الحرية أولاً , والديمقراطية غاية وطريق

الإرهاب بين الشعارات والممارسة

    

خالد المطلق *

الإرهاب مصطلح تم تداوله منذ أمد بعيد، وقد نشأ منذ نشوء التاريخ، واستمر عبر العصور الوسطى إلى أن وصل إلى يومنا هذا، والإرهاب نوعان: الإرهاب المرتبط بالعنف “العنفي” الذي بدأ يمارسه من ظُلموا من حكامهم ومن مجتمعاتهم وأيضًا، ومارسته بعض الإمبراطوريات لإخضاع بعض الإمبراطوريات الأخرى لحكمها؛ والنوع الثاني من الإرهاب هو الإرهاب “النفسي” الذي ظهر في العصر الحديث، ومارسته الدول العظمى وفق خطط منهجية، الهدف منه انهيار الجهة المحاربة واستسلامها لإرادة هذه الدول، ويمكن أن يترافق ذلك مع الحصار العسكري والتهديد باستخدام القوة، والإرهابُ يتمّ استخدامه أو محاربته، كل بحسب منظوره الخاص، ووفق رؤيته لهذا المصطلح الفضفاض، وإذا دققنا قليلًا وجدنا أنّ هذه الأفعال التي يقوم بها بعض المتطرفين في أنحاء العالم، على مختلف شرائح المجتمع، لا ترتقي -على فظاعتها- إلى مستوى الأفعال التي تقوم بها جهات منظمة، وعلى رأسها دول، وكي نعرف كل شيء عن هذه الأفعال الشنيعة التي تستهدف الآمنين، لا بد من معرفة حقيقة الإرهاب: تعريفه وأقسامه وأدواته وآليات استخدامه ومن يقف وراءه؟ واذا أردنا أن نُعّرف الإرهاب وجب أن نعود بالأصل إلى ما توصلت إليه المؤسسات الدولية، وعلى رأسها هيئة الأمم المتحدة ومنظمات حقوق الإنسان، ونرى كيف عرّفت هذه المنظمات الإرهاب، وعلى الرغم من تنامي هذه الظاهرة الخطرة بشكل كبير جدًا، لا يوجد في وثائق هذه المرجعيات الدولية الرسمية أيّ تعريف محدد للإرهاب، بل تمّ إدراج أكثر من مئة تعريف للإرهاب، منذ نشأت هذه المنظمات، وذلك لأن من يتحكّم في هذه المنظمات والهيئات يريد أن يبقى تعريف ومفهوم الإرهاب مطاطًا، يُلائم مصالحه الخاصة، لسبب مهم جدًا، هو أن هذه الجهات تريد أن تمارس الإرهاب بحق من يخالفها ويقف في وجهها من جهة، ومن جهة أخرى، تلصق تهمة الإرهاب به، لتبرر استخدامها لكل أساليب القتل والتدمير ضده، خاصة الشعوب التي يمكن أن تثور على الحكام الذين يقبعون تحت سيطرة هذه الجهات، ولهذا، يمكن أن نُعرّف الإرهاب، من خلال خِبرتنا الطويلة وكثير من الدراسات التي قمنا بها، بأنه: “عمل عنفي يستهدف إرضاخ الجماعة لآرائه، وفرض معادلة مغايرة بمنطق القوة، من خلال تجذير الخوف وزرع القلق في محيطه، ويكون الإرهاب وسيلة يستخدمها الأفراد والجماعات ضد الحكومات، ويمكن أن تستخدمها وترعاها حكومات ضد مجموعات معينة”، ويمكن أن نصنف الإرهاب وفقًا لثلاثة تصنيفات، أخطرها إرهاب الدولة المنظّم؛ والثاني إرهاب الجماعات؛ والثالث إرهاب الأفراد.

وبلا شك، يمكن أن نجزم بأن الإرهاب المنظم الذي تستخدمه الدول العظمى، ضد دول أخرى لتحقيق أهداف اقتصادية أو سياسية في هذه البلدان، أو تستخدمه بعض الدول ضد شعوبها، هو أعتى أنواع الإرهاب، وهو السبب الحقيقي وراء عدم وجود تعريف محدد للإرهاب في المنظمات الدولية، ويمكن أن نقول إن الإرهاب الأكثر تنظيمًا هو الإرهاب الذي تستخدمه مجموعة من الدول، وعلى رأسها الدول التي تتحكم في العالم لإعادة دولةٍ ما إلى بيت الطاعة، بحجج واهية، منها امتلاك هذه الدولة أسلحة نووية أو بيولوجية، وهذا النوع استُخدم في العراق، عبر التحالف الذي شكلته الولايات المتحدة الأميركية وحُلفاؤها، وتم من خلاله احتلال العراق وتدميره والسيطرة على مقدراته، في الوقت الذي سمحت به دول التحالف نفسها، وعلى رأسها الولايات المتحدة الأميركية، لنظام بشار الأسد باستخدام كل أنواع الإرهاب المتمثل في القتل والتدمير والتنكيل والتهجير المنهجي للشعب السوري، بحجة مكافحة الإرهاب الذي صنعه هؤلاء بأنفسهم في أقبية مخابراتهم، ومن ثم ادّعوا بأنهم يحاربونه، ومن هنا، يمكن أن نقول إنه يمكن لهذه الدول أن تستخدم بعض المجموعات الإرهابية أو الأفراد، سواء الذين صنعتهم أو الذين تمردوا عليها، لتحقيق هدفها المنشود، وهذا الأمر استخدمه نظام الأسد في حربه على الثورة السورية، إذ أطلق منذ بداية الثورة أغلب من اعتقلتهم أجهزته الأمنية قبل الثورة، بتهمة الانتماء إلى التيارات الإسلامية المتشددة، وأبقى على سجناء الرأي، في خطة لوأد الثورة وإلصاق تهمة الإرهاب بها، وقد نجحت في مسعاها إلى أبعد الحدود، أما إرهاب الجماعات فهو عادة ما يكون نتيجة الظلم الذي تمارسه الدولة على فئة محددة من مواطنيها، وعلى الأغلب تكون هذه الفئة تنتمي إلى طائفة محددة أو عرق أو قومية تخالف قيادة هذه الدولة، وهذه الفئة من الإرهاب تأتي -من حيث الخطر- بالدرجة الثانية، بعد إرهاب الدول المنظم، ويمكن لهذه المجموعات الإرهابية ممارسة أشد أنواع القتل والترويع، لكل من يخالف عقيدتها وقناعاتها، وهذا ما شهدناه أخيرًا في الجريمة البشعة التي ارتكبها أحد المتطرفين مع مجموعته في أحد مساجد نيوزيلاندا، على الرغم من أنني أميل إلى أن هذه الجريمة ليست بعيدة عن تخطيط أحد أجهزة المخابرات، لإثارة البلبلة والكراهية المتبادلة بين القاتل والقتيل، أما الصنف الثالث من الإرهاب فهو إرهاب الأفراد، وهذا النوع عادة يكون أقل خطرًا من الصنفين الآخرين، لأسباب كثيرة، أهمها الأسباب التي دفعت هذا الفرد إلى القيام بأعمال إرهابية، وفي كثير من الأحيان تكون هذه الأسباب نتيجة لخلل بنيوي في الأسرة أو المجتمع المحيط أو في سيكولوجية الشخص نفسه.

خلاصة القول: إن ممارسة إرهاب الدولة المنظم على الشعوب المستضعفة هي أخطر أصناف الإرهاب، لأسباب كثيرة، منها توفر كل الإمكانات المادية والتقنية المتطورة لهذه الدول، وعدم محدودية هذا الإرهاب بالزمان والمكان، ويبقى إرهاب الجماعات -على فظاعته- هو الإرهاب الأقل خطرًا وتأثيرًا على المجتمعات بكثير، نتيجة عدم توفر الإمكانات المادية والتقنية عند هذه المجموعات والأفراد، وبالتالي يكون استخدامهم للإرهاب محدود النطاق، زمانًا ومكانًا، ولهذا يكون تأثيرهم قليلًا نسبيًا، إذا ما قورن بالإرهاب الذي تستخدمه الدول؛ فالأفراد والجماعات -على الرغم من الجرائم البشعة التي يقومون بها بين الحين والآخر- لا يمكن أن ترهب أو تقتل سوى مجموعة قليلة من البشر، وفق خطط محدودة المكان والزمان، وهذا يمكن معالجته بكثير من الإجراءات الأمنية، وسن بعض القوانين التي يمكن أن تستوعب هؤلاء وتحد من خطورتهم على المجتمع، لكن إرهاب الدولة المنظم غالبًا ما يستمر، بشقيه النفسي (الإعلامي) والمادي (الاقتصادي، العسكري، الأمني) حتى تحقيق مبتغاه، وعلى الأرجح يكون هذا الهدف إركاع المجتمع وتأطيره تحت مظلة الحاكم، أما الإرهاب الذي تستخدمه الدول العظمى ضد دولة حاول قادتها الخروج من بيت الطاعة الدولي، أو ضد شعوب انتفضت لأجل حريتها وكرامتها، فمن المؤكد أنه سيحقق هدفه، ولو بعد حين، نظرًا لكثيرٍ من الأسباب الموضوعية ومقومات الإمكانات الكبيرة التي تمتلكها هذه الدول، فضلًا عن الخطط البديلة التي لا ترتبط بزمن محدد أو حجم الإرهاب الممارس على هذه الشعوب.

* كاتب وضابط سوري منشق

المصدر: مركز حرمون