عالٍ وبدون خوف.. إنها العادة والعُرف.

وصلني فيديو يهدد فيه مواطن وزيرة في بلد عربي بتقطيعها إربا إربا، وقد لاحظت أن الفيديو منتشر منذ أكثر من شهرين، وقد تخيلت لو أن هذا التهديد وُجّه لرجل في مركز وزير، هل كان سيترك صاحب الفيديو بدون عقاب؟ على الأرجح كان جعله يندم على اليوم الذي وُلِد فيه. أليس هذا ما يحدث حين يتطاول أحدهم على مسؤول عربي؟ تنتشر الجريمة في العالم أجمع، وبعض الغاضبين الذين أتوقعهم سلفا من مقالي سيذكرون أن أمريكا تنام وتستيقظ على أخبار الجرائم، ولن أفهم أبدا هل انتشار الجريمة في أمريكا يبرر لنا ما نفعله بنسائنا؟ وأي منطق هذا الذي يجعل بلدَ ومهدَ الرقص الشرقي يعاقب إحدى بناته لأنّها هزّت جسدها في ما يشبه الرقص؟ ولماذا في بلد كانت فيه المرأة سباقة في عطائها العلمي والنهضوي تغتال فيه شابة لأنها أفصحت عن رأيها؟ ما المطلوب من النّساء اليوم؟ ليحافظن على حياتهن، وسط هذا الانفجار المذهل للتكنولوجيا و«الشو أوف» والتّرصُّد بكاميرات الهواتف، والمبالغة في نسج الشائعات؟ هل يمكن أن يكون الحل في الاختفاء؟ أو في إخماد أصواتهن، أو تفادي تسجيل أي حضور لهن؟ هل يكفي أن تلغي المرأة ذاتها لتبقى على قيد الحياة؟

إن كانت حياة المرأة مجرّد عبور من اللاوجود إلى اللاوجود، فما فائدة أن تولد، وتكبر، وتحب، وتتزوج وتنجب، وتربي أجيالا، وتبتكر ما يناسب حياةً بأكملها هي حياتُها، وتفكّر في مصائر ذويها، ومحيطها، وتشاركهم قلقهم، وآمالهم، وتعمل معهم جاهدة على تحقيقها؟

إذا كان كل ما ستعيشه مجرّد «خوف طويل» كما قالت مي زيادة ذات يوم، فلماذا كل هذا الشعر لأجلها، كل هذه الخطابات التي تشيد بدورها، كل هذه البطولات في السينما، والأدب؟ لماذا هذه الواجهة الجميلة لواقع كله خراب؟

٭ شاعرة وإعلامية من البحرين

المصدر: القدس العربي