الحرية أولاً , والديمقراطية غاية وطريق

يمنٌ ثانٍ في اليمن

نورالدين اللباد *

في الثلاثين من شهر آب عام 1999 غادرنا الشاعر العربي اليمني الكبير عبد الله البردّوني. وكان من حسن حظي أنني عملت لمدة خمسة أعوام في السفارة في صنعاء، تعرفت بها على عدد كبير من الأدباء اليمنيين ومن بينهم الأستاذ البردّوني، فكنت أزوره في بيته وأقرأ له ما كنت أكتب وأقرأ له من شعره وكان معجباً بإلقائي وكان يقول بلهجته اليمنية الجميلة ( أقرأ يا نورالدين يا شامي يا جنّي ) فالأخوة اليمنيون عندما يُعجبون بأحد يقولون ( يا جنّي ). وهي من باب التحبب.

غادرت اليمن في بدايات العام 1999 وعندما مات البردّوني كنت في باريس وسمعت بخبر رحيله فحزنت كثيراً خاصة وأنه كان مدعواً للمشاركة بمهرجان الشعر العربي الفرنسي الأول الذي أقيم في آذار عام 2000.  والذي كان جزءاً من رسالتي في الماجستير وكنت آمل رؤيته من جديد.  كتبت حينها قصيدة رثيته بها لكنني وللأسف فقدتها ولم أعد أذكر منها سوى أبيات.

عُمْيانُ كلّهُمُ وأنت المبصرُ

والعاجزون هُمُ و أنت الأقدرُ

يا شاعر الفقراء إنّا كلّنا

جُبناءُ يأكلنا النفاقُ الأصفرُ

اليومَ من فلك السماءِ لقد هوى

نجم ٌ يمانيٌّ  جميل ٌ  مُبهرُ

عيناك َ مطفأتان في حجريهما

تاريخُ مأساةٍ يغوص و يبحرُ

عيناك قنديلان في عتم الدُجى

ترنو إلى يمنٍ يمور و يسجرُ

هذا الشاعر الكفيف الذي جاء من قرية كفيفة لم تعرف الكتاب يوماً ليفرض نفسه على ساحة الشعر العربي كأحد المبدعين، لم يتزلف حاكماً في اليمن الإمامي واليمن الجمهوري ولم يُحب من الرؤساء سوى ’’ ابراهيم الحمدي ‘‘ ومع ذلك لم يمدحه يوماً، بالفعل هذا الرئيس كان يريد النهوض باليمن فتآمر عليه احمد الغشمي، واليمنيون كلهم يعرفون أن الذي اغتال ’الحمدي‘ هو المحروق علي عبد الله صالح عام 1978، وتسلم الغشمي السلطة ولكنه اغتيل عام 79 وجاء هذا الشاويش الذي حكم اليمن لثلاثين عاماً. وكان البردّوني جريئاً بطرح مشاكل اليمن (السعيد) الذي لم يكن يوماً سعيداً كما قال لي.

أطلق صرخته المدوية بقصيدته الشهيرة التي ألقاها بمهرجان أبي تمام في الموصل حين عارض أبا تمام ببائيته الشهيرة السيف أصدق إنباءً من الكتب، فعرض حال الأمة العربية المأزوم، كان ذلك عام 1971 ولم يكن معروفا في الوطن العربي، دخل بوجهه الأجدر ودشداشته وشعره الأشعث فلم يُعجب المتأنقين، وكانت الشاعرة لميعة عباس عمارة قد طلبت من وزير الثقافة شفيق الكمالي أن يلقي البردّوني في اليوم الأول لأنها تعرف طبيعة هذه المهرجانات وكان لها ذلك، وهي كانت تريد أن تقطع الطريق على الجواهري المنتفخ، وكأنها تعرف أن الجواهري لن يلقي قصيدته عندما يلقي البردّوني قصيدته.
وعندما صعد المنبر قال: أشكري عماي لأنني لو لم أكن كفيفا لكنت الآن راعي غنم أو فلاحاً أو مغترب في إحدى دول الخليج وعندما بدأ مطلع القصيدة فكأن قمقماً انفتح وخرج منه جنيٌّ أعمى أذهل مستمعيه:

ما أصدق السيف إن لم ينضهِ الكذبُ

وأكذب السيف إن لم يصدق الغضبُ

حتى خرس وصمت من عاب عليه لباسه، وعندما أنهى القصيدة وقف الجمهور كله وبقي يصفق مدة طويلة إلى أن عاد إلى مقعده، وقام نزار قباني وقال له أُعرفك على نفسي أنا نزار قباني، فقال له البردّوني لا تقل نِزار بكسر النون بل قل نَزار بفتحها لأنها الأصح، فضحكا وتعانقا، وكان يحضر كل شعراء الوطن العربي، الجواهري ودرويش والبياتي ونَزار، وعندما جاء دور الجواهري لم يُلق قصيدته واكتفى بتسجيلها وقال يكفيني ما سمعت من البردّوني، وتُوج يومها البردّوني بجائزة الشعر العربي وأمارته بحضور الرئيس البكر والعديد من الرؤساء العرب:

تسعون ألفاً لعمّورية اتقدوا

وللمنجم قالوا إننا الشهبُ

واليومَ تسعون مليوناً وما صنعوا

نضجاً وقد عُصر الزيتون والعنبُ

(حبيبُ) وافيتُ من صنعاء يحملني

نسرٌ وخلف ضلوعي تلهثُ العربُ

ماذا أحدث عن صنعاء يا أبتي

مليحةٌ عاشقاها السلُّ والجربُ

ماتت بصندوق وضاحٍ بلا ثمنٍ

ولم يزل في حشاها العشق والطربُ

لكنها رغم بخل الغيث ما برحت

حُبلى وفي بطنها قحطانُ أو كَرِبُ

وفي أسى مقلتيها يغتلي يمنٌ

ثانٍ كحلم الصبا ينأى ويقتربُ

تنسى الرؤوس العوالي نار نخوتها

إذا امتطاها إلى أسياده الذَنَبُ

ومن أجمل ما كتب البردوني قصيدة الغزو من الداخل:

فظيعٌ جهلُ ما يجري وأفظعُ منهُ أن تدري

يمانيّونَ في المنفى ومنفيّونَ في اليمنِ

جنوبيونَ في صنعا شماليّونَ  في عدنِ

وكالأعمامِ والأخوال في الإصرارِ والوَهَنِ

خطى ( اكتوبر) انقلبتْ (حزيرانية) الكفنِ

ترقّى العارُ من بيعٍ إلى بيعٍ بلا ثمنِ

ومن مستعمرٍ غازٍ إلى مستعمرٍ وطني

ومما كتب البردوني ما ينطبق على حال قادة ثورتنا الذين تخاذلوا ورجعوا القهقرى.
فقال:

الأباةُ الذين بالأمسِ ثاروا

أيقظوا حولنا الذئابَ وناموا

حين قلنا قاموا بثورة شعبٍ

قعدوا قبل أن يروا كيف ناموا

ربما أحسنوا البداياتِ لكنْ

هل يحسّونَ كيف ساء الختامُ؟

رحمَ الله ’’ البردّوني ‘‘ شاعر الإنسانية الجميل.

ملاحظة: تهدم بيت  البردّوني عن بكرة أبيه إثر السيول التي اجتاحت صنعاء مؤخراً وكانت هناك محاولات لتحويله لمتحف لكن مع الأسف.

* شاعر ودبلوماسي سوري سابق

المصدر: صفحة الكاتب على وسائل التواصل