الحرية أولاً , والديمقراطية غاية وطريق

من الذاكرة.. المؤتمر القومي العربي

محمد عمر كرداسعضو المؤتمر القومي العربي سابقاً

    كانت تجربة “المؤتمر القومي العربي” تجربة ملهمة للقوميين العرب [ جاءت بعد حرب الخليج الأولى التي شُنت على العراق، بتحالف سعودي مصري سوري تحت قيادة أمريكية بريطانية] كمنظمة غير حكومية وبعيدة عن السلطات الرسمية، وفي ميثاقها ونظامها الأساسي أنها تجمُّع لسياسيين ومثقفين يؤمنون بالتجدد الحضاري للأمة وبمشروعها النهضوي الذي أجهزت عليه أنظمة حكم تابعة ومرتبطة بالأجنبي، وقد عقدنا الآمال على نجاح التجربة كونها، وحسب تشكلها، [بعيدة عن الأنظمة ورجالاتها ومؤسساتها وضغوطها وابتزازها، وستشكل مرجعية شعبية في مقابل مؤسسات وتجمعات وتكتلات ومحاور نظم الردة والاستسلام، المخترَقة من الغرب الاستعماري والعدو الاستيطاني] ستساهم في نهوض الأمة, ولتشكل مرجعية شعبية تحمل هموم الأمة وآمالها.

    سبقت تشكيل المؤتمر مشاورات بين عدد من أعمدة الفكر القومي الوحدوي قادها المناضل المرحوم محمد عروق، أبا يوسف متنقلا بين المغرب العربي الأقصى وأقصى المشرق العربي، طالباً رؤى ورؤية ممن قابلهم أمثال الفقيه محمد البصري رحمه الله، زميل المهدي بن بركة المناضل المغربي العروبي الناصري [والذي اغتاله ملك المغرب بالاشتراك مع المخابرات الفرنسية في باريس والذي أخفيت جثته وأخفي معها التحقيق في مقتله إلى الآن بعد أكثر من خمسين عاما على استشهاده] وكذلك المناضل العروبي الجزائري عبد الحميد مهري الذي أصبح أميناً عاماً لحزب جبهة التحرير الجزائرية، وأميناً عاماً لهذا المؤتمر بعد ذلك، وقد  استمر  محمد عروق باتصالاته في مصر مع قيادات العمل الناصري المعارض لنظام الردة المصري الذي قاده السادات ونائبه مبارك.

في سورية كانت اللقاءات مع الدكتور جمال الأتاسي الذي كان ممنوعاً من السفر لأكثر من عشرين عاماً بأمر من حافظ أسد. وتوالت الاتصالات مع رموز الحركة الناصرية والقومية في لبنان والأردن والعراق واليمن وبعض دول الخليج, لتُجمع الآراء على هذا التشكيل “المؤتمر القومي العربي” الذي ظهر للوجود في انعقاده الأول في تونس عام 1993، ولم يحضره أحد من السوريين بسبب حظر السفر على الكثير من المعارضين القوميين والناصريين.

    انتخب المؤتمر أمانته العامة وأمينه العام لمدة ثلاث سنوات وفاز بالأمانة الدكتور خير الدين حسيب المناضل الناصري العراقي والمسؤول السابق عن المؤسسة الاقتصادية العراقية في ستينات القرن الماضي، وكان مقيماً في بيروت ومشرفاً على وقفية جمال عبد الناصر التي سُجلت في بريطانيا والتي انبثقت عنها عدة مؤسسات نذكر منها المنظمة العربية لحقوق الانسان وترأسها الوزير الناصري المصري في عهد عبد الناصر والخارج من سجون السادات بعد اعتقال طال لعشر سنوات، الاستاذ محمد فائق، ومركز دراسات الوحدة العربية ومجلته الشهرية المميزة “المستقبل العربي” برئاسة خير الدين حسيب، الذي قدم لنا مجموعة من أمهات الكتب والكتاب المميزين؛ وأيضا كان المؤتمر القومي برعاية هذه الوقفية التي التي كان حجمها ثلاثة ملايين دولار من متبرعين ناصريين وقوميين.

    بمجرد أن انفك حظر السفر عن الدكتور جمال، انضم إلى هذه الكوكبة المتميزة من المفكرين القوميين الناصريين، وضُم إلى الأمانة العامة للمؤتمر، التي كان نظام المؤتمر يتيح لها ضم ربع أعضائها في ظروف خاصة منعتهم من الحضور، وكان نظام المؤتمر، يتيح لعضو الأمانة العامة أن يرشح أعضاء من بلده لعضوية المؤتمر وأن يقترح حتى أعضاء من خارج بلده الذي يخضع قبولهم لترشيح عضو الأمانة في بلدهم.

    في ثاني حضور للدكتور جمال في دورة المؤتمر، رشحني لعضوية المؤتمر، وبذلك أصبحت رفيق السفر بالنسبة له إلى بيروت، الذي عقدت معظم جلسات المؤتمر فيها عندما كانت المركز الرئيسي للثقافة والصحافة والفنون والحرية.

     استمرت دورات المؤتمر السنوية في بيروت وكان يُصدر كتاباً سنوياً  يضمنه الأبحاث والدراسات المقدمة للمؤتمر إضافة إلى الجلسات والمناقشات وجميع المداخلات التي يتداخل بها الأعضاء.

    في عام 1997 اقتُرح أن تكون الدورة القادمة في القاهرة؛ زادت الضغوط والمضايقات للمؤتمر من الأنظمة بعد شعورهم بأنه أصبح مشروعا شعبيا حقيقيا، وكان القائمون عليه قد اضطروا لقبول شخصيات سياسية تتبوء مراكز سلطوية في بلادها، خلافاً لنظامه الداخلي الذي كان يُجمد أي عضو من أعضائه إذا تبوأ مركزاً في حكومة بلاده. وكان أن ضُمت قيادات ما يسمى بالجبهة الوطنية في سورية الحليفة للنظام إلى عضوية المؤتمر رغم معارضة الدكتور جمال عضو أمانة المؤتمر، وكان أن خط رسالة إلى الأمين العام الذي كان يومها الاستاذ عبد الحميد مهري، حملتُها له بتكليف من الدكتور جمال و يعترض فيها على هذا التصرف ويبلغه فيها اعتذاره عن المتابعة في المؤتمر واستقالته من الأمانة العامة، كون المؤتمر بذلك خرج عن ميثاقه ومبادئه، وخضع للابتزاز السلطوي الذي يُفقده دوره الريادي كمرجعية شعبية. شعرت عندما سلمت الرسالة للاستاذ عبد الحميد مدى حزنه وألمه، وأشعرني في رده الشفهي أنه لا حول له ولا قوة. كنا نعرف أن مكتب بيروت للأمين العام هو المتحكم بالأمور، علماً أن الأمين العام ليس متفرغاً ولا يتقاضى أي بديل نقدي عن منصبه هذا وكان المكتب مسيطراً عليه في الفترة الأخيرة من حلفاء النظام السوري. ومنهم السيدة رحاب مكحل مديرة المؤتمر، ومعن بشور حليف عرفات وصدام والنظام السوري بنفس الوقت، وأيضا يخضع المكتب لتدخلات عبد الرحيم مراد الذي أصبح وزيرا في حكومة الحريري شريطة تخليه عن ناصريته {الفجة}<1> ليُصبح من أدوات النظام السوري ومن أصدقاء غازي كنعان صداقة عائلية يعرف الجميع ما وراءها. حتى وصل بهم الأمر كما علمنا إلى تهديد خير الدين حسيب نفسه بتسفيره في حال اعتراضه على تصرفاتهم.

    لقد فقد المؤتمر القومي ما كان يطمح إليه في تشكيل مرجعية شعبية، وكانت تجربة واعدة عقدت عليها الآمال؛ ومن يريد أن يعرف أكثر، فليتابع المؤتمر منذ بداية ثورات الربيع العربي وبياناته وقراراته.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

<1> كان حزب الاتحاد الاشتراكي اللبناني  برئاسة مراد وكان الأمين العام الاستاذ عمر حرب قد بنى في البقاع مدينة رياضية متكاملة مع استاد رياضي ضخم وأراد دعوة رفيق الحريري حينها لافتتاح المدينة التي أراد تسميتها مدينة جمال عبد الناصر الرياضية،فشرط الحريري تغيير الاسم إلى مدينة البقاع الرياضية ،ودب الخلاف بين مراد وحرب على خلفية التسمية ،وكانت التسوية أن تسمى مدينة البقاع ويسمى الاستاد استاد جمال عبد الناصر ممى أدى بعد ذلك إلى تشرذم الحزب وانشقاقه.


محمد عمر كرداس
كاتب وسياسي سوري