الحرية أولاً , والديمقراطية غاية وطريق

من إدلب إلى حلب وبالعكس

نجم الدين سمّان *

59 كم بالضبط.. طول ذاك الطريق.

أنا أيضاً من مواليد ذاك الرقم؛ منذ قرنٍ مضى وما انقضى

من هذا الطريق أتى جدّي نجيب أفندي من حلب؛ ليستقرَّ في إدلب؛ لم يُدرِك بأنّ لقبَهُ الجديدَ فيها: الساعاتيّ؛ سيطغَى على كُنيَتِه؛ وأنّ حفيدَهُ سيقطعُ هذا الطريق ذهاباً وإياباً طوالَ نصفِ حياته.

الطريق ذاتُه.. لا يكادُ يتسِعُ لسيّارتين؛ وكان تُرابياً فرصَفَته فرنسا في الثلاثينات؛ لتضمَنَ الاتصالَ ما بين حلب واللاذقية وقد صارت ميناءً للبلد كلّه؛ بعد إلحاقِ ميناء اسكندرون وسائر لوائِهَا بتركيا عام 1929؛ ثم صار في عهد حكومات الاستقلال عن الاستعمار.. مُحَفَّراً؛ مَلِيئاً بالمَطَبَّات.

مع هذا الطريق.. ماتَ الدربُ الرومانيّ المَرصوفُ بالحِجَارة؛ ماتت المدن الرومانية والبيزنطية التي على جانبيه؛ فصار مجرَّد صدى لقرقعة الجيوشِ التي عَبَرَتهُ؛ بل إنّ الفلاحينَ مِن حَولِهِ.. فكَّكُوا حِجَارَتَهُ بعدَ مَوتِه؛ لِيُعِيدوا بها بناءَ بيوتهم؛ أطاحَتهَا ثلاثُ زَلازِلَ مُدمِّرَة خلالَ آخر ثلاثة قرون؛ فلم يبقَ منه سوى أجزاءٍ مُفكَّكَةٍ.. لا رابِطَ بينها.

إذا ماتَ الدرب.. ماتَت معها دَهشةُ الاكتشافِ ولذّةُ الوصول.

ودَالَت معها ممَالِكُ وامبراطورياتٌ: السومريّةُ؛ الآشوريّة؛ البابليّة؛ الكلدانيّة؛ الآراميّة؛ الفينيقيّة؛ الرومانيّة؛ اليونانيّة؛ الحثيّة؛ البيزنطيّة؛  الفارسيّة؛ التتريّة؛ المغوليّة؛ السلجوقيّة؛ وليس أخيراً: العثمانيّة.

بتسعة وخمسين كيلومتراً من الإسفلت الذي فَرَشَهُ الجنودُ السِنغَالُ؛ ما بينَ الفستق الحلبي والزيتون الإدلبيّ؛ انقطعَ دربُ الحريرِ كخيطٍ من حرير؛ مع افتتاح قناة السويس.

مَضَت  ذهاباً وإياباً العرباتُ التي تجرُّها الخَيلُ على هذا الطريق؛ ثمّ الأوتومبيلات؛ البوسطات؛ سيارات “الديزيطو” بثمانية ركاب؛ باصاتُ المرسيدس والسكانيا؛ سياراتُ الشحن المُفرَدَةُ؛ والتي بمقطورةٍ وراءَهَا؛ موكب والي حلب العثماني؛ ثم واليها العربيّ؛ ثم مدافعُ وآليات الجيش الفرنسي لقتال ثُوَّار هنانو؛ وكان جمال عبد الناصر أولَ رئيسٍ يعبره؛ فاستقبله الأدالبةُ بالزغاريد وبحشرجة الخواريف المذبوحة؛ ثمّ حافظ الأسد بعد انقلابه على رفاقِ دربه البعثيّ؛ فلما بدأ يخطِبُ وِدَّ الأدالبة من سطح المركز الثقافي؛ استقبلوه بما تيسَّر من الأحذية والشحَّاطات والمراكيب والجواريخ والصبابيط؛ رأيتها وأنا ابن الحادية عشر تعلو فوق أشجار ساحة “الصَومَعة” التي صار اسمها: ساحة هنانو.

مع هذا الطريق من حلب إلى إدلب.. ثمَّ إلى اللاذقية؛ لم يكن العابرون ليكترِثُوا بمدينةٍ مَنسِيَّةٍ بين الملايين من أشجار زيتونِها؛

يتوقفون أحياناً لشراء تنكة زيتٍ؛ أو أقراص “الشعيبيّات” التي اشتُهِرَت بها؛ ثم انتقمَ الأسدُ الأبُ من قَصفِ الأدالبة لهُ براجِمَات الأحذية؛ فحوَّلَ عنها الأوتستراد الجديد ما بين حلب واللاذقية؛ لتعيشَ إدلب 41 عاماً من العُزلَة.. لا يقصِدُهَا سوى الموظفين المُنتقلين إليها كعِقَابٍ وظِيفِيّ.

صار الطريق القديم ما بين حلب وإدلب؛ كما لو أنّه بينَ مدينةٍ وضاحيةٍ تابعةٍ لها؛ لا يرتادُهُ الغُربَاءُ إلّا نادراً؛ حتى زحفت عِبرَهُ الفرقةُ الثالثة؛ لتطوِّق المدينة بعد مجزرة حماة في ثمانينات قرنٍ مضى وما انقضى؛ فخرج بعضُ الأدالبة إلى الغُرَف التي بنوها بين كروم زيتونهم.. تحسُّباً من مجزرةٍ أسديّةٍ قادمة.

59 كيلومتراً من الإسفلت المرصوف.. ما بين إدلب بوابة الشمال وما بين حلب؛ تكاد تختصرُ تاريخَ المدينة.

ومازلتُ طوالَ 59 عاماً.. على هذا الطريق؛ ذهاباً إلى حَلَبَ؛ حيثُ تبدو لِوَهلَةٍ قاسيةً كأحجارها؛ فما تلبثُ أن تتبدَّى في رَقصِ سَمَاحِهَا  -إذا سمحت- من حيث تَمِيسُ بأعطافها حتى الأندلس المفقود.

ثمّ يعبرني الطريقُ ذاتُهُ.. إياباً إلى إدلب؛ ولمّا تزَل غافيةً في غاباتِ دِلبِهَا البائدِ العتيق؛ ترشَحُ مساماتُهَا بالزيتِ؛ ليُضِيءَ انكفاءَهَا على ذاتِهَا؛ منذ تأسيسها؛ وبخاصةٍ منذ انقلاب الضباط البعثيين عام 1963؛ وليُضِيءَ حَبسَهَا الانفراديَّ طوالَ حُكمِ الأسدِ الأب؛ قبل أن يصدَحَ فيها أولُ صوتٍ ضدّ استبداد ابنه عام 2011: يلّا ارحل.. يا بشار.

صار للطريق دلالةُ جديدة؛ فَمِنهُ جاءت حشودٌ تهتِفُ بالحرية؛ لتلتقي بهتافات أبنائها؛ بل إن الطريق استيقظ من سُباتِهِ؛ ليتذكّرَ قافلةً خرجت من إدلبَ؛ مُكبّلةً بالسلاسلِ؛ يحرسها الجنود المغاربةُ في الجيش الفرنسي؛ مَشياً على الأقدام حتى سِجنِ القلعة في حلب؛ بتهمة دعم ثورة هنانو ضد الفرنسيين؛ فما لبِثَت حَنجَرةُ فلاحٍ بينهم حتى انطلقت بشجوٍ أدهشَ الضابط الفرنسيّ؛ وبَلَّلَ بالملحِ دموعَ المغاربة:

دَرب حَلَب ومشِيتُو.. كلُّو سَجَر زيتونِي

حَاجِي تبكي وتنوحي.. بكرا منِجِي يا عيوني

فلمَّا دَسَّها صباح فخري في سِياقِ أغنيةٍ له؛ غابَ ذِكرُ إدلبَ عنها؛ كحالِ القائمقاميَّة مع مركز الولاية حلب.. على مرِّ العصور؛ الذي بَقِيَ على استقطابه لأطرافه من الموصل إلى اسكندرونة؛ حتى بعد سايكس بيكو؛ وبعد اقتطاع لواء اسكندرون منه؛ ثمّ حتى بعد انفصال إدلبَ عنه مُحافظةً مُستقلِّةٍ إدارياً.

ثمّ انقلبت تلك المعادلة.. حينَ بدأت قوافلُ الحريّة تتجِهُ على الطريق ذاتِه؛ من محافظة إدلب إلى حلب.

انقلبت أيضاً الدباباتُ الأسديَّة على قَفَاها في المحافظة الإدلبية؛ بل انقلبت طائراته من سماء القصف إلى رمادٍ مُشتَعِل.

انقلبت فيها الثورة السلميّة إلى كفاحٍ مُسلّح؛ ثم انقلبت أولُ الإدارات المدنية الحرّة إلى “شَرعيَّاتٍ” على النَسَقِ الطالباني؛ وتحوَّلت إدلبُ ذاتها إلى مركز ولايةٍ إسلاميةٍ غير مُعلَنةٍ؛ ترفع علم منظمة القاعدة!.

ليسَ انحيازاً لتلك المدينة ولأهل تلك المحافظة؛ حين أقول بأنّ معركة الحَسم في مسار الثورة السورية ستكون في إدلب؛ حتى لو حُسِمَ فَصلٌ منها في حلب أو في الغوطة.. لصالح النظام وحلفائه.

من ذاك الطريق.. سنَعرِفُ إذا ارتدنَاهُ؛ كيف تُستعَادُ الثورةُ مِن الذين اختطفوها؛ أو.. سنطوي أولَ صفحةٍ لِكُبرَى ثوراتِ الربيع العربيّ في القرن الواحد والعشرين؛ كما طُوِيَت أولُ ثورةٍ – هنانو- على المستعمر الفرنسي!.

* كاتب وصحفي سوري

المصدر: موقع الفيحاء