الحرية أولاً , والديمقراطية غاية وطريق

في التدخل الخارجي

محمود الوهب *

مع بداية العام 2011 وفي أواخر نيسان/ابريل أوائل أيار/مايو بالتحديد، وبعد توقيعنا، نحن مجموعة شباب يمثلون الطيف العام لمدينة حلب سياسياً وقومياً ودينياً، “نداء من أجل حلب” تداعى بعض موقعي البيان إلى اجتماع في بيت أحد الناشطين ربما كانت الغاية استصدار بيان أو نداء ثان أشمل وأوسع. ولدى بدء الحوار بادر أحدهم إلى قراءة مسوّدة بيان كان قد أعدَّ مسبقاً، وتبين من قراءته وجود دعوة صريحة لتدخل خارجي في شأننا السوري. كنت، حينئذ، من بين المعترضين، ولديَّ حساسية خاصة فأنا من جيل تربى على مناهضة الاستعمار بأشكاله وألوانه كافة، وحين بدأ النقاش وجدت نوعاً من الإصرار على الفكرة وأخذ بعضهم يسوق مبرراتها لم أجد بداً من مغادرة الاجتماع، وأذكر أنَّ أستاذاً جامعياً من بين الحاضرين قد خرج أيضاً، بعدئذ لم أعد أتابع تلك الاجتماعات. إذ شعرت، حينذاك، بنوع من تباعد في الرؤية، ثم أخذت الأحداث فيما بعد أشكالها المسلحة، بدأها النظام بإنزال الجيش، ووضع قناصة في أماكن تشرف على ساحات المتظاهرين، واختلط الحابل بالنابل، وفيما بعد، وحين بدا النظام أنه آيل إلى السقوط، استعان بالأجنبي تحت غطاء ما يسمى بشرعيته الدولية وبدواعي محاربة الإرهاب. المهم أن الأجنبي قد دخل ولكن لا ليتصدى للإرهاب فقط بل ليخضع سورية والسوريين، فازداد القتل، وعم الخراب، ما دفع السوريين إلى الهجرة حتى بلغ عدد المهاجرين نصف عدد السكان، أو ثلثهم في أقل تقدير، وبالطبع قابل ذلك وجود تسليح آخر تحت مبرر حماية المتظاهرين، ورداً على المجازر والتوحش. وعلى ذلك نبت المسلحون كالفطر السام: فصائل وميليشيات ولحى وأسماء بعثت من قبورها لتحيا بيننا بتفكيرها وثيابها وطعامها بعد ألف عام من الغياب، يستثنى من ذلك سلاحها وأكثر الأدوات حداثة مما يستخدمون. وانتشرت قيم وأحكام هامشية ليست من فكر الإسلام ولا من جوهره. إذ لم تكن لتصب في المحتوى الإنساني للدين بل بحوادث استثنائية لا يقاس عليها ولا يقتدى بها. وهكذا انتشر الأجنبي سواء باسم الصداقة، أو باسم الأُخوّة الدينية، وصارت رقاب الشعب السوري بين سكينين وكل يجزُّ دونما حسيب أو رقيب فالشرعي والقاضي والمفتي هو حامل السلاح نفسه…!

جئت بهذه المقدمة لأقول أولاً: إن تدخّل الأجنبي في الذهنية الوطنية والشعبية على نحو خاص مرفوض رفضاً باتاً، وإن وجد بعضهم يصفق لهذه الدعوات فمن خلال أصوات تمهِّد إلى تقسيم الوطن الواحد تحت مسميات: الفيدرالية أو الحكم الذاتي في هذه المنطقة أو تلك من أرض الوطن. فما جوهر تلك الدعوات؟! وما غايتها؟! وهل هي حديثة أم لها جذور في تاريخ بلداننا السياسي؟!

الحقيقة إنَّ هذه الدعوات موجودة في التاريخ الحديث لبلداننا، وقد استندت إلى منطق ديني تارة وتارة أخرى إلى منطق طائفي وثالثة إلى واقع جغرافي عشائري، وجوهر ذلك كله الاستغلال وبناء كيانات ينتفع منها أحد النافذين حيث تنشأ. وأكثر ما ظهر ذلك في سورية ولبنان وخلال أوضاع سياسية غير مستقرة. ففي عهد الانتداب الفرنسي قسمت سورية إلى عدة دويلات تسهيلاً لحكمها بزرع الفتنة والشقاق بين أهل الوطن الواحد! وقبل ذلك رفض “حاكم ابن مهيد” (1887-1927) فأقام دولة في الرقة وقد فعلها لمدة سنة وثلاثة أشهر منذ أيلول 1920 وحتى كانون الأول من العام الذي تلاه. (ولا تدخل حالة ابن مهيد، فيما نذهب إليه، بل هي إلى حركة التحرر الوطني أقرب).

 قبيل استقلال سورية طالب ستة من وجهاء الطائفة العلوية فرنسا البقاء في سورية زاعمين الخوف من طائفة السُّنة. (دامت دويلة العلويين عشر سنوات زيادة عن عمر بقية الدويلات).

 في العام 2018 تحدث بشار الأسد عن تجانس مواطني الدولة لينفي، ظاهرياً، المواطنة عن المهجرين قسرياً، وليبرر التقسيم الذي يقود إليه. وإذا كانت مثل هذه الأفعال قد وقعت في سورية متسترة بمظلومية معينة، أو ملقية التهم على من طالب بالحرية والمواطنة، فإنها في لبنان جاءت علنية، ولنقرأ هذا الشاهد من مقالة للباحث اللبناني صقر أبو فخر عنوانها “عن الفيدرالية والتقسيم” يذكر فيها ما جرى في اجتماع لـ: “الرابطة المارونية” في 22/12/1976 الذي شهد مباراة زجلية نادرة كان قيدومها (أكبر الجماعة سناً) “فؤاد أفرام البستاني” الذي تحدث فيها، وناصره في هذيانه “جواد بولس”، الذي يرى فيه: أن “تصغير مساحة لبنان هو تصغير لمشاكله”. وفي خلوة دير سيدة البير (21-23/12/1977) تكلم إدوارد حنين (نائب، ووزير سابق) قائلاً: “كلما كثر تراب لبنان، أي مساحته، كثرت مشاكله”، أما أنطوان نجم (اقتصادي لبناني/كتائبي) فقد “دعا علنًا في عام 1979 إلى القطيعة بين المسلمين والمسيحيين؛ قطيعة تبدأ بالكونفدرالية، ثم تتدرج إلى التقسيم” (العربي الجديد 8 حزيران 2020).

إذا دققنا في جوهر الأمثلة التي أتيت عليها وفي ضوء ما نسمعه اليوم من دعوات انفصالية تحت مبررات الحرية أو الديمقراطية إنَّما هي في جوهرها نوع من البحث عن التسيُّد والتسلُّط تقودهما عقلية إقطاعية متخلفة، ومستبدة، لا تقيم وزناً للوطن، ولا للمواطنة، ولا يمكنها القيام إلا بدعم خارجي وبتشجيع ورعاية منه…!

وأخيراً، لقد قال النظام منذ البداية بالمؤامرة الكونية على سورية وعلى نظامها “الوطني”، فساهم بصناعة معارضة متطرفة لتكون واجهة أمام العالم، ومستنداً له في الانقضاض على الشعب، وقد استعان على ذلك بالإيرانيين، الموجودين أصلاً، وبالروس الراغبين، كذلك، بالتمدد على شواطئ المتوسط، وتعاون الجميع على تدمير سورية.. بشراً وحجراً.

وإذا كان النظام قد فعل ذلك فإن المعارضة التي لم تفصَّل على قياسه كان نصيبها القتل أو السجن أو التهجير، عندئذ لم تجد بدّاً من التوسل إلى المجتمع الدولي كي يعمل جهده الإنساني لكفِّ النظام عن ممارسة توحشه ضد المدنيين لكنه لم يستطع فعل شيء تجاه اللاعبين الكبار. وهكذا سلّمت بانقيادها إلى الخارجي، ملقية باللوم على النظام، ومعللة النفس بعبارة ابن خلدون: “الطغاة يجلبون الغزاة..” ووحده الشعب السوري يعاني اليوم مرارة انتظار أقدار ظالمة…!

* كاتب وصحفي وقاص سوري
  المصدر: اشراق