الحرية أولاً , والديمقراطية غاية وطريق

العراق : اغتيال أيقونة البصرة ريهام يعقوب وايران متهمة

ميزر كمال *

“الجميع هنا خائف، بمن فيهم قوات الأمن… أنا موجود في غروبات الواتساب مع الولائيين أي أحزاب وميليشيات مسلحة موالية لإيران، لقد رأيت كمية التحريض على النشطاء في الحراك الشعبي…”

“كلماتها لا تنسى، وصوتها الممیز، عبارتها الشهيرة: لا اوگف (لا توقف)، کانت تعطینا الثقة بأنفسنا ،حتى عند سماعها من خلال حساباتها في مواقع التواصل الاجتماعي، وكأنها كانت موجودة بجانب كل امرأة تشعر بالضعف، يا ريهام لن تنساك البصرة، و لن ينسى شط العرب ماراثون الرياضة مع بناتك كما كنتِ تحبين مناداتنا”.

بمرارة كبيرة تتحدث ناشطة عراقية من البصرة عن فجيعة فقدان الشابة ريهام يعقوب التي سقطت برصاص كاتم للصوت. وريهام الشابة التي ملأت بحيويتها ساحات التظاهر في البصرة وكانت تعلي الصوت في وجه منظومة الفساد والقتل والسلاح هي أحدث ضحايا الاغتيالات التي برزت في العراق مؤخراً ضد الناشطين.

تضيف الفتاة التي فضلت عدم الكشف عن هويتها لـ”درج”: “على رغم صغر سنها (ريهام) لکنها كانت مثالاً للمرأة المثقفة في البصرة، كانت شعلة من الطاقة، ورائدة في تفكيرها، وتشجع نساء مدينة البصرة بالمبادرات الدائمة”.

اغتيالات بالجملة:

لم تمر سوى خمسة أيام على اغتيال الناشط المدني تحسين أسامة في مدينة البصرة جنوب العراق، حتى أربك مشهد المدينة الخارجة عن سيطرة الدولة نبأ اغتيال طبيبة التغذية والناشطة المدنية ريهام يعقوب مع إحدى رفيقاتها وسط مدينة البصرة. الطبيبة الراحلة كانت برفقة 4 من صديقاتها أثناء عملية الاغتيال.

اغتيال ريهام وقبله محاولات الاغتيال التي استهدفت نشطاء مدنيين وشخصيات مؤثرة في الحراك الشعبي، تأتي بالتزامن مع التظاهرات الشعبية التي تجددت في مدينة البصرة، والمطالبة بإقالة محافظها أسعد العيداني وقيادات أمنية ومسؤولين على خلفية تردي الوضع الأمني والاقتصادي على حد سواء. ويقدر عدد الاغتيالات التي سجلت خلال الشهر المنصرم بـ9 اغتيالات وهو رقم أثار الكثير من القلق والخوف في أوساط الناشطين.

“أنا ولائي للوطن“:

وريهام يعقوب (29 سنة) هي واحدة من الوجوه النسوية المؤثرة في مدينة البصرة، شاركت بقوة في الاحتجاجات التي اندلعت في المدينة عام 2018، وبرز دورها مدافعةً عن حقوق المرأة ومساهمة في أن تأخذ النساء أدواراً رئيسية في المجتمع. ومن عباراتها المشهورة خلال احتجاجات 2018، “أنا ولائي للوطن”، تهتف بها وتحمّس الشباب والفتيات للتظاهر والإصرار عليه.

يعقوب هي أيضاً مدربة لياقة بدنية، وتمتلك مركزاً لتشجيع النساء على كسر النمطية ونظرة المجتمع إليهن، وأكثر من ذلك فقد بدأت فعالية المشي في شوارع البصرة، بحيث تدعو مئات النساء إلى ماراثون للمشي في شوارع المدينة العامة.

قادت ريهام ثورة في المجتمع النسوي في البصرة، ودائماً ما كانت تتحدث عن البدايات والصعوبات التي واجهتها لإقناع النساء أولاً بأنهن قادرات على التغيير، وهذا التغيير يبدأ من أنفسهن أولاً.

بدأت الطبيبة الراحلة لوحدها عام 2013 مشروعها التوعوي الخاص، واستطاعت بعد خمس سنوات فقط من تكوين مجتمع نسوي كبير يؤمن بأن التغيير يبدأ خطوته الأولى من الإرادة الذاتية، ومن 70 امرأة كنّ يأتين كل شهر للتسجيل في مركز الدكتورة ريهام قفز الرقم إلى 500 امرأة شهرياً.
https://www.youtube.com/watch?v=0X6i7leWLHw&feature=youtu.be
بعد تجدد الاحتجاجات في تشرين الأول/ أكتوبر 2019 شاركت الدكتورة ريهام بقوة في الحراك المدني الشبابي وكانت تقود التظاهرات وتهتف بصوت عال ضد الفساد، وتصر على ضرورة أن تحصل مدينة البصرة على استحقاقها الاجتماعي، لذلك كانت علامة فارقة في الوجود النسوي في الشارع، ويمثل صوتها قيمة مهمة للحراك في البصرة.

اغتيال الأصوات النسوية:

اغتيال ريهام مثَّل صدمة كبيرة لأصدقائها وزملائها، وكذلك للشارع العراقي، تقول إحدى الفتيات اللاتي يرتدن مركز اللياقة البدنية الذي افتتحته الدكتورة: “ريهام ولروحها الف سلام وسلام وغضب الله على من قام بإطفاء شمعة حياتها، ريهام المحبة للحياة، والمثقفة المحترمة، طيبة القلب… طالبة الدكتوراه والمكافحة في هذه الحياة، أرادت تغيير واقع حال  البصريات، أرادت أن تعلو  وتزهو ببصرتنا، وقادت تظاهرات نسوية، ووقفت جنباً إلى جنب مع إخوتنا في البصرة، لا نعلم ما يمكن أن يُقال بحقها، فهي مثال يحتذى به بالتفاني والعمل الجاد، مثال في حب الحياة والأخلاق”.

تواصلنا مع صحفي بارز في مدينة البصرة وهو الآخر فضل عدم الكشف عن هويته بسبب تفشي عمليات الاغتيال ضد الصحافيين والنشطاء، أكد لنا الصحافي إنه كان برفقة مجموعة من الصحافيين تلبية لدعوة قائد الشرطة الجديد اللواء عباس ناجي، وخلال تبادل الحديث جاء اتصال هاتفي لقائد الشرطة يخبره باغتيال الطبيبة ريهام، وسرعان ما ارتبك اللواء عباس ناجي وبدأت يده التي يحمل بها جهاز هاتفه ترتجف.

الصحافي أكد أيضاً أن قائد الشرطة ألغى مؤتمراً صحافياً كان مقرراً عقده عشية اغتيال الطبيبة ريهام، وأضاف الصحافي أن قرار إلغاء المؤتمر كان خوفاً من سطوة الميليشيات التي تسيطر بشكل كامل على مدينة البصرة.

“الجميع هنا خائف، بمن فيهم قوات الأمن”، يقول الصحافي خلال اتصال هاتفي معه، ويسرد تفاصيل أكثر: “أنا موجود في غروبات الواتساب مع الولائيين/أحزاب وميليشيات مسلحة موالية لإيران، لقد رأيت كمية التحريض على النشطاء في الحراك الشعبي، أحياناً يصل النقاش حد التصريح بالقتل، ويعرفون تحركات جميع النشطاء، وأكثر من ذلك فهم يسيطرون على مفاصل الأجهزة الأمنية، ولا يستطيع أحد ردعهم”.

تحريض إيراني على قتل ريهام:

في أيلول/ سبتمر 2018، نشرت وكالة مهر الإيرانية للأنباء مادة بعنوان: دور القنصلية الأمريكية في البصرة في تحريك الشارع العراقي” جاء فيها: ” عكست أعمال الشغب التي سيطرت على تظاهرات مدينة البصرة العراقية وجود شبكة أميركية الصنع تستهدف مكانة إيران في المنطقة وتسعى إلى تقسيم الشرق الأوسط ولا سيما العراق، فوفقاً للمعطيات المتوفرة، إن الحرب الناعمة ضد الشعوب في الشرق الأوسط يديرها الآن السفير الأميركي في العراق “دوغلاس سيليمان”، الخطة نفسها التي وضعت من قبل وزير الخارجية الأميركية آنذاك “كولن باول” بقيمة 29 مليون دولار تحت اسم “خلق عمل أميركي للديموقراطية في العالم العربي” وذلك بهدف خلق أجواء في العراق ودول غرب آسيا تساعد على تقبل المشاريع الأميركية”.

وذكرت أن تيمي ديفيس القنصل الأميركي في البصرة “بدأ منذ وصوله إلى البصرة البحث عن أفراد مؤثرين اجتماعياً لإقامة علاقات معهم، وتنظيم شبكة على هذا الأساس، فكانت أهم مشاريع وكالة الاستخبارات الأميركية لـ”الإسلام المدني والديموقراطي؛ البحث عن شركاء ومصادر واستراتيجيات” الذي صدر عام 2004 عن مؤسسة “راند” الأميركية من قسم أبحاث الأمن القومي، وأهم خطوات هذا المشروع هو التعريف بأفراد علمانيين وإقامة اجتماعات معهم وفي النهاية تشكيل تنظيمات رسمية في المجتمع تنفذ بعدها مخططات ديفيس في البصرة وغيرها”.

وحرضت وكالة “مهر” على النشطاء بأسمائهم الواضحة وذكرت أنه “وفقاً للمعلومات المتوفرة على شبكة الانترنت فإن بعض الأشخاص مثل علي نجيم وهشام أحمد و ريهام يعقوب تم استقطابهم من قبل القنصلية الأميركية في البصرة، حيث بدأوا العمل على تشكيل شبكة واقعية لتنفيذ مصالح أميركا”.

البصرة تحت سطوة المليشيات:

سعد أحمد (اسم مستعار) وهو ناشط مدني وأحد الوجوه الشبابية التي تقود الحراك الشعبي في مدينة البصرة حدثنا عمّا سماها “نكبة البصرة” واتهم أحمد ميليشيات “كتائب حزب الله” العراقية الموالية لإيران بشن حملة متوحشة ضد النشطاء والشخصيات التي تريد الارتقاء بالمجتمع البصري.

يقول أحمد: “بات واضحاً لدينا أن الميليشيات وعلى رأسها كتائب حزب الله ستقتلنا جميعاً، لديهم قوائم بأسماء الشباب المؤثرين، وبدأوا تصفيتنا واحداً واحداً بدءاً من حسين المدني وزوجته سارة مروراً بأحمد عبد الصمد وصفاء غالي، واغتيال تحسين أسامة واغتيال ريهام لن يكون القتل الأخير الذي تمارسه الميليشيات الولائية ضد مجتمع البصرة”.

“البصرة مختطفة من قبل الميليشيات الموالية لإيران، وهذا ليس بالأمر الجديد، فقائد شرطة البصرة رشيد فليح متواطئ مع القتلة ويعرفهم جيداً لكنه يعرف جيداً أنه هو الآخر إن تجرأ على اتخاذ أي اجراء ستكون الرصاصة الآتية في رأسه الضخم”.

على خلفية الاغتيالات الأخيرة في مدينة البصرة، أقال رئيس الوزراء مصطفى الكاظمي قائد شرطة البصرة رشيد فليح وقيادات أمنية أخرى، وفي تغريدة له على “تويتر” اتهم الكاظمي بشكل واضح قائد الشرطة رشيد فليح بالتواطؤ مع من سمّاهم الخارجين على القانون.

* صحافي عراقي

المصدر: درج

التعليقات مغلقة.