الحرية أولاً , والديمقراطية غاية وطريق

في الدفاع عن القومية العربية ووحدة الأمة «3/4» *

د. جمال الأتاسي

   لست هنا بصدد بحث نظري عن القومية العربية كما قلت من البداية، وإنما أتابع حركتها وما يتحرك بها من قوى ومؤسسات، أملاً بوصل ما انقطع من ديناميكيتها المحركة لنهضة الأمة وثورتها على واقع التجزئة وتبعثر القوى وواقع التخلف والخضوع والتابعية. وتجربة «المؤتمر القومي العربي» هي واحدة من أبرز المحاولات التي قامت لوصل ما انقطع، كما أنها تدل في الوقت ذاته، على كل مواطن الضعف في حركتنا القومية. وأولها أن هذا التجمع القومي سيجد نفسه في غربة أو ستفرض عليه الغربة والتراجع والجمود، ما لم يجد موئلاً ومرتكزاً في مجتمع عربي حر ومستقل عن استتباع الأنظمة. وسأقف عند بعض من منطلقات ذلك المؤتمر ومقولاته، منطلقاً إلى ما يمكن أن تحركه وتدفع إليه للخروج من هذا الواقع أو المأزق، عن قناعة بأنها صالحة كمنطلق لأي عمل قومي جماعي.

   إن المؤتمر القومي العربي، وقد أراده مؤسسوه والمجتمعون في إطاره من نخب قومية، ليكون مرجعية شعبية لتجديد حركة القومية العربية ولتحرك قومي ديمقراطي وحدوي جديد، قال في نظامه الأساسي بـ «الإسهام» في شحذ الوعي العربي بأهداف الأمة المتمثلة في مشروعها الحضاري، وهي الوحدة العربية والديمقراطية والتنمية المستقلة والعدالة الاجتماعية والاستقلال الوطني والقومي والتجدد الحضاري … ويعمل في سبيل تعبئة طاقات الشعوب العربية من أجل تحقيق هذه الأهداف.

   ولكن هذه المقولات أو القواعد للنهوض القومي، التي انتهت إليها طلائع ونخب قومية، استخلاصاً لتجربة الماضي، وما أعطت في هذا الاتجاه، وتطلعاً للتجديد ولمستقبل ناهض، تبقى مجرد عناوين وأفكاراً عامة، أو هي تتحول، بحكم التكرار ومن غير رصيد، على أرض الواقع والفعل، إلى ضرب من الغطاء الإيديولوجي الخادع والذي يخفي العجز، مثلما آلت إليه مقولات «الوحدة والحرية والاشتراكية» التي قامت عليها وباسمها ولتحقيقها، أنظمة «ثورية» عربية، ونرى اليوم ما آلت إليه أحوالها من افتراق كامل وتناقض مع كل ما توحي به تلك المقولات والشعارات. فليكون هناك تجديد للمسار القومي نحو وحدة الأمة وتقدمها، وليكون هنالك تحرك قومي يستدلّ بهذا المشروع القومي للنهوض، ولتقوم حركة قومية موحدة أو حركات في هذا الاتجاه، لا بد أن تعطى هذه المقولات- الأهداف مضامينها وديناميكيتها وترابطها ببعضها وخطوات إنجاز مهماتها وما تقدمه من أولويات. فالاستقلال الوطني والقومي ومقولات الديمقراطية والتنمية المستقلة والعدالة الاجتماعية، إذا كانت أهدافاً متكاملة، وهي التي ترسي المداميك الأساسية للوحدة العربية، لتجددنا الحضاري ومشاركتنا الإنسانية، فلا بد من أن يعطي لها مداخلها وخطواتها، وأن تأخذ صيغها الإجرائية وتتشكل عليها تنظيماتها ومؤسساتها وقواها، بل وإعادة تسييس مجتمعاتها المدنية وتشكيلها كمجتمعات قومية حديثة. فالتوعية وشحذ الوعي بتلك المقومات لنهوض الأمة وبضرورة وحدتها لا بد أن يكون في الوقت ذاته وعياً، لا لبس فيه، للواقع العربي المتراجع والمنافي لكل تلك المطالب والمقولات. وكذلك إدراكاً لكل ما يعترض سبيلها من قوى ومصالح فئوية قائمة ومن معوقات، وهي معوقات لا في النظم القطرية والطبقات المتحكمة فحسب، بل وفي المجتمعات وما ترتد إليه من روابط وعصبيات ومعتقدات دون القومية والاستدلال بالصالح العام والمصلحة العامة للأمة. فالذي عانيناه وسنظل نعاني منه في صياغة حركة قومية فاعلة وعمل قومي من جديد، بعد تراجع واندحار وانتكاس الحركات والأحزاب القومية التي قامت في الحقب الماضية، وعند أية عملية تأسيس جديدة أو إعادة تأسيس وإقامة مؤسسات ذات طابع قومي معمم بين النخب، سيبقى ذلك التأسيس وتبقى مؤسساته معلقة في الفراغ ومقطوعة الجذور، ما لم تجد مرتكزات لها وقواعد ثابتة في مجتمعاتها الوطنية. لقد كان الاستعمار، بعد التبعثر القومي الذي سبقه، هو الذي أقام في مرحلة مضت الحواجز بين الأقطار والمجتمعات العربية، وكذلك الحواجز داخل المجتمعات. ولكن أنظمتنا القطرية العربية القائمة وما آلت إليه سلطاتها، أصبحت تقيم من الحواجز والمعوقات أكثر مما أقام الاستعمار، وهي تبتعد أكثر فأكثر عن أية رؤية قومية، أو مصلحة مشتركة. وإلا فماذا يعني مثل هذا التقاتل على الحدود وعلى مساحات من الأرض أو آبار من الزيت؟ والأنكى أن تقوم مثل هذه الخلافات بين الأقطار الخليجية أو أقطار الجزيرة العربية، التي تجمع بينها غير روابط العروبة، تكتلات «مجالس التعاون» إقليمية، ولا ننسى ما قام ويقوم بين بعضها من حصارات ومقاطعات وإغلاق حدود.

الاستقلال الوطني والقومي:

   وأبدأ بمقولة الاستقلال الوطني والقومي التي جاء عليها «مشروع النهوض» وإن لم تأت في المقدمة أو تعطى الأولوية، إذ هي تبدو للبعض وكأنها في حساب الماضي بعد أن نالت أقطارنا العربية كلها استقلالها الوطني وأصبحت دولاً مستقلة في شرعة الأمم وأصبحت أعضاء في الجمعية العمومية للأمم المتحدة، مع أن العديد منها مشدود بأشكال مختلفة من روابط التابعية لمراكز الهيمنة الامبريالية، ومازال لدينا أراض عربية تحت الاحتلال الأجنبي وكذلك تقوم قواعد عسكرية أجنبية وسياسية أحلاف مع الخارج في عدد من المواقع العربية. ولكن مبدأ الاستقلال الوطني والقومي، فضلاً عما يطرحه من جديد من عمليات تحرير واستقلال، فإنني أخذت به أول ما أخذت كمبدأ في العمل القومي والتعامل مع الحركة القومية الناشئة، من حيث أنه يؤكد على استقلالية الحركة عن الأنظمة القطرية العربية الحاكمة، وما تشد إليه من عمليات احتواء أو تابعية وارتباط، كذلك التأكيد على مطلب التغيير الديمقراطي واستقلالية المجتمعات عن الخضوع لأنظمة الحكم المطلق والشمولية.

   ففي الماضي، وفي حقبة السيطرة الاستعمارية على منطقتنا العربية، وتقسيم أقطارنا بين مستعمرات ومحميات وأقطار تحت الوصاية والانتداب، واحتلال جيوش وتملك قواعد عسكرية واستعمار استيطاني وإلحاق… وما ساد في مشرقنا العربي من نظام شرق أوسطي حسب توزيع اتفاقات سايكس – بيكو ووعد بلفور، كان مبدأ أو شعار الاستقلال الوطني والقومي، يعني أوّلاً النضال الوطني لكل قطر عربي للتحرر من الاستعمار والتدخل الأجنبي، ثم أن تقوم الأقطار العربية المستقلة أو التي نالت استقلالها، بمساندة بقية الأقطار العربية لتحظى باستقلالها وحريتها، وليكون ذلك التحرّر الوطني من الاستعمار الأجنبي مدخلاً إلى التقدم والتحرير الداخلي وإلى البناء الديمقراطي والتحديث أو الاندماج القومي لمجتمعاتنا، ولنظمنا الوطنية كدول وأنظمة للأمّة، أي ذات هوية وانتماء قومي (وعلى هذا قامت دساتيرنا الوطنية)، وأن يكون الاستقلال الوطني والقومي والبناء الديمقراطي وتحرير إرادة الشعوب المدخل إلى الوحدة العربية الشاملة وإلى النهوض الحضاري من جديد لأمتنا.

   وجامعة الدول العربية، ومع كل الملابسات التي أحاطت قيامها في منتصف الأربعينات، ومع نهايات الحرب العالمية  الثانية (حيث حثت على قيامها حكومة بريطانيا العظمى ذلك الحين) فقد قامت كمنظمة إقليمية وكجامعة بين حكومات عربية، وأسستها أول ما تأسست ست أو سبع دول عربية بين مستقلة وشبه مستقلة أو على طريق الاستقلال، واشترطت لعضويتها الاستقلال الوطني للقطر العربي الذي يطلب الانضمام لعضويتها، وجاء ميثاقها تحت شعار العمل من أجل الوحدة العربية ومناصرة بقية الأقطار العربية لتحظى باستقلالها. ثم جاء بعد ذلك ميثاق التضامن الجماعي بين أعضاء الجامعة ثم ميثاق الأمن القومي والدفاع المشترك… ونقف عند هذا الحد من شؤون تلك «الجامعة» من غير أن نخوض في ما آلت إليه أحوالها والتزامات أطرافها بتلك الروابط والمواثيق، فهي قامت أصلاً جامعة للحكومات وتحولت حسب تحول روابطها.

   وبعد هذا التجسيد الضعيف، والبعيد كل البعد عن تطلعات الشعوب ونخبها القومية للروابط القومية والوحدة القومية، ضمن ظروف الأربعينات من هذا القرن، ما لبثت حركة القومية العربية أن أخذت مدها الثوري، ونهوضها التحرري، ونهجها القاطع ضد الاستعمار بأشكاله القديمة والجديدة، وضد الأحلاف والتحالفات مع الأجنبي وضد مواقع النفوذ والهيمنة الخارجية. وكانت الحقبة الناصرية حقبة نهوض قومي حقيقي وثورة، وصار لنا برغم كل القصورات التي كانت في حركة تقدم مجتمعاتنا وقوانا، وبرغم كل الصعوبات والنكسات، صار لنا حضورنا كأمة على الساحة الدولية وفي العلاقات بين الشعوب والأمم، إلى أن جاءتنا الردة والنكسة من داخلنا… لقد قلت قبل قليل، إننا في الشرعية الدولية دول عربية مستقلة، ومستقلة عن بعضها أولاً وكما أراد لها الغرب، لتصبح أقبل للانصياع والتابعية، وهكذا فإنها فقدت الكثير من مقومات استقلالها الوطني، وتنميتها الاقتصادية لم تعد تملك مقوماتها الوطنية ولا حاملة لأي مقوم من مقومات الاكتفاء والاستقلالية، بل أصبحت نهباً في الداخل ونهباً في الخارج وتكريساً لروابط التابعية.

   ولهذا كله لابد لنا من أن نعود ونقدم مبدأ الاستقلال الوطني والقومي، انطلاقاً من الداخل ومن ربطه بالنهج الديمقراطي في التغيير، وفي استعادة حرية الوطن وحرية المواطن. فلم يعد إلا الديمقراطية وتحرير المجتمعات وتحرير إرادة الشعوب، رافعة وطريقاً للوحدة العربية، ومدخلاً لتكامل اقتصادي عربي وسوق عربية مشتركة. ولا يمكن بغير هذا من إمكانية لتنمية مستقلة على الصعيد العربي وللخروج من الاستتباع والتابعية، وليس إلا بالأمة العربية كلها وبكل طاقاتها وإمكاناتها، «أمة واحدة موحدة وكتلة واحدة»، ما يقوى على البقاء وعلى النهوض والتعامل مع الظروف الدولية الراهنة ومع تحديات المستقبل. وفي هذا السبيل لا بد أن نعطي لمطلب الاستقلال الوطني والقومي وغيره من المطالب، مضامينه الجديدة والصيغ الإجرائية والحركية لإنجاز مهماته. وقناعتنا تذهب اليوم إلى أن الإحباطات المتوالية لنهوضنا القومي والنفي لوحدتنا القومية وإعاقة تقدم مجتمعاتنا على طريق الاندماج القومي والحداثة، لا يأتي من الحملات الامبريالية المعادية ومن حصار أعداء القومية العربية والعروبة، بمقدار ما يأتي من ركود مجتمعاتنا والاستكانة التي آلت إليها حركة شعوبنا، ومن هذه التركيبة السلطوية والسلطانية وشبه المملوكية النازلة علينا من فوق، من فوق المجتمع وفوق الشعب، التي أخذت بها أنظمة حكمنا القطرية العربية، والمصالح والعلاقات الخاصة الداخلية والخارجية التي أقامتها لتثبيت ديمومتها وسلطانها، أي من هذا المسخ القومي الذي نطلق عليه اليوم اسم «الدولة» أو الكيانات القطرية والأنظمة القطرية والذي أخذت تشكيلته البيروقراطية وارتباطاته الخارجية تتعمم في أقطارنا العربية، كتشكلات عكسية أو مضادة لدولة الشعب الديمقراطية التي تقوم تعبيراً عن مجتمع قومي ديمقراطي تلاقت فئاته والرأي العام فيه على أن هناك مصلحة عامة تؤلف بينها، والتي تقدم كيانها السياسي ودولتها كدولة للأمة تعمل لمصلحة الأمة ولتحقيق أهدافها. فالدولة القطرية هذه هي النقيض والمعطّل لقيام الدولة القومية ولوحدة الأمة، والمجتمع أو الشعب تحت هذه الأنظمة مجتمع فقد حركيته، أي حريته واستقلاليته، إلا حرية الولاء للسلطان ومبايعته. وهكذا، فالاستعمار لم يعد سلطة آتية من الخارج لتفرض علينا، ولا استبداداً يتحكم بنا من قوى خارجية تعمل لتبقينا على التخلف والتجزئة وتقطع طريق تحررنا وتقدمنا، بل أن الهيمنة الخارجية أو الهيمنة من خارج المجتمع، من فوق، أصبحت تتوضع داخلنا والحجز لحرياتنا والنهب لجهدنا الوطني وعملنا والتسلط كله أصبح في داخلنا وعلى هذا فإن مطلب الاستقلال الوطني والقومي يظلّ مطلبنا، ولكنه يأخذ منحىً ومضموناً مختلفاً عما كان. إنه عملية تحرير لا بد أن تصعد من  الداخل أولاً، وهو عملية إعادة تأسيس وبالديمقراطية للاندماج القومي وللسياسة والفعل السياسي داخل مجتمعاتنا وبناء حداثتها وتقدمها من خلال استقلاليتها كمجتمعات وقوى اجتماعية وكمنظمات وأحزاب سياسية معبرة عنها، عن المبدأ المطلق والحق المطلق للسلطة التي تحكمها وتتحكم بها. إنها عملية تحرير المجتمع واستعادة حريته واستقلاليته عن أدوات الضبط والإخضاع للسلطة وأجهزة السلطة وليعود المجتمع ويعطي بالديمقراطية صورته القومية وإرادة شعبه، وليعيد بالديمقراطية صياغة مؤسسات دولته ونظام حكمه. إنها عملية ديمقراطية مزدوجة، إذ هي بمقدار ما تخلع الهيمنة الشمولية عن المجتمع وتقيم استقلالية المجتمع ومؤسساته الشعبية، لتؤدي دورها الوطني في المشاركة وحرية الرأي، فهي تحاصر طبقة المصالح التابعة وتدفع على طريق سحب النظم والفئات الحاكمة من علاقات التابعية والارتباط بالخارج، وليكون هناك استقلال وطني واستقلال قومي حتى تنهض وتتحرك الإرادة الحرة للشعوب، وتصعد القوى الفعلية التي تعبر عنها.

   إن هذا هو المرتكز الأول لتجدد نهوضنا القومي. إنه خط دفاع – كما هو خط هجوم – عن الرابطة القومية العربية وعن التطلع المستقبلي لوحدة الأمة وتحقيق أهدافها، وهو يقوم على تحديث المجتمع المدني في كل قطر وإقامته على روابط قومية متقدمة بين فئاته الاجتماعية على قاعدة العمل والإنتاج والمصلحة العامة المشتركة، ليعيد المجتمع بدوره تأسيس النظام والحكم على قواعد الديمقراطية والتعددية وعلى المشاركة السياسية لكل المواطنين. هكذا يمكن أن يتراجع ذلك الوجه القبيح للدولة القطرية، لتأخذ صورتها القومية والحديثة كدولة للأمة، كل الأمة، ومتطلعة إلى الاستقلال القومي لكل أجزاء الأمة ولكي لا يقوم من تناقض بينها ولتقوى على أن تشكل وحدة سياسية وكتلة واحدة، وهكذا يكون الانتقال من دولة أو دول للأمة، إلى دولة الأمة أو الأمة – الدولة.

   إن مثل تلك الدولة الوطنية الديمقراطية الحرة التي تقوم حصناً للأمة ولوحدة الأمة، والتي تصبح مرجعية لقوى الأمة ومنارة تستدل بها إلى وحدتها المستقبلية، ليست الصيغة أو الطريق الوحيد نحو وحدة الأمة، ولا نقف على انتظارها أمام ما يمكن أن ينهض من تجارب ومؤسسات قومية تجمع في هذا الموقع العربي أو ذاك، أو بين قطرين عربيين أو أكثر ليمتد ويعمّم. إنه طريق أعطى من قبل تحركاً قومياً لأمتنا، ولأمم أخرى قبلنا، فمثل هذا النهوض لدولة عربية تصنع استقلالها الوطني وتقدم نفسها من خلال امتلاكها لحريتها وقرارها القومي الحر، كصرح للدعوة القومية، وكمرتكز لتجمع قوى الأمة العاملة للوحدة، كان له مثل أو نموذج قام في مشرق الأمة العربية، وتحديداً في العراق، وبعد أن استقل  العراق عام 1932 وصار القوميون الوحدويون العرب يتطلعون إليه بآمالهم في تحرير الأمة وتوحيدها، بحيث كانت الكثير من الطلائع القومية في تلك الحقبة من تاريخ نضالنا القومي التحرري يتطلعون إلى بغداد ويسمونها بروسيا العرب، تطلعاً إلى أن تأخذ دورها على مثال الدور القومي الذي قامت به بروسيا بقيادة بسمارك في تحقيق الوحدة الألمانية، كان ذلك تصوّراً ومثالاً في حقبة مضت وانقضت من تاريخ نضالنا القومي أو بدايات لما كانت عليه رومانسية طلائعنا القومية. إلا أن مثل هذا الكيان العربي المستقل والذي ينهض كدولة للأمة قد تقدم وأعطى القدوة الجديدة في دولة مصر عبد الناصر وثورة مصر الناصرية. إنني لا آخذ، في هذا المثال والمنطلق، بالنظرية التي يتشبث بها مفكرون وحدويون حين يقولون بالدولة المركزية أو المركز أو الدولة القاعدة، في إقامة وحدة الأمة، ولا بذلك النمط البسماركي في إقامة الوحدة، ذلك نمط مضى زمانه وأفكاره ورجاله. ولكني آخذ بالنموذج الناصري حين قدم مصر بعد الحصول على استقلالها الوطني، كل استقلالها، كدولة للأمة العربية كلها ملتزمة بمساندة كل قضاياها ومصالحها وبتحرّرها ونهوضها، وبذلك أعطى القدوة وقدم المساندة، وأعطى المنهج والطريق لبقية أقطار الأمة. فدولة مصر الناصرية، وفي منظورنا، لا الماضي، وانما المستقبلي أيضاً، وأياً ما كانت القصورات أو الثغرات الديمقراطية التي شابت بنيانها وعثرت تقدمها والتي لا بد من تداركها في أي تجديد للمسيرة، فهي تضع أمامنا النهج الفارق والنمط المعاكس تماماً لأنماط «الدولة القطرية» العربية الراهنة. ولكن هذا النمط والنهج الديمقراطي والتقدمي للتغيير  والتحول للسلطة القطرية السلطانية التابعة، إلى دولة قومية ديمقراطية للأمة، لا تقف به عند مصر وحدها، مع كل ما تمثله مصر في حجمها وموقعها وتاريخها، بل نطالب بالتقدم على طريقه كل المجتمعات وكل حركات الشعوب والنضال القومي العربي في مختلف أقطارها، مؤكدين في هذا على مقولة جاءت في ميثاق عبد الناصر تؤكد أن أي حكومة وطنية في الوطن العربي، تمثل إرادة شعبها ونضاله في إطار من الاستقلال الوطني، هي خطوة نحو الوحدة من حيث انها ترفع كل سبب للتناقض بينها وبين الآمال النهائية في الوحدة. ونعود ونعطي لهذه المقولة كل المضامين التي تطلعنا من خلالها لقيام النمط الديمقراطي الحديث للدولة القومية كدولة للأمة. هذا ما نريد أن تنهض له كل مجتمعاتنا العربية، ولكننا في الوقت ذاته، ومن خلال التجربة التاريخية وما كان من انتكاس لحركة نهوضنا القومي بعد انتكاس مصر وغياب دورها القومي والقدوة التي كانت تقدمها، نظل نتطلع بإصرار إلى أن تستعيد مصر العربية، مصر المجتمع، مصر الشعب أولاً، ثم مصر الدولة المعبرة عن المجتمع وإرادة الشعب، ذلك الموقع والدور الذي كان لمصر الثورة، مصر عبد الناصر، مصر التي صارت «جمهورية عربية متحدة» ولكل أمة العرب، مصر تلك التي ارتد بها عن نهجها الثوري وألغى دورها القومي الوحدوي والاستقلالي، الرئيس السادات الذي تمجد إسرائيل ذكراه، بدءاً من يوم السادس عشر من أيار (مايو) عام 1971، حين وقف ليعلن إسقاط تسمية مصر (بالجمهورية العربية المتحدة)، لتعود مصر مصرية وكفى، وكان هذا مدخله إلى الارتداد عن طريق ثورة مصر القومية إلى الثورة المضادة، وإنهاء قيام مصر بدورها كدولة للأمة، كجمهورية متحدة صنعت وحدة عربية، وظلت على طريق الوحدة، ودولة لوحدة الأمة وصانعة وحدة حركة شعوب الأمة، لينكفئ بها خطوة إثر خطوة إلى القطرية والتابعية لأميركا بل وأعاد الإقطاع السياسي إلى سدة الحكم وليعود المجتمع المصري (كما كان يقول تكراراً) إلى القرية وأخلاق القرية، أي للروابط قبل القومية، ثم ليضع مصر في مسار كامب دافيد، ومن ثم لتوضع «الدول القطرية» العربية كلها في هذا المسار التابع والخاضع.

   في الخمسينات من هذا القرن، كان النهوض الكبير لحركة الشعوب تحت رايات القومية العربية وثورة الوحدة، وفي عام 1961 كانت السقطة الأولى لأمجاد الثورة العربية كثورة قومية وحدوية، إلا أن مصر دولة للأمة وترفع راية «الجمهورية العربية المتحدة» أملاً بتجديد المسار الوحدوي واستعادة الوحدة، إلا أنّها في كامب دافيد، وليس منذ هزيمة حزيران، كانت السقطة الأخطر، حين دمرت الدور القومي الذي قام لمصر، لكن الاجتياح الكبير لحركة القومية العربية كانت في حرب الخليج الثانية، ليقف من يقول: «هذا هو التدني الأخير للقومية العربية».

حرب الخليج واختراق الجسد العربي:

   في تعقيبه المباشر على النكبة التي حلت بالأمة بعد الهزيمة في حرب حزيران عام 1967، قال جمال عبد الناصر: «هذه لم تكن حرب العدو الإسرائيلي وحده بل وحرب كل القوى المعادية التي جاءت لتصفي حسابها مع القومية العربية». والأستاذ انطون المقدسي في كتابه «حرب الخليج – اختراق الجسد العربي» قال: «إن حرب الخليج هي واحدة من نكباتنا الثلاث الكبرى في التاريخ المعاصر. جذورها كلها في النكبة الأم التي هي الدولة القطرية وفي سلسلة النكبات التي يذكرها: من نكبة 1948 ونكبة 1967 وبعدها كانت «نكبة 1991» وهي أدهاها، لأنها جعلت من التجزئة في نظرهم، أي كما أرادها أعداء الأمة، واقعنا الأبدي. وكتاب المقدسي ذاك، الصغير بحجمه والعميق بمحتواه، كما هي كتابات أستاذنا المقدسي دائماً، جاء صرخة من أعماق الوعي العربي والوجدان. إنه لم يكن «صوتاً يصرخ في الصحراء»، كما قال المقدسي نفسه عن الأرسوزي وفكره القومي في مقالة رثائه له عام 1968، بل كان الصوت الذي يعلو على إشكاليات الحاضر والنكبات التي ضربت الأمة. صوت العقل ومعه الوعي القومي والوجدان، صوت الفكر والمعرفة، أي الثقافة عندما تصبح الثقافة رسالة وتبشيراً بنهضة ثانية للأمة. إنها نهضة أصبحت صعبة ولا شك، بعد كل تلك العاديات والنكبات وكل ما ينتج عنها من تأخر عن العصر وروح العصر، إلا أنها ليست بالممتنعة، بل هي الضرورة التي لا بد منها، شريطة أن نصمم (أن نصمم كمثقفين وطلائع ثقافية قومية) عليها وأن «نقول» وندفع الثمن (وهو ثمن حرية الفكر والضمير)، والمثقف الحقّ، ذلك «الأمير الجديد» للنهضة (حسب تعبير غرامشي المسترشد بعقلانية السياسة لدى مكيافيلي)، هو الذي يقول وهو الذي يقرر النهوض، من حيث أن النهضة هي رؤية وفعل، رؤية مستقبل نحيله حاضراً إذ نقوله، وفعل يحقق هذه الرؤية. وهكذا تصبح الثقافة رسالة (وبتعبيرنا نقول سياسة وإرادة تغيير)، وإذ لكل منعطف تاريخي كبير رسالة هي التي تعطيه معناه أو منحاه، فمنعطفنا الكبير اليوم أن نختار مخرجاً من المأزق، وهو في أن نقوى على تجاوز الهزائم والتخلف وأمراض التخلف وما سبب/ أو تسببت به الهزائم، من أجل بناء مجتمع وحدوي معافى «يعيدنا إلى المستوى اللائق بأمة عظيمة، ولكن هذا كله، كما يقول المقدسي في ختام كتابه ونهايته، تطواف «يتم في صمت القلب»، وإذا لم يأت ذلك منه تعبيراً وجودياً على غرار تعبيرات ’’كيركغارد‘‘، فهي لا تقبل الفرادة وصمت القلب بعد كل تلك الصحوة للعقل. والمقدسي يقول لنا قبل ذلك: إن تلك «الرؤية الفعل» التي تصل بالمثقف إلى قرار النهضة الذي لا تراجع عنه، والذي تلغى عندما تتخذه الطريق القديمة مرة ولكل مرة، إنما هي رؤية تحققها أنت في داخلك، وتستمر على أرضها (ثابتاً) أياً كانت الظروف، فالمقدسي هنا أيضاً يأخذ بنا إلى نموذج آخر لرجل الثقافة والفكر. يأخذ بنا إلى نموذج زكي الأرسوزي، أو إلى نموذج نيتشوي، بل لعله أفلاطوني (ونعني به الفيلسوف اليوناني)، أي لنموذج من تلك النماذج الإنسانية الرفيعة للفيلسوف أو النبي أو الشاعر الفذ الذي يعطي رمزاً أخلاقياً ويقدّم معاني ومفاهيم إنسانية كلية، هذا الذي قد تكون الأمة على  انتظاره منذ قرون «ذلك المخلص» الذي لا نستطيع اليوم أن نقعد على انتظاره، بل نمضي مع المقدسي إلى حيث مضى في المقالة الأولى من كتابه، ونقف معه. ولقد وقف معنا حيث وقفنا أيام أزمة الخليج، ونمضي إلى مخاطبة ذلك المثقف العضوي، الملتصق بالجماعة والمعبر عنها، أي إلى ذلك النموذج الثالث من المثقفين المميز بين تلك النماذج الثلاثة المختلفة من حيث مواقعها عندما نشبت الأزمة ووقعت الحرب وحلت النكبة. فهناك فئة من المثقفين، هم الكثرة، التي مشت في ركاب الحاكم وعبرت عن إخلاصها لمن بيده الحلّ والربط، وهناك فئة المتربصين التي بقيت على الانتظار، «وأقل منها فئة عصمها ربك»، إنها تلك الفئة الثالثة التي أردناها، والتي كان لها من الجرأة ما مكنها أن تقف بجانب الشعب وأن تقول الحقيقة، وتعبر عن حقيقة موقفها وموقفه، هكذا وقف المقدسي وهكذا وقفنا عندما وقعت الواقعة وعميت الأبصار، في مواجهة الظروف الخطيرة التي مرت بها الأمة والعالم، إبان حرب الخليج الثانية. تلك الفئة من المثقفين، والتي تميزت بموقفها المعبر عن ضمير الشعب ومعاناة الأمة، هي التي يمكن أن تشكل النواة الصلبة لعمل وحدوي منتج، لتنتقل بوعي قضية الأمة وأزمتها، من شكله المضمر في الوجدان الشعبي إلى الشعور الجمعي حيث يأخذ شكلاً محدد المعالم… ولتعطي من جديد مفهومها للأمة ووحدة الأمة وما تحمله من معان ومعايير ومقومات ومن أهداف مستقبلية، ولتدفع لتحرك قومي جديد يستوعب دروس النكسات التي مضت ويرتفع إلى مستوى العصر وتحدياته، ويضع الأمة على طريق تجدد حضاري ونهضة، أو لتؤكد أن لا طريق لتقدمنا إلا في هذا النهج القومي المتجدد.

   تلك القلة من المثقفين التي وقفت هنا وهناك وهنالك، إلى جانب شعوب الأمة، وحيث أمكن أن تتحرك شعوب الأمة، وقالت حقيقة موقف الشعوب، كانت هي التعبير عن حضور الأمة وعن حركة القومية العربية المستقرة في الوعي والضمير.

   ولكن السيد الأميركي حين جر الأنظمة العربية وراءه في الحملة العالمية ضد العراق، وحين أعطت جامعة الدول العربية تلك الصورة المحزنة عن مبلغ تفاهة روابطها والتزاماتها القومية، وعن عجزها وتبعيتها للقرار الأميركي (ولا نقول الدولي) راح يلطم وجوهنا بهذا الواقع، واقع الأنظمة وجامعة الحكومات، ويقول: «هذه هي حقيقتكم فلا من مصلحة لأمة توحد ولا من رابطة قومية تجمع».

   ولكن ما قال السيد الأميركي والسيد الغربي عموماً، هو أن هذه الأنظمة والحكومات بل وتلك «الجامعة» لم تعد تعبر في نظر الشعوب، ومنذ زمن طويل، عن حقيقة الأمة وعن مصالحها الواحدة وتطلعاتها الوحدوية في شيء، وهي لم تعبر عن أي التزام قومي أو رابطة قومية حقيقية.

   ولكن للأمة رابطة وأهدافاً، حقيقتها التي لا تغيب، وإن أرادوا تغييبها أو غطت عليها ضجة الإعلام المسخر وحركة الأحداث، كما أرادوا أن يفعلوا بتلك الحقيقة القائمة في ذاكرة شعوبها وتواصل أجيالها. وفي مواجهة ضجة الأحداث لم تستحضر حركة الشعوب، حيث استطاعت أن تحرك وتعبر، الاّ فعل الخمسينات وما كان عليه حضور الأمة في حركة الشعوب.

   في الخمسينات كان هناك، في حركة الواقع، مشروع نهوض قومي على طريق التحقيق ونظل نتشبث بما أعطانا من دفعة تقدم ومن مرتكزات استراتيجية لذلك التقدم. إلا أن ذلك المشروع قد اخترق وتكسر، والعدو الخارجي عاد إلينا بمشاريعه التجزيئية وعاد يهيمن. بل والعدو استوطن داخلنا، وصار له رصيد في تركيبة أنظمتنا وبنانا، وأميركا أصبحت هي الآمر الناهي للكثير من حكامنا، ليصبح مشروعنا القومي منفياً مرتين: من تسلطية الأنظمة  القطرية على مجتمعاتها وقهرها لها، ومن قوى الهيمنة الدولية والإقليمية التي تحيط بنا والتي تتربص لنا بمشاريعها التي تستهدف إخراج أمتنا من التاريخ مرة واحدة وإلى الأبد.

   وأعود هنا مرة أخرى إلى الاستشهاد بما جاء في كتاب المقدسي الآنف الذكر: «لقد شكلت حرب الخليج اختراقاً (دامياً) للجسد العربي على درجة من القوة والسرعة والعمق بحيث أننا لم ندرك (في حينه) مفعولها البعيد ولا القريب…» وأيضاً: «لقد قيل عن حرب الخليج إنها حرب حضارية وإن المهزوم بها هو التاريخ العربي. قلت هل هزم حقاً ماض عمره خمسة عشر قرناً، وكان طيلة قرون يضيء بعلمه عالماً غارقاً في الجهل؟ أرفض ان أصدقه ولكن ماذا عن المستقبل، فالماضي؟ أياً ما بلغت عظمته، وأياً ما أعطي من ثقة بإمكانات هذه الأمة، فإنه لا يعطي لوحده رصيداً أو آمالاً للمستقبل».

   فليكون هناك طريق قومي إلى المستقبل، لا بد أن نخرج من رحلة التفتيت التي انخرطت فيها أو دُفعت إليها قوى الأمة. ويمسك كتاب المقدسي بأسباب العلة في داخلنا: «في رحلة التفتيت هذه أزيحت الـ (نحن) القومية بعد فترات متعاقبة من الصعود والهبوط لحساب الـ (نحن) القطرية وصار من الممكن لواحد من أركان مجلس التعاون الخليجي بأن يعلن: أثبتت حرب الخليج أن الأمة العربية أسطورة… وأنا من شعب يؤمن بهذه الأسطورة. والأسطورة هنا. كما في لسان أفلاطون والإغريق القدامى تقول: وجودي، وجودك، وجودنا كلنا ولا وجود لنا سواه، شعباً واحداً، أمة واحدة صارت في الخمسينات من هذا القرن قوة يحسب لها حساب بين القوى العالمية، يومها وقفت في وجه عملية التفتيت وجعلتها تنحسر. فما، أو من أفقد الأمة قوتها الإجرائية في السنوات العشر الأخيرة بوجه خاص (وأضيف عشر سنوات أخرى قبلها)؟ أنا، أنت، كلنا، كل بحسب موقعه من القرار السياسي، إذ استبدلنا عن قصد أو غير قصد موقفنا القومي بموقع قطري… والذي حدث في السنوات الأخيرة وقبلها، هو أن السياسة الدولية والإقليمية عزلت الشعب العربي، حيدته وزورت إرادة الأمة، فأجبرتها بذلك على العودة إلى حيث كانت قبل النهضة، أقصد إلى وجدان الشعب. وبقيت مع ذلك ذكراها، ذكرى الخمسينات في خيالنا وعقولنا نحن أبناء تلك المرحلة، وهذه الذكرى هي التي عادت ( تلح) بكل قوتها مع بداية أزمة الخليج أو أثناء حربها».

   وهذه الذكرى تعود وتلح من جديد، أمام كل ما تتعثر به حركة القومية العربية، وتتعثر به أحوال الأمة كلّها، وتلح لا كمجرد ذكرى وحنين لماض وإنما كحافز تجديد وحافز نهوض وعمل. فماذا أبقت لنا تلك الحقبة من ركائز للمستقبل أو مرتكزات نعود إليها، فضلاً عن دلالتها على قدرة شعوب هذه الأمة على النهوض من جديد؟ فحقبة الخمسينات كانت عظيمة، وكانت حقبة ثورة، إلا أنها بمقدار ما كانت عظيمة ورائعة بحركة شعوبها وطلائعها وما حققت، فإنها في بنيانها وتركيب قواها وتشييد نظمها وتنظيم مجتمعاته ظلت على هشاشة أو نقاط ضعف في تماسك البنيان.

 |||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||

* جاء هذا البحث  للدكتور جمال أتاسي في كتاب ” المسألة القومية على مشارف الألف الثالثة – دراسات مهداة إلى أنطون مقدسي ” شارك به عدد من المفكرين مثل غسان سلامة وجورج ناصيف وصادق جلال العظم وأنطون مقدسي، وغيرهم، وبإشراف بطرس الحلاق.

صدر الكتاب عن دار النهار للنشر في بيروت ــــــ الطبعة الأولى نيسان 1998.

  مراجعة د. سراب أتاسي

مراجعة ثانية ونهائية محمد عمر كرداس