الحرية أولاً , والديمقراطية غاية وطريق

في الدفاع عن القومية العربية ووحدة الأمة «4/4» *

د. جمال الأتاسي

   في حقبة الخمسينات، نحن أبناء تلك المرحلة والمندفعين في تيارها، مرحلة «البعث القومي» ومرحلة عبد الناصر وثورة الجزائر، تقدمنا هنا وهناك وهنالك، نحمل الفكرة وقوة الفكرة، نحن أمة واحدة ونريد أن نعود أمة واحدة إلى مسرح التاريخ. تقدمنا وكأننا في تصميمنا سنحقق ما نريد، وكأن أهدافنا، أهداف الأمة في استقلالها ووحدتها وتقدمها، أصبحت قريبة المنال، نكاد نطالها بأيدينا، وكأنها أهدافنا نحن جيل الخمسينات ليست لجيل آخر يأتي، نحن جيل عبد الناصر وأحمد بن بيلا ورموز أخرى فكرية وسياسية غيرهما، وما أقل تلك الرموز والرجال التي ظلّت رموزاً للأمة والتي ثبتت على محك التجارب والمحن.

   تلك كانت حقبة تقدم. تلك كانت نزعتنا وتطلعاتنا نحن أبناءها، إلا  أنها نزعة وتطلعات كانت على قدر مما يسمونه بالإرادوية (volontarisme). فلم نقم أرضاً صلبة بما فيه الكفاية في مجتمعاتنا وفي تجمع حركاتنا وقوانا، وهكذا تقدمنا في البداية «من نصر إلى نصر…» ونحن لا نرى ما خلفنا وراءنا من معوقات ومن مواقع للردة والرجعة وما أبقينا عليه في مجتمعاتنا وبنانا السياسية من ثغرات، بل ومن مقاتل لحركتنا القومية. لقد دفعنا الشوط إلى آخره في النصف الثاني من الخمسينات حين وقفت شعوب الأمة وقفة واحدة في مواجهة العدوان الثلاثي على مصر بعد تأميم قناة السويس، وانتصرت إرادة الأمة وقلنا: هذه قوميتنا العربية وقد صارت حركة شعوب وثورة، وها هي الوحدة العربية تقدمت هدفاً عاجلاً وأصبحت استراتيجيتنا (كما قال عبد الناصر) في التصدي للمشاريع والقوى المعادية وفي التعامل كأمة مع القوى العالمية، وبهذا التصميم قامت وحدة القطرين مع مطلع عام 1958، وقامت أول دولة قومية للأمة العربية، وأرادتها كل شعوب الأمة دولة لها وتطلعت إليها، والتفت شعوب الأمة كلها حولها وقامت دولة الوحدة وتعزز بنيانها، وما اكتشفنا جوانب الضعف في ما بيننا إلا عندما ضربتنا «نكسة» الانفصال في أيلول عام 1961. ووقفت قيادة الأمة وقامت طلائعنا الثقافية بمراجعة نقدية لما كان وحسبنا أننا تعلمنا درساً من المحنة، وقمنا بتعزيز البنيان القومي في مجتمعاتنا وفي علاقاتنا القومية وتركيب قوانا، وتقدم عبد الناصر أمامنا، وقال إن قوميتنا العربية، ثورة أمتنا الوحدوية، أصبحت قادرة على حمل مهمات الثورة الاجتماعية، لنقتلع جذور الرجعية والتخلف ولنقيم مجتمع الكفاية والعدل، وصارت كل الحركات و«النظم» الثورية العربية تعبئ برامجها ومزوداتها، بالاشتراكية الثورية وبالاشتراكية العلمية. وغفلنا أو تغافلنا عن الإمساك بالمنهج الديمقراطي الذي لا بديل عنه لتعزيز حركة الوعي والعقلانية والتماسك القومي في مجتمعاتنا وقدرة الشعب على أن يبصر أو يرى كيف تساس الأمور وتبنى. وجاءتنا تلك الضربة الماكرة من أعداء الأمة، وحلت بقوى أمتنا وما بنت من قوة، تلك الهزيمة في حرب حزيران عام 1967 لتكشف ضعف ما بنينا وحسبنا أننا بنينا في مواجهة تحديات العصر ومواجهة ما يدبر ضد أمتنا وضد نهوضنا القومي. وقمنا من جديد نراجع عثراتنا وأخطاءنا، وقمنا بهمة عبد الناصر التي تجددت، نعيد بناء القوة من جديد.

   عندما وقع الانفصال الغادر قلنا إن حركة القومية ستثأر للأمة من هذا الانفصال وتزيل آثاره  بإعادة الوحدة وتجديد المسيرة الوحدوية  للأمة. وظل مطلب إزالة آثار الانفصال معلقاً، فلا من انفصال ثأرنا ولا من وحدة أعدنا.

   وبعد عدوان حزيران والهزيمة التي حلت والوقفة التي وقفتها شعوب الأمة في رفض الهزيمة ومواصلة الكفاح، رفعنا من جديد شعاراً، هدفاً، طريقاً في البناء، بدت الأمة وبما تقدمت إليه قيادة عبد الناصر، قادرة على تحقيقه، وهو شعار: «إزالة آثار العدوان»، و«ما أخذ بالقوة سنستعيده بالقوة». فمعركة دحر العدوان، وإزالة كل ما خلّف من آثار، تنتقص من وجودنا القومي وتعترض طريق ثورتنا القومية، وهي معركة لا بديل لأمتنا فيها عن النصر، لكي تقوى بعدها على استئناف مسيرة البناء والنهوض والتقدم نحو أهداف الأمة والوحدة ولتأخذ الأمة دورها الحر في العالم. ولكن عبد الناصر انقطع عنا وقطعنا في منتصف الطريق وتحولت الأمور كل تحول من بعده. وفي مصر نفسها وعلى أرض المعركة، حيث حلت قوى الثورة المضادة محل الثورة، وحيث قام الانكفاء إلى القطرية والتابعية محل القومية العربية وتقديم مرجعية لوحدة الأمة، وحين قاد الرئيس السادات القوة التي بناها عبدا لناصر، ليعبر بها القنال ويخترق خط بارليف، فهو لم يقدها إلى حرب لا بديل فيها عن النصر وإزالة كل آثار العدوان، بل وقف بين بين، ليفتح أبواب مصر لأميركا، وليذهب بعدها إلى كامب دافيد، ولتبدأ بعد ذلك مسيرة التراجع على طول الأقطار العربية وعرضها. وبعد حرب تشرين التي تحولت، بعد نصف نصر في البداية، إلى هزيمة سياسية للأمة استهجنتها الشعوب واستغربها العالم كله، جاءت حرب لبنان واحتلت إسرائيل عاصمة عربية، تحت ظلال السلام المصري – الإسرائيلي دون أن تحرك الأمة ساكناً أو تقول بالتزام قومي أو رابطة قومية، أو بأمن قومي وبما بقي على أوراق «الجامعة» من ميثاق دفاع مشترك. ومسيرة التراجع ارتدت بكل الأنظمة العربية إلى مواقعها القطرية، ونزلت الرابطة القومية وثورة الأمة من الحكم لتصعد الثروة وأموال النفط وتصبح عنواناً لما بقي من الأمة في الحكم وليصبح الحكم أداة للإثراء والثروة، وطعنت المجتمعات في قوميتها وسحقت الثورة الاجتماعية. ومن خلال كل هذه التراجعات والتحولات، وما فجرته من تحركات عمياء ومن سيادة اللامعقول في السياسة، داهمتنا أزمة الخليج واحتلال الكويت وحرب الخليج، فإذ لا من رابطة قومية ولا من التزام قومي لأي من تلك الأنظمة والحكومات القطرية التي أصبحت تدور في فلك غيرها، وليس في فلك أمتها والمصلحة القومية لتتطلع لمصيرها وأدوارها كأنظمة وفئات حاكمة، وليس إلى مصير الأمة ولا لأية قائمة يمكن أن تقوم أو دور للأمة. ونادى المنادي الأميركي والغربي كله وراءه، هذه حقيقتكم وحقيقة المنطقة، وكما نصنعها ونريد صنعها، فلا من قومية عربية ولا من رابطة أمة، وقد ولّى أصلاً ومضى عصر القوميات، بل وعصر الشعوب وحركة الشعوب، وعندما ارتفع صوت الشعوب هنا أو هناك، ورفعت كلمة الأمة وقالت حقيقتها، استأسدت الأنظمة الجائرة من جديد ورفعت قبضة حديدية في وجه الشعوب وحرية الشعوب، لكننا عدنا وجددنا الرهان على ما تبقى من رصيد للأمة لدى الشعوب المقهورة، ونادينا بإيقاف حركة السقوط ورفعنا أيضاً شعار: إزالة آثار حرب الخليج. وشتان بين ما كان وما صار.

   ويعود ويتجدد النداء استنهاضاً للحمية القومية وما بقي من التزام بتلك الروابط، بعد أن تراكم كل هذا الذي تراكم من آثار الهزائم والنكسات أو النكبات التي حلت بالأمة.

   نادينا وننادي بإيقاف هذا السقوط والانهيار في العلاقات العربية – العربية، وإيقاف حركة الاستسلام… بتبديد التناقضات التي أخذت تحتل كل ساحاتنا القومية أمام ذلك التناقض الكبير مع الحلف المعادي لأمتنا وأمام الأخطار المنذرة. نداء بالتضامن بتوحيد ما لكلمة الأمة.

   ولكن من أي موقع مؤثر ننادي ولمن يوجّه النداء؟ فحركة القومية العربية، بل حركاتها تلك وأحزابها التي تناحرت، لم ترفع آثار جريمة «الانفصال» ولم تجدد مسيرة وحدة.

   لم تستطع هذه الحركة، حركة الأمة، وبعد كل ما حشدت من قوة وتصميم في السنوات الأخيرة من حقبة عبد الناصر، أن تواصل مسيرتها نحو نزع آثار عدوان حزيران عن أرضها وعن ضميرها، ليأتي الحلف الأميركي – الإسرائيلي في النهاية ليمسك بكل المرامي والأهداف التي أرادها من حرب حزيران.

   أما حرب الخليج وما خلفت، فقد بقيت آثارها كلها تحت تصرف الولايات المتحدة الأميركية التي أبدعتها…

   وحركة القومية العربية، وإذ هي بالأصل وفي كل مسارها، حركة فكر وحركة طلائع وحركة شعوب، تتطلع إلى تحرير الأمة ووحدتها، وإذ تطالب بالعودة والتجدد استنهاضاً لطلائعها واستنهاضاً لحركة الشعوب، تجد نفسها محاصرة من جديد في محابسها القطرية وأنظمتها  القطرية، أو كل ما كان وما سيأتي من نكبات، وتتطلع إلى ما بقي لها من مرتكزات تقوم عليها وتنهض من جديد.

   لم يعد هناك من دولة للأمة، أو لقطر يقدم نفسه مرتكزاً لصمود الأمة وتجمّع قواها، ولم يعد هناك من مرجعية قومية قادرة أو قيادة عربية موثوقة من الشعوب تجدد بناء وقوة الأمة وتلاقي شعوبها على وحدة الهدف، أو تقيم التلاقي والتضامن ووحدة الصف في الملمات وعندما تقصّر قوى الثورة القومية عن التوحد بوحدة الهدف. ولم يعد هناك من جسور استراتيجية أو روابط استراتيجية في العمل القومي كذلك الجسر الاستراتيجي الذي امتد من قبل بين مصر وسورية.

   بل ولم يعد هناك من «جامعة عربية» تؤدي دوراً جامعاً بين الحكومات والنشاطات الرسمية، كما كان لجامعة دولنا العربية، عندما نشطت أو استنشطت في حقبة ما. وإن كان ذلك ما يقدمه أضعف الإيمان بالقومية العربية ووحدة المصلحة والمصير لشعوب الأمة، فالجامعة تلك لم يكن مأمولاً منها ولا لها أن «تحمل الشوط العربي إلى آخره…» ولكنها، كانت تنسق ألواناً من النشاط العربي كانت ضرورية في مرحلة من المراحل، ولا تعترض طريق المستقبل، أي لا تكبل حركة نهوض عربي تتقدم نحو صيغ أوثق لوحدة الأمة.

    ولكن هذا «الإيمان الأضعف» في العمل العربي المشترك، جاءت ضربة حرب الخليج لتؤدي بكل قممه وقراراته وبكل مواثيقه في التضامن والدفاع والعمل المشترك، ليقف مثل حسني مبارك، رئيس أعظم قطر عربي، هو مقر «الجامعة العربية»، ليقول في الرد على سؤال حول تنشيط المصالحة العربية والعمل المشترك: أن لا سبيل إلى ذلك «فالجرح الذي خلفته حرب الخليج عميق جداً ويحتاج لزمن طويل قبل أن يلتئم…».

   ذلك أن الإرادة الأميركية التي هندست حرب الخليج، قد أمسكت بكل ثمارها وآثارها لتدخل بالأنظمة العربية ومن تحتها الأمة، في رحلة العذاب والتفكيك للأواصر، تلك التي يسمونها رحلة السلام والتسوية في الشرق الأوسط، والتي جرت ومازالت تجر اقطاراً عربية وأنظمة قطرية، إلى إقامة ارتباط لها وترابط مع الكيان الصهيوني، لفك ارتباطها وترابطها مع أمتها وقضايا أمتها، تحقيقاً لذلك الأمل الذي راود الرئيس الأميركي السابق بوش، عندما قال في الخطاب الذي ألقاه يوم 6 مارس (آذار) عام 1991 معلناً انتصار «الحلفاء» ضد العراق: «في هذه الحرب وقفت عدد من الدول العربية مع إسرائيل في معسكر واحد ضد عدو مشترك…»، وما كان العدو المشترك إلا بلد عربي هو العراق، مدللاً على ما أريد في تلك الحرب من اختراق مقوم أساسي من مقومات وحدة هذه الأمة والتزامها القومي بقضيتها المشتركة في مواجهة إسرائيل وحليفها الإمبريالي الكبير.

   وهكذا تتجمع كل آثار النكبات والنكسات، عند أم النكبات، وهي كياناتنا وأنظمتنا القطرية، التي يراد لها أن تظل واقعنا الأبدي، أما ما تراكم في ذاكرة الشعوب من خبرات وتجارب الماضي وما كان من نهوض ومرتكزات نهوض قومي، فإن أنظمة السلاطين والأمراء، في هذا الشتات أو التشتت القومي، تتكفل بإخماد جذوته، وباعتراض سبيل حركة الشعوب، لنجد حركة القومية أو من يتطلع لتجديد حركتها وعند أية مبادرة للإمساك بمنطلق أو نقطة بداية، مطالبة بأن تنزع تلك الآثار والتراكمات السلبية، أول ما تنزع من داخلها، أي أن تحرر الأرض التي تقف عليها، أن تحرر مجتمعاتها، لتقوى كمجتمعات وتأخذ استقلاليتها في مواجهة أنظمتنا السلطانية مستعيرين تسمية موفقة أطلقها على أنظمتنا القطرية  واحد من فقهائنا، وقبله كان من سماها بأنظمة مملوكية…

   إن العائدين إلى ساحات العمل القومي والمتطلعين إلى نهوض عربي جديد على طريق الوحدة اليوم، صنفان. أحدهما إصلاحي ويعتمد تدرج الخطوات والعمل على مستويين، مستوى يبني للمستقبل «البعيد»، وآخر يتحرك على صعيد الحاضر والممكن، لإصلاح ما يمكن إصلاحه لإيقاف حركة التراجع والتردي، ولإصلاح ما بين الأنظمة والدعوة للتضامن وإنعاش حيوية «جامعة الدول العربية»… إلخ، هذا ريثما يتم إنضاج الظروف المواتية والقوى القادرة للإمساك بحركة النهوض والتطلع للمستقبل.

   وثمة نهج آخر في التوجه القومي والعمل، أكثر راديكالية، وقد قطع ما بينه وبين كل مسارات التسوية والرهانات التي لم يعد لها من رصيد، ويقول إن الظروف المواتية لن تأتي ما لم نندفع إليها وما لم تتقدم إليها حركة الشعوب والثورة الديمقراطية في المجتمعات الشعبية.

   وبعد كل ما تراكم من إحباطات ومن آثار نكسات وهزائم، هل نقف مع أولئك الذين يقفون على انتظار «المخلّص»، أم نمضي في طريقنا ونقول مع السيد المسيح «دع الموتى يدفنون موتاهم… فإلهنا إله أحياء لا إله أموات». و نعلق آمالاً نهضوية جديدة، أو نتوجه إلى «من عصم ربك»، أولئك الذين لفت الأستاذ المقدسي الانتباه إليهم في كتابه «حرب الخليج»، أولئك الذين، وفي مواجهة النكبة وأمام النكبات، وقفوا مع الشعب وقالوا حقيقته، حقيقة موقف الأمة وظلوا التعبير عن ضمير الأمة… وندعو للتجمع، لتجمع كل الذين يتمسكون بالحرية ووحدة الأمة، ويقولون بمراجعة كل المسارات وبوصل ما انقطع في مسار نهوضنا القومي ومن حيث انقطع، مع التطلع إلى مرتكز بناء وتجمع. ومن قلب الحصار الذي تقيمه الأنظمة القطرية في وجه تحرير المجتمع ونهوض حركة الشعوب، نتطلع إلى ثورة قومية ديمقراطية جديدة وإلى من يحمل مهمات هذه الثورة، وكأننا نعود بالقومية العربية من حيث هي حركة تقدم وتغيير وثورة، ومن حيث هي حركة تشكيل للقوى السياسية وحركة تحديث للمجتمعات وللروابط القومية في المجتمع، نتطلع إلى أن نعود لنجددها من بداياتها. فالأمم الثابتة اليوم في مواقع التقدم والنهوض،  ما كرست بنيان وحدتها القومية وأقامت دولتها كدولة للأمة، إلاّ من حيث بنت بالديمقراطية حداثة مجتمعاتها لتصنع اندماجها القومي ولتنتقل بها من بناها التقليدية وما قبل القومية، الإقطاعية والعشائرية والمذهبية، إلى بناها الاجتماعية الحديثة وإلى بناء استقلالية مجتمعاتها عن مبدأ الحكم المطلق الذي كان يسوسها، لترفع عن كاهل المجتمع سيادة أنظمة الحكم المطلق والسلطاني، لتصبح السيادة كل السيادة للشعب والدولة دولة للأمة.

   كان عبد الناصر يقول: إن ثورتنا العربية القومية، تحمل مهمات ثلاث ثورات في ثورة واحدة: الثورة السياسية الوطنية، ثورة الاستقلال الوطني وصولاً لحرية الوطن والمواطن، والثورة الاجتماعية وإقامة مجتمع الكفاية والعدل تقدماً على طريق الاشتراكية، وثورة الوحدة العربية وتوحيد أجزاء الأمة بعد تحريرها سياسياً واجتماعياً. وقال في الوقت ذاته بتداخل وتكامل أهدافها ومراحلها. ونقول اليوم وبعد كل الذي تغير في العالم وفي دنيانا العربية وما حولنا، بأن ثورتنا القومية المتجددة أو المتجددة، تحمل مهمات ثورتين في ثورة واحدة: مهمة قومية وديمقراطية. فهي ثورة وحدوية تنطلق من مبدأ وحدة الأمة اختراقاً لفواصل التجزئة لتعزيز روابط التكامل والتواصل بين المجتمعات والشعوب العربية. وهي ثورة ديمقراطية تنهض من داخل كل مجتمع وشعب، لتصبح المبدأ والمنطلق لكل عمل قومي وعلى كل المستويات القطرية وما بين الأقطار وما فوقها من بنى ومؤسسات قومية، تأكيداً على هدف أصبح مقدماً على كل هدف، وهو أن ندفع بالديمقراطية وبإعادة تأسيس السياسة والاندماج القومي في حركة المجتمعات، إعادة تأسيس استقلالية المجتمعات وحرية القوى الاجتماعية، لتقوى على رفع كابوس قطرية الأنظمة النافية لكل وحدة قومية، ولكي لا تتكرس التجزئة من خلالها كواقع أبدي، أو كي لا تجرنا إلى التمزق من داخلنا ارتداداً إلى شتاتنا ما قبل القومي، أو تجرنا إلى الذوبان والضياع في تلك الأطر الإقليمية أو التكتلات الأكبر والمهيمن عليها كذلك النظام الشرق أوسطي الذي يبشر به.

   وحركتنا القومية التي ندعو لها ونريد، لها أن تعطي لفكرة القومية العربية هدفاً لوحدة الأمة، وأن ترفع كابوس التجزئة والتأخر والتابعية والضياع، وتعطي للفكرة صيغها الإجرائية ومرتكزاتها وقواها، هذه الحركة، ليست رجعة أو عودة بقاطرة التاريخ إلى الوراء، بل هي التأكيد لوجودنا التاريخي كأمة، ولنبقى في مسار التاريخ، أمة واحدة.

   ونعود لننطلق من البدايات من الدعوة للتجمع وطنياً وقومياً، من الدعوة لتجديد الاندماج القومي للمجتمعات وتجديد حركة الشعوب… من الدعوة للتغيير الديمقراطي في كل ساحة، وأن يكون لنا عقدنا الاجتماعي، على صعيد الأوطان ولكل قوى الأمة، ولتصبح حركتنا القومية حركة وحدة أمة ونهوض أمة وحركة نحو المستقبل.

|||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||

* جاء هذا البحث  للدكتور جمال أتاسي في كتاب ” المسألة القومية على مشارف الألف الثالثة – دراسات مهداة إلى أنطون مقدسي ” شارك به عدد من المفكرين مثل غسان سلامة وجورج ناصيف وصادق جلال العظم وأنطون مقدسي، وغيرهم، وبإشراف بطرس الحلاق.

صدر الكتاب عن دار النهار للنشر في بيروت ــــــ الطبعة الأولى نيسان 1998.

        مراجعة د. سراب أتاسي

       مراجعة ثانية ونهائية محمد عمر كرداس