الحرية أولاً , والديمقراطية غاية وطريق

 إلى متى هذا الانحطاط العربي الشامل؟

   يعتقد كثير ممن تغرب- من الغُربة- عن هويته وأمته العربية، أن الانتماء القومي العربي مجرد تحالف سياسي وقد فشل، حسب زعمهم؛ وأن كل الأحلاف الفرعية الناتجة عنه لم تعد مؤهلة للمرحلة القادمة، ولم يعودوا قادرين على تحقيق تقدم على أي صعيد، اقتصادي كان أم اجتماعي أم سياسي، ليصلوا أخيراً للقول بأن الثورة التقنية التي اجتاحت الكرة الأرضية منذ عقود قريبة قد حطمت أسس الدولة الوطنية أيضاً.

   إن النقد الذاتي واجب من حيث المبدأ لتبيان العثار الذي نعيش، وتحديد ممكنات التخلص من تبعاته، وهكذا فلا بد للمثقفين والمفكرين العرب من البدء به ومن خلاله، وسنفترض حسن الظن فيما ذكرنا لبعضهم بدايةً، ونعتبره نقداً ذاتياً حاداً وجارحاً للخلاص من العثار والتخلف كما أشرنا، ولكنه للأسف لم يكن كذلك.

   إنه كان مقدمةً لخدمة أجندات غير وطنية وغير قومية معاً، فهم حين يشيرون إلى الفترة التي يتكئون عليها لدعم مزاعمهم بالقول ’’ كانت المصائب تتوالى من نكبة 1948 وعدوان 1956 ونكسة 1967 إلى انفصال اليمن وحرب لبنان الأهلية لتصل المنطقة إلى حروب الخليج الثلاث مروراً بحصار ليبيا. ولم تكن هذه إلا نقاط علام لمصائب العرب في المنطقة حيث لم ينعم هذا الجانب!- يقصد العربي- بأي نجاح يُذكر طيلة قرن من الزمن ‘‘؛ هكذا دون أن يكلفوا أنفسهم عناء البحث بشكل أعمق تاريخياً ولفترات أبعد زمنياً، لتبيان أسباب العثار والانحطاط، ولكن الجواب يأتي سريعاً بالإشارة لدول الجوار بالمنطقة، التي استطاعت تجاوز الكثير من أزماتها وصناعة خطوات حقيقية في طريق نجاحها الحضاري!؛ معتبرين فشل المنظومة السياسية العربية ومنظمتها الرئيسية ” الجامعة العربية ” في تحقيق أي إنجاز يُذكر، ليس على المستوى السياسي سواء وحدة أو فيدرالية أو كونفدرالية عربية؛ هكذا وبشحطة قلم وشلف تأويلي يعتبرون الجامعة العربية وكأنها كانت جامعة حقيقية وأداة لصنع القرار العربي المستقل وإقامة الوحدة بين الشعوب العربية وغير مشدودة وبأشكال مختلفة بروابط التابعية لمراكز الهيمنة الامبريالية !؛ إنها لم تعُد إلا أداة جامعة لنظم عربية وسلطات أمر واقع لدول عربية مستقلة، ومستقلة عن بعضها أولاً وكما أراد لها الغرب ذلك، لتصبح أقبل للانصياع والتابعية، وهكذا فإنها فقدت الكثير من مقومات استقلالها الوطني، وتنميتها الاقتصادية ولم تعد تملك مقوماتها الوطنية ولا حاملة لأي مقوم من مقومات الاكتفاء والاستقلالية، بل أصبحت نهباً في الداخل ونهباً في الخارج وتكريساً لروابط التابعية كي تمرر بالنهاية مشاريع الآخرين بعكس أهداف إنشاءها وبعكس رغبات الشعوب العربية أيضاً، خاصة حين كرسوا- كحكام- عملهم جميعاً على طمس معالم النهوض العربي والتقدم الاقتصادي الجاد والمستقل لصنع وحدة شعوبها مع قيام حلم الوحدة عام 1958 وكسر كل ذلك بجريمة الانفصال عام 1961، وهي المحطة الهامة والمضيئة في تاريخنا العربي الحديث التي لا يشير لها هؤلاء إلا بالسلب والتهكم لخدمة نفس الرؤى والأجندات البرانية، التي لطالما استفادت من ضعف أمتنا وغياب وحدتها، لصنع وقيامة بلدانهم وتجاوز أزماتهم على حساب شعوبنا وأمتنا حين شاركونا جزءاً من تاريخنا ونضالنا المشترك بمواجهة الفرس والغرب الاستعماري معاً طيلة قرون خلت وكانت الممهدة لكل هذا الانهيار والتخلف الحضاري والاختراقات التي نخرت جسد الأمة ولازالت، قومياً واثنياً، مع مواجهة الخطر الامبريالي والصهيوني ضمن نفس الفترة التي أنشئت فيها جامعة الدول العربية وقيام الكيان الصهيوني المصطنع برعاية واحتضان دولي ولما يزل.

   هذه الصورة النمطية التي رسمها هؤلاء المتغربين برؤية قشرة الواقع العربي وحسب، إنه يحتاج لأكثر من ذلك تحليلاً ونقداً جوانياً، في حالة اعتبارهم أبناء للأمة، وليسوا معاول هدم لها كما ظهروا من خلال كتاباتهم، وأصحاب هوياتٍ لا عربية ولا وطنية معاً، ينسبون أنفسهم زوراً لتلكم الهوية العربية ولتاريخها العربي- الاسلامي العريق، الموغل عميقاً في القدم لعشرات آلاف السنين قبل الميلاد؛ وأن أمتنا لم تكن الاستثناء بمحاولات النيل منها والغدر بها وبالمخططات المشبوهة التي لا تخدم سوى أجندات برانية والشواهد كثيرة طيلة تاريخنا المديد؛ فهذه حالة أمتنا هذه الأيام، والخطط تترى لإبقائنا في حالة اليأس والقنوط، والجهل والتخلف والانحطاط، فمن اسبوع مضى كانت قمة عمان الثلاثية الأخيرة- مصرية أردنية عراقية- ونتائجها أحيت مقولة الشرق الجديد على حد وصف الكاظمي بعد تلقيه التعليمات خلال زيارته لواشنطن، وقام بإخبار نظام الجريمة الأسدي بنتائج لقاء الشرق الجديد فور الانتهاء منها عبر إرساله للمسؤول الأول عن ميليشيا الحشد الطائفية الشيعية الإرهابية العراقية ليبلغ شريكهم الأسدي بنتائج قمة قمامتهم، هذه القمة التي واكبت جولة وزير الخارجية الأمريكي- التي تسبق بدورها جولة مستشار وصهر ترامب جاريد كوشنر- التي توجها بدول الخليج بعد السودان واسرائيل وهو يرعى هذا الشرق البائس بوجود نظم حكومات تخدم مشاريع التطبيع لصالح ترامب فضلاً عن خدمة الكيان الصهيوني الغاصب وبيع الوهم للشعوب العربية المجروحة بكرامتها والباحثة عن لقمة العيش بظل أنظمة الطغيان وجائحة كورونا المديدة ووعده مجدداً بقمة- أمريكية صهيونية عربية لبعض نظم المنطقة- للسلام المُفترى عليه، المعادية لطموحات جميع شعوبنا التي تنشد الحرية والكرامة والرافضةً رفضاً قاطعاً للاحتلالات ومشاريع التقسيم الهوياتية الأقلوية وخطط الهيمنة عامةً، وفي سورية الحرية خاصةً لتحقيق الانتقال السياسي وإطلاق سراح المعتقلين والكشف عن مصير المفقودين وعودة جميع اللاجئين والفارين من إجرام نظام الفاشية والقتل الأسدي وجميع أعوانه من القتلة الروس والميليشيا الطائفية الإرهابية المرافقة بإشراف إيراني متوحش وبظل صمت رسمي عربي ودولي حدَّ الغضب.

   تطورات مثيرة في القضية السورية بالفعل كما وصفها جيمس جيفري، لكنها مع ذلك لا تعني أن نظام الأسد قد باتت ’’أيامه معدودة‘‘ كما ردد الكثيرون من المسؤولين العرب والغربيين في أعوام الثورة الثلاثة الأولى، بينما كان الروس يسخرون من كل هذه التصريحات ويعملون على تثبيت حكم هذا النظام أكثر، لكن اللافت هذه الأيام، وعلى وقع وصول المبعوث الأميركي الخاص لسوريا جيمس جيفري إلى العاصمة السويسرية، قبل يومين من وصول وفود اللجنة الدستورية الثلاثة إلى هناك، والتي فشلت اجتماعاتها كلياً- بعد ذلك- بسبب الرعاية المنحازة دولياً للمجرمين القتلة وإرهابيهم؛ إذ كان حاضراً كذلك مندوبو الحكومات الروسية والتركية والإيرانية، الذين عقدوا مباحثاتهم الخاصة كرعاة لمسار أستانا المشبوه، بينما لم يتم الكشف عما إذا حدثت لقاءات ثنائية مع المبعوث الأميركي سوى مع وفد ما يسمى بالمعارضة السورية قبل ذلك بفترة، ليكون اللافت أن موسكو نفسها تبدي استعداداً غير مسبوق لنقاش مصير هذا النظام وإن كان بشكل غير مباشر؛ فهل اتفقت موسكو وواشنطن على شيء بشأن سوريا أخيراً كما تشي أجواء اللقاءات التآمرية؟

   لعله بدخول أيلول- شهر الكوارث والنكسات- ننفض غبار الذل والمهانة والتفتيت، وطنياً وقومياً، ليكون حافز خيرٍ لوحدةٍ وطنية سورية حقيقية وجادة، كذلك بكل موطن عربي، ووحدة قومية ننشدها، مشروعاً نهضوياً، وتقدماً شعبياً تحررياً من كل الاحتلالات الجاثمة على صدور شعوبنا العربية كلها لبناء الأوطان لجميع مواطنيها تعم فيها نفحات الحرية والديمقراطية والمحبة والسلام.