الحرية أولاً , والديمقراطية غاية وطريق

ماذا بعد تدمير المبادئ والقيم والمثل العليا؟


عبد الباسط حمودة *

تطالعنا بعض الأقلام وفي بعض المواقع لأسماء مسبوقة بـ ( د. ) كي توهم الكثيرين بصدقية طرحها، ومما يزيد الأوهام بزعبراتهم هذه هو لجوء تلك الأقلام لتوظيف كلمات ذات أصل غربي بغير مكانها ومعناها، كل ذلك ليقرروا موت الأمة العربية التي لا تحتاج إلا للدفن على حد زعمهم وهرطقاتهم، وكذا موت القومية العربية وأيديولوجيتها؛ وعند التقصي أكثر نجد أن منطلقهم في ذلك هي الممارسات المُعاشة في بلداننا العربية والتي أفضت لكل هذه الثورات والانتفاضات البازغة التي مازالت تعزز جذوتها.
قد يكون في ذلك بعض الصدقية طالما نظروا إلى شكل الحكم السياسي والعهر الذي يمارسه هؤلاء الحكام، دون النظر لعلاقاتهم الدولية وتنفيذهم لخطط وبرامج تُفقد ثقة الإنسان العربي بكل ما يمت بصلة لهويته ولغته وأمته معاً، فلا يقوم أصحاب الأقلام هذه بتفكيك الاستبداد ومفاعيله وارتباطاته، كما يزعمون تفكيك مفهوم الأمة والقومية العربية والهوية العربية الجامعة، بل العكس هو ما قاوموا به.
إنهم يكتبون بالعربية ويتكلمون العربية وعايشوا الواقع العربي بكل سلبياته ومثالبه، فبدل أن يدفعهم هذا – خاصة بعد نيلهم شهادات خولتهم لإرفاق أسمائهم بـ ( د. ) – لكشف زيف ما اتكأوا عليه وزيف ما بنوا من أفكار وما توصلوا له من نتائج، كاعتبار اليهودية قومية مثلاً، باعتبارها كديانة قامت على أسس قومية ’’شعب إسرائيل‘‘ – لاحظوا التناقض -، واعتبار الأمازيغية أيضاً خارج العروبة، وبالتالي توظيف هذا الخطل والخطايا كلها للقول بأن هناك ممارسات قمعية وإقصاء وتهميش على أمثالهم خاصة الأكراد! وبذلك يثبتوا من جديد أنهم عنصريين جداً حين يدافعوا عن العنصرية وأجنداتها، وهنا تسقط مزاعمهم ومصطلحاتهم مثل براديغم، وتفكيك، وكشف الزيف، القومي والأيديولوجي على حد زعبراتهم.
ماذا قدموا بهذا؟ وإلى ما يهدفون؟ وهل يكون النقد بهذه الطريقة نقداً؟ وهل كانوا مدركين قبل خروجهم لبلاد الغرب أن الاستبداد لا هم له سوى تعهير الأفكار وطرد الأحرار وقتلهم؟ ولماذا يُسقطوا من حساباتهم ذلك؟ ليأتي أخيراً قولهم – ربطاً بالأكراد – كما حصل مع اليهود العرب سابقاً، في مصر والعراق وسورية والجزائر، وربما إلى اليوم في المغرب وتونس، ما هذا الهراء والزعبرات التي يكرروها؟
إهمال حقوق الناس وخنق أصواتهم وإقامة حواجز كتيمة بين الناس وبين معرفة شؤون بلادهم، وسيطرة مصالح أقلوية – فئوية، أثنية وطائفية – على مصلحة البلد والوطن، وانعدام المحاسبة وسيادة القانون، وتنفيذ أجندات وسياسات خارجية على حساب الوطن والأمة، كانت السبب الرئيسي لتتكامل عناصر الكارثة، التي يتجاهلها هؤلاء، ويوهمونا بتحليلات غامضة وغير واقعية تاريخياً وموضوعياً، كل ذلك للهروب من المشكلة لكي يحاولوا إقناعنا بأنهم لم يكونوا في قلبها.
نعم إن ما وصل إليه الواقع العربي هو مأساة حقيقية، ولكن الرغبة في الإدانة والاستثمار السياسي في المأساة تتفوق على الرغبة في الفهم الموضوعي لأسبابها والمعالجة العميقة لهذه الأسباب، فكانت الإدانة وتحميل المسؤوليات ودفن المقولات الكبرى عليهم أسهل، ولا تُرتب على أصاحبها سوى الكلام ثم تفريغ الغضب ضد الأطراف التي تتوجه لها الإدانة – بعّثي سورية والعراق مثلاً – لتنطلق السهام لكل منتمٍ للأمة ولفكرها وتاريخها تحت مزاعم دُفعوا لها ومولتها جهات استعمارية وصهيونية بإشراف من اليانكي البشع ومرتكزاته في منطقتنا العربية، خاصةً المهلكة السعودية وكل من لف لفها من مشايخ الخليج وأتباعهم الببغاوات العربجية، فهم يتقاذفهم اليأس والاحباط والجهل والتخلف وبذلك شكلوا البيئة المناسبة لهذه الأقلام المُضللة كي تُعمق عدم الثقة المهتزة أصلاً لدى من يتلقف ما تُفرز تلكم الأقلام غير البريئة.
الكلام المجرد الذي يقول ” كان هذا الاضطهاد للأقليات الإثنية أحد أبرز الشروخ في مفهوم القومية العربية، بنسختها البعثيّة المتصلِّبة على الهوية العربية، التي أغلقت المجتمع، فمنعت إمكانية التعدّد القومي فاتحة النار على الأقوام اللا عرب الموجودين على الأرض التي أقصى فيها مفهوم القومية البعثيّة الإثنيات الأخرى، من دائرة الاعتراف والحقوق، كان لا بد لهذا الإقصاء أن يولّد الحقد والرفض لسيطرة هيمنة القوميّة العربية والسّلطات الممثلة لها، كما تجلى ذلك في العراق ما بعد صدام حسين، وفي أثناء الثورة السوريّة ضد نظام بشار”، هذا بذاته دليل على سوء الفهم والتوظيف، كي تصل أخيراً لمبتغاها التحريفي المكشوف في خدمة الأجندات الانفصالية ومصطلحاتها الفاسدة السحرية لبعض – إن لم يكن لجميع – أصحاب الأفكار اليسارية المخاطية وأشباهها التي لا تكف عن اللبرلة المتوحشة والهروب من الاعتراف بأنهم كانوا أحد أخطر أدوات الاستبداد على مدى عقود، وتعميق مفاعيله، في الوقت الذي لم تكن لممارسات البّعثيّين أي صلة بما زعموا من عروبة وقومية، بدليل تسميمهم للحياة العربية ومستقبلها طيلة عقود.
هم يعلمون علم اليقين بأن السلطات العربية على صعيد الشعار عملت على تكريس نقيض المبادئ واقعاً، ومنها وقوف مفهوم القوميّة – بصيغته المعطّلة والمعطِّلة – كحاجز وسد منيع أمام تحقيق هدفه المعلن أي وحدة البلدان العربية المنشودة، أو تحقيق مشروع الأمة العربية الواحدة أو حتى القيام بتحالفات إقليمية عربية، وهم يعلمون أيضاً على صعيد الواقع وفي العمق، أن السلطات عملت على تكريس الدولة القُطرية التوريثيّة، كضامن لمصالحها في السلطة والثروة، بتأجيل كل المشاريع في النهضة والتقدم والتنوير إلى حين تحقيق دولتهم القومية البعثية وأوهامها المزعومة، التي أدخلتنا في الحلقة المفرغة التي تتطلب الكشف و التفكيك خاصة بعد الانفصال المشؤوم وليس زرع اليأس وتعهير الأفكار.
للخروج من إطار الدولة القطرية إلى الدولة القومية، لا بد من العمل على خطوات التفاهم والعمل المشترك، وتطوير بنى الدول العربية ومؤسساتها القانونية واستراتيجياتها الاقتصادية، وهذا أضعف الإيمان – الذي لم يتحقق – لتحقيق دولة قومية تجمع عدة دويلات قطرية، بينما تعطل السلطات العربية الحاكمة أي مشروع قومي (لأنه سيقضي بالفعل على استئثارها العائلي بالسلطة والثروة) والحجة موجودة دائماً وهي الحاجة إلى التوحّد القوميّ أولاً.
لا بد من تعزيز ثقة العرب – دولاً وشعوباً – بهويتهم وليس العكس، وهي من مهام المفكرين والنخب، كما لا بد من ترميم ما نال مفهوم القومية من هراء وممارسات معاكسة لجوهره ومفهوم الأيديولوجيا العربية الجامعة وهذا لا يعيب وجود أقليات قومية وأثنية في مجتمعاتنا، فليس المطلوب التخلي عن هويتنا حتى يرضى أصحاب الأمراض المزمنة، بل لا بد من علاجهم وذلك بمنحهم فرصة الوعي وترميم أفكارهم هم أولاً عبر الحوار الواعي والموضوعي، كي يتم ترميم الأوطان والأمة والشعوب.


عبد الباسط حمودة

مهندس وباحث سوري

 

المصدر: اشراق