الحرية أولاً , والديمقراطية غاية وطريق

في الدفاع عن القومية العربية ووحدة الأمة «1/4» *

د. جمال الأتاسي

   مقدمة:

الأمة العربية وجود والقومية العربية حركة فكر وحركة سياسية تنطلق من التأكيد على هذا الوجود للأمة العربية وتعطيها حركيتها، أي صيغتها أو صيغها الإجرائية في حياة المجتمعات والشعوب، وفي تشكيل تعبيراتها السياسية وقواها، وهي أطر للعمل والتعاون من أجل تحرر الأمة وإخراجها من واقع التجزئة والتابعية والتأخر، لتضعها على طريق وحدتها، وصولاً بها إلى أن تشكل كياناً سياسياً موحداً ولتنهض وتأخذ دورها بين الأمم.

وأنا في هذه المقالة لا أفلسف فكرة القومية العربية وقد كان ومازال لها فلاسفتها ومفكّروها، لا أبحث عن صياغة ايديولوجية جديدة، بل ولا أكتب تاريخها، وإنما أتابع حركتها صعوداً وهبوطاً، تقدماً وتراجعاً، وأحاول أن أستكشف مصاعبها وعثرات طريقها، وأستعرض أنماطاً ونماذج قامت وتقوم تعبيراً عنها، تطلعاً إلى استمراريتها كحركة وحركات من أجل وحدة الأمة، لكي تظلّ حافز حركة وتقدّم لشعوب الأمة، وحركة في مسار التاريخ، وأدافع عن مستقبلها في وجه المتنكرين لها والذين ينكرونها مؤكداً في الوقت ذاته قابليتها للتجدد والحياة، بل وإصراراً على ضرورتها والحاجة إليها في وجه الذين يدحضون وجودها وجدواها، فما زلت لا أرى طريقاً غيرها ليكون هناك معنى ومستقبلاً لوجودنا ووجود أمتنا.

والحديث عن خياراتنا المستقبلية على هذا الطريق، مازال بحاجة لمقدمات، واستخلاص تجارب وبحث عن مرتكزات، ونحن مازلنا في المقدمة، ولا أحسب أني سأصل في هذا الحديث إلى خاتمة أو نهاية. فما ولّى عصر القوميات ولا ولّت قوميتنا العربية أدبارها، كما يرى أو يريد لها آخرون، بل هي حياة وحيوية المجتمعات وهي تتجدّد وتترابط ببعضها وتتقدم، وحيوتها في قدرتها على استيعاب المتغيرات في العالم وأن تبقى في سباق مع الزمن.

وأسّتهل مقدمتي هذه بكلمات كتبها المفكّر الماركسي العروبي الراحل الياس مرقص، والذي نفتقد اليوم لمثل فكره النقدي المتعمق، حيث يقول في بحث له عن الستالينية والمسالة القومية، نشر عام 1962 في «الفكر السياسي»: «حقاً إن وجود الأمة العربية، ووجود الأمم بشكل عام حقيقة راسخة فوق التعاريف والنظريات، ولكن هذا لا يقلل في شيء من وجوب تعرية النظريات المعادية للقومية العربية وفضحها واستئصالها من الجذور …» ولكن الستالينية هي التي تمّت تعريتها في ديارها، وبقيت حقيقة الأمة، إذ إن الأمم والقوميات هي الأبقى.

وفي مجال الحوار حول المستقبل التاريخي للأمم والعلاقات بين الأمم (أو التجاوز نحو الأممية) كان الياس مرقص، يعود بي لمعطيات الماضي وما تقدّم من دلالة. ولقد ردد على مسمعي أكثر من مرة مقولات لكارل ماركس إبان قيام الوحدة الألمانية في القرن الماضي، كان يفنّد فيها المواقف التي اتخذها «التقدميون» الألمان من اشتراكيين وشيوعيين، من تلك الوحدة ومن السياسة التي انتهجها بسمارك لتحقيق تلك الوحدة، ويرد عليهم من حيث أنه، أي بسمارك، قد حقق خطوات كان لا بد منها، تعتبر إنجازاً بفتح الطريق للاشتراكية لإقامة علاقات أكثر تقدماً بين الأمم (أو أممية).

ومن هذه المنطلقات «الماركسية» قال مرقص في ردّه على التشويه الستاليني لمسألة الأمّة والقوميات في خاتمة دراسته النقدية للستالينية والمسألة القومية: «ليست الأمة مجرد إطار لطبقات متناحرة تجمعها رابطة اللغة والأرض والسوق الاقتصادية، إنما هي دافع حياتي أساسي للإنسان يعيشه كما يعيش واقعه الاجتماعي».

والواقع الحياتي هذا عشناه منذ تفتح وعينا على وجودنا الاجتماعي وعلى وجودنا في العالم، ولكنه لم يصبح وعياً قومياً وعروبياً فاعلاً، إلا عندما أخذ حركيته وأصبح حافزاً للحركة والنضال، وعندما أخذت فكرة الأمة العربية الواحدة، مجراها وصيغتها الإجرائية، وأصبحت سياسة وحركات سياسية، تعطي لحركة الاستقلال الوطني أفقها القومي، وتدفع لأن يقوم على الاستقلال دولة للأمة، وأن يوضع الاستقلال على طريق توحيد  أجزاء الأمة وعلى طريق مشروع نهوض حضاري للأمة.

وأنا ما استشهدت، وفي المقدمة، بهذا المفكّر الماركسي العروبي والعقلاني والمنفتح للتقدم، دفاعاً عن وحدة أمتنا العربية ووجودنا القومي، إلا لأدلّل على الإطار الأكثر إحاطة وأكثر تقدماً وتطلعاً للمستقبل، في حركة القومية العربية من حيث هي حركة تحرير وتوحيد وحركة نهوض بالأمة، فضلاً عن أن هذا النموذج للفكر العربي الوحدوي الذي أخذ به الياس مرقص في نقد «الماركسية الرسمية» أو التقليدية نظماً وأحزاباً، كان ديدنه أيضاً في نقد الفكر القومي التقليدي والأنظمة والحركات التي قامت باسمه لتتحوّل ضدّه، أي ضد وحدة الأمة، وأنا هنا إذ أضع تفكير الياس مرقص الماركسي في إطار الفكر القومي المجدد وإطار الحركة القومية الوحدوية، أذكر أنه في الواقع كان يفضّل أن ينفي هذا الوصف له بالقومي في حياته، كما كان يرفض أية مذهبة أو أدلجة، كان يدافع عن القومية العربية وفكرة الأمة ووحدتها، وكان يفضّل أن يوصف من حيث نهجه هذا بأنه «ناصري» إذ كان يرى في سياسة عبد الناصر العربية النهج الأكثر تقدماً والأكثر عقلانية وتطلعاً للمستقبل في حركة الوحدة أو التوحيد العربي.

هذا نموذج ومثال لما يمكن أن يحيط به الفكر القومي وأن تحيط به حركة القومية المتجددة من تيارات وقوى تلتقي في إطارها وتدفع بها على طريق الوحدة؛ وسأتابع، بعد هذه المقدمة، الحديث عن نماذج أخرى تعطي رصيداً وتؤدي دوراً، ونحن في هذه المرحلة، وبعد كل ما حل بأمتنا من نكسات، نريد أن نقف بها كلها في مواقع الدفاع عن وجودنا القومي وفي مواجهة كل الذين يريدون نفي هذا الوجود.

فالأفكار والجماعات الفكرية وكذلك الحركات والتحركات السياسية المعادية للقومية العربية والنافية لها، من داخل الأمة وخارجها، مستنفرة على أشدها منذ سنوات، ولقد بلغت ذروتها في حرب الخليج الثانية. وإذا كان عداء الغرب وقوى الهيمنة الإمبريالية في العالم، للقومية العربية ولوحدة أمتنا، ووقوفها ضدها، قد أخذ دوراً فاعلاً في حركة الأحداث، فإن الأدهى والأكثر مرارة هو ذلك العداء والنفي الذي يتحرّك من داخل الأمة، ومن نخب ثقافية وسياسية محسوبة عليه، وهذا ما أبرزته المواقف التي اتخذت عند «أزمة الخليج» واستمرت بعدها. وسنأتي على ذكر ما كان هناك من افتراق كامل في تلك الأزمة، في الموقف اللا قومي للحكام والنظم القطرية الحاكمة، وبين وقفة الشعوب «وإن غُلبت على أمرها»، في حقيقتها القومية. لقد عبّر عن ذلك أصدق تعبير الأستاذ انطون المقدسي في كتابه عن حرب الخليج واختراق الجسم العربي وهذا نموذج أيضاً في الدفاع … يقول المقدسي بهذا المعرض في كتابه: «… صار لواحد من أركان مجلس التعاون أن يعلن: لقد أثبتت حرب الخليج أن الأمة العربية أسطورة. بلى يا سيدي هذا ثابت قبل حرب الخليج وبعدها، ولكن لا حيلة لنا في هذا الأمر، فأنا من شعب يؤمن بالأساطير مثل ساطع الحصري وزكي الأرسوزي وقسطنطين زريق وغيرهم. والأسطورة هنا (كما في لسان أفلاطون) نقول وجودي، وجودك، وجودنا كلنا، لا وجود لنا سواه، شعباً واحداً، أمة واحدة…»

وعن هذا الوجود ندافع وعلى هذا الوجود نبني ونتقدم، وبحقيقتنا هذه نواجه من ينكرون علينا أو يتنكرون لهذا الوجود.

ففي حديث جرى عبر الهاتف لبرنامج إذاعي لمحطة لندن، كان تحت عنوان «نظرة بانورامية للقومية العربية في ماضيها وحاضرها ومستقبلها»، لأشهرٍ خلت بعد حرب الخليج الثانية، كان السؤال الأخير الذي طُرح عليّ من معدة البرنامج: «هل توافق على ما قاله متحدث عربي مؤخراً من أن حرب الخليج كانت المثوى الأخير للقومية العربية؟ أرجو التعليق مع نظرة للمستقبل». وألخص جوابي الذي جاء رداً بجملة واحدة (وقد نشر الحديث والتعقيب عليه في مجلة «المستقبل العربي» عام 1992): «هذا ما أريد له أن يكون، في تلك الحملة  التي دبرتها الإدارة الأميركية، وهي إذا ما كشفت تفكك الرابطة القومية والالتزام القومي لدى الأنظمة العربية والحكام، فتلك أزمة طرحت أيضاً، في المقابل، ضرورة الرد القومي والوحدة القومية كمخرج لا بديل عنه في مواجهة التحديات …» ولكن هذا الحديث الذي أدير مع أطراف عربية عدة قد جاء فيه، بالمقابل، «الرأي الآخر»، أي رأي الغرب ورأي بعض الأكاديميين الغربيين المعبرين عن الموقف الأميركي والغربي المضاد والنافي لطموحات الثورة العربية الوحدوية كما جسدتها حقبة النهوض الناصري، الذي أخذ يطلق أحكاماً قاطعة بأن حركة القومية العربية قد توقفت وانتهت منذ هزيمة حزيران، وأصبح على العرب أن يتخلوا عن أحلامهم القومية في وحدة عربية، ليتعاملوا مع العالم من حيث واقعهم كدويلات قطرية متفرقة على شاكلة غيرها من دويلات العالم الثالث الناشئة، وكان أبرز حاملي هذه الدعوة البرفسور الأميركي الجنسية فؤاد عجمي الذي أصدر عام 1967 (أي بعد هزيمة حزيران) كتاباً أسماه: «الورقة أو الوثيقة العربية»، عمِّم على جميع جامعات الغرب، ليصبح مرجعية لكل من يريد البحث في شؤون الشرق الأوسط. وتأكيداً على ما جاء في تلك «الورقة»، قال المعقّب الغربي: «إن الأوضاع العربية كما يراها العجمي لا ينفرد بها العرب وحدهم، ومن الخطأ أن يظن العرب أن مشاكلهم فريدة من نوعها … فالعالم العربي ليس إلا مجموعة من عشرين دولة في العالم الثالث، تواجه ذات المشاكل التي تواجهها حالياً دول أخرى في آسيا وأفريقيا وفي أقطار أوروبية شرقية وكأنه من وجهة النظر الأميركية هذه ليس لهذه الدول إلا أن تقف عند الحدود المرسومة لها». وأضاف الأكاديمي البريطاني قائلاً: «إن العرب يردّون مشاكلهم وإحباطاتهم إلى دور الاستعمار الفرنسي والاستعمار البريطاني والإمبريالية الأميركية، ولكن الواقع أن من أهم أسباب فشل الوحدة بينهم ما يعود إلى طبيعة الأنظمة العربية القائمة، فهم ببساطة لا يريدون الوحدة». وإذا صح هذا القول بعد كل ما آلت إليه أحوال أمتنا ومجتمعاتنا وشعوبنا، تحت وطأة أنظمتها القطرية السائدة، فإن هذا لا يمكن أن ينسينا الدور الخطير الذي قام به الاستعمار الفرنسي والاستعمار البريطاني، عندما جاءا من البداية، ومنذ أن ظهرت المبادرات الأولى لنهوضنا القومي وتطلّعات طلائع الأمة لوحدة عربية وتجميع شتاتنا القومي الذي كان، منذ أن أخذت تتفكك وتنحسر الامبراطورية العثمانية، جاءا ليفرضا هذه الأطر والحدود للتجزئة والتبعثر القومي، وليضعا كل ما بمقدورهما من عقبات على طريق اندماجنا القومي ووحدتنا. ولمكافحة قوميتنا العربية ومعارضة نهوضنا الوحدوي، ساعدا على قيام الكيان الصهيوني في فلسطين، كان ذلك نظام شرق أوسطي سطر بعد الحرب العالمية الأولى، حتى إذا تقدمت شعوب أمتنا على طريق الاستقلال، وكان لها نهوضها بل مقدمات ثورتها القومية الوحدوية في الخمسينات، وأخذت تلك الاختراقات «للنظام الشرق أوسطي» السالف الذكر تتفاقم، جددت الامبريالية الأميركية وحليفها الاستراتيجي الإسرائيلي في المنطقة حملاتهما ضد أي نهوض قومي وحدوي جديد للأمة، بدءاً من تكريس أطر التجزئة العربية من جديد، وإخضاع الأنظمة القائمة من خلال قطريتها للتابعية، ولتضعها على طريق نظام شرق أوسطي جديد، لتذويب وجود الأمة في شرق أوسطية اقتصادية، لا تلغي التجزئة والحدود، وإنما تفتحها بحيث لا يعود هناك أوطان ولا وطنية ولا قوميات بل ولا شعوب …

ونحن بهذا الموقف لا نريد تبرير قصوراتنا وتقصيرنا بإلقاء كل التبعات على الآخر، على العدو الخارجي، فالعلّة أصلاً كانت في تأخرنا وتأخر مجتمعاتنا وفي تبعثرنا القومي، والعلة الكأداء اليوم، هي في أنظمتنا القطرية التي أصبحت نافية للتقدم ونافية لوحدة الأمة منذ أن أصبحت نافية لحرية شعوبها وللاندماج القومي لمجتمعاتها.

وتحت هذا النفي المضاعف من الخارج ومن داخل الأنظمة، ما من مخرج، إلا أن نجدد خطابنا القومي ونؤكده.

حديث وأحاديث عن الوحدة ودور الأمة:

قبل عامين، ألقيت محاضرة في المنتدى الثقافي العربي في عمان، كان عنوانها «حديث عن الوحدة في زمن السقوط والردة». أما زمن السقوط الذي عنيت، فهو تلك الحقبة من الزمن الممتدة منذ منتصف السبعينات حتى يومنا هذا، والتي جاءت في أعقاب «حرب تشرين» التي كادت أن تكون مجيدة، وكادت أن تكون تعبيراً عن وحدة الأمة وتضامن قواها في مواجهة الشدائد، لولا أنها أوقفت دون تحقيق أهدافها، والّتوت بها القيادة الساداتية، لتضعها على طريق الاستسلام أمام النفوذ الأميركي وما ترسم السياسية الأميركية للمنطقة العربية وما حولها، ولتخرج بمصر عن دورها الرائد كدولة قومية للأمة، لكل الأمة العربية، وكمرتكز لتجمّع قوى الأمة ونهوضها على طريق تحررها ووحدتها، وتضعها في مسار كامب دافيد وأول انفراد وتسوية منفردة ومصالحة لدولة عربية مع العدو الإسرائيلي. فالارتداد كان ارتداداً عن النهج الثوري لحركة القومية العربية كما جسدته ونهضت به ثورة مصر الناصرية، وكان ارتداداً بمصر إلى مواقع القطرية والتابعية. هكذا فقدت الثورة العربية كثورة قومية تحرّرية وحدوية، المرتكز الأول لتجمّع قواها، المرتكز الذي كان يعطي القدوة … وبعد سقوط الثورة القومية في مصر، توالت حلقات السقوط في بقية المواقع العربية، في وقت صعدت فيه نظم النفط وثروات أهل النفط إلى موقع الصدارة والزعامة، لتعطي أمام العالم تلك الصورة السيئة للتأخر العربي، وكأن النفط وثروات النفط أصبحت التعبير الوحيد عن وجود أمتنا وقوتها بينما أخذت الأنظمة العربية ترتد أكثر فأكثر عن مواقف القومية العربية وثورة الشعوب، إلى مواقعها القطرية، إلى التابعية وإلى سحق طموحات شعوبها، وتفتيت مجتمعاتها والارتداد بها عن مواقع الاندماج القومي التي كانت قد تقدمت إليها في الحقبة السابقة.

هذا ما عنيته بزمن السقوط والردة، والذي مازالت حلقاته تتوالى والتي وصلت بأمتنا إلى تلك السقطة الكبرى في حرب الخليج، وإلى تصدع، لم يمس فقط جبهة صمودنا في وجه أعداء أمتنا، وصولاً إلى هذه المسيرة الاستسلامية نحو النظام الشرق أوسطي الذي يلغي وجودنا ومستقبلنا كقومية وأمة، بل كل ما آل إليه العديد من المواقع العربية من تصدعات داخلية وحروب أهلية وطائفية…

أما حديث الوحدة، والذي كان منطلقه المبدئي (ومازال) أن لا رد ينهض بأمتنا وشعوبنا العربية وقوانا إلى مستوى المخاطر والتحديات، إلا الرد القومي الوحدوي، وإلا موقفاً موحداً وكلمة واحدة تقولها الأمة، وكان الحديث دعوة لوصل ما انقطع من مسار نهوض الأمة، واستنهاض لتحرك وحدوي، قد تعدد صيغه ثم تتكامل، من مواقع عربية متعددة. وكان حديثي تبشيراً، أو بالأحرى دعوة لمشروع وحدة كونفيدرالية بين أقطار المشرق العربي، ترفع الحواجز والحدود بين شعوبها وتشدّها إلى بعضها في وجه أعداء الأمة ومشاريعهم في الهيمنة على المنطقة، وتضع الأنظمة في مواقف موحدة وسياسات واحدة، في مواجهة الضغوط والتسويات الزاحفة. كان ذلك مشروعاً تلاقت عليه مجموعة من أعضاء «المؤتمر القومي العربي» وطرحته على الرأي العام وعلى أصحاب القرار في أقطار المشرق، وكنا نتلمس سبيلاً لتحريض تحرك قومي ضاغط على الأنظمة المنخرطة في مسارات التسوية، لنشدها إلى مرجعيتها القومية، ولكن حركة السقوط والتسويات المنفردة، والموثقة أميركياً، كانت هي الأسبق. وبدلاً من أن يأتي نهوض قومي من موقع من المواقع العربية ليقطع طريقها ويوقفها عند حد، جاءت بدورها لتعترض السبيل، وتضع أمام الأمة والتحرك باسم قضية الأمة ومصلحة الأمة الواحدة، عثرات جديدة وبدوّنا وكأن صوتنا أصبح صوتاً نشازاً، وكأننا في دعوتنا وحركتنا من زمن غير هذا الزمن، أو كأننا نخاطب شعوب أمة غابت، وما غيبها أعداؤها والمشاريع المعادية بمقدار ما غيبها وغيب عنفوانها وآمالها حكامها وتسلطية فئاتها الحاكمة وتفريغ الشعارات التي رفعتها أهدافاً لنضالها، من كل مضامينها ومصداقيتها.

كان حديثاً عن الوحدة العربية وتأكيداً على ضرورتها ودفاعاً عن مشروع وحدة، ستكون لنا إليه عودة. واليوم من جديد، وبعد كل ما وقع من تراجع لصالح المشاريع المعادية وبعد كل ما تغير، فإن حديث الوحدة العربية يظل حديثنا. فمازال ردنا على ما يتغير ويجري: استنهاض تحركات شعبية وروابط ومشاريع وحدوية وفكرتنا القومية ليست فكرة لحقبة تاريخية مضت، أو شعارات ومبادئ لحركات وقوى سياسية تخلت أو فشلت واضمحلت، بل تظل الرد التاريخي والحضاري، والرد الإنساني كمشروع نهوض لا بديل عنه في مواجهة ما يدبر ضد وجودنا وضد أمتنا، ويظل حافز حركة وتقدم وحافز ثورة شعوب أمة. إنها ليست من الماضي الذي انقضى، بل هي المستقبل وهي في تحركنا نحو هذا المستقبل.

فأنا لا أرى من مستقبل سياسي حضاري لأمتنا، ولا أرى مستقبل الإنسانية والعلاقات بين الشعوب والدول، إلا من خلال نهوض قومي وحدوي جديد لأمتنا العربية، أي من خلال تجديد ذلك المسار الذي انقطع قبل أن يبلغ أهدافه، لثورتنا القومية العربية كثورة ديمقراطية وحدوية، كثورة تحرير وتقدم، كثورة استقلال وطني وقومي، ثورة تحديث لمجتمعاتنا وإطلاق لمبادرات شعوبنا، وثورة تنمية شاملة ومتكاملة ومستقلة، على الصعيد القومي، عن التابعية والتعامل غير المتكافئ، ولا أتطلع لمستقبل للعالم ولنا في هذا العالم، إلا من خلال حضورنا كأمة عربية موحدة وناهضة على الساحة الدولية، وككتلة سياسية واقتصادية قائمة بذاتها ومتعاملة مع غيرها ومتكافئة، وليكون لهذه الأمة دورها في توازن العالم والنظام العالمي وليكون العالم أكثر إنسانية وعدلاً.

وإذ يكثر الحديث اليوم عن التقدم الهائل للعلوم والمعرفة في العالم وعن الثورة الصناعية الثالثة، وعن هذا العالم الذي تتقارب المسافات فيه والاتصالات ليصبح أشبه ما يكون بقرية صغيرة في هذا الكون بفضل ثورة التقنية والمعلوماتية والاتصالات والمواصلات، فما من بديل لنا كعرب عن أن تقوم لنا عمارتنا الخاصة فيه، كعمارة عربية الثقافة والهوية، بل وكعمارة عربية – إسلامية مجددة، وليكون هناك تواصل بين أرجاء هذه المعمورة والعمران، وأن يعود ويتأسس على الحداثة والمعرفة والعقلانية، عمراننا الاجتماعي والمدني والسياسي.

وإذا كان امتلاك التقنية أو التكنولوجيا المتقدمة، أصبح مقوماً أساسياً من مقومات تحديث الدول والمجتمعات ووسائل التنمية والانتاج، وسبيلاً لبناء القوة وإثراء مختلف نواحي الحياة البشرية، أي إذا أصبحت ضرورة من ضرورات بناء التقدم، فإنها تبقى شيئاً خارجاً عنا ولا يؤسس القوة والتقدم عندنا، ما لم نتحكم بأيدينا وعقولنا ونستنبته في أرضنا. وهذا الاستنبات والتحديث، لا يقوم ولا يؤتي ثماره ما لم نتقدم إليه وبه من خلال بناء الحداثة والتقدم في مجتمعاتنا، في مناخ من الحرية والديمقراطية ومن خلال تعميم روح المواطنة وروح الانتماء للأمة، وتعزيز أواصر الوحدة الوطنية في المجتمع من خلال التطلع القومي للأمة ووحدة الأمة وسلامة الأمة والمصير المشترك. فإذا كان التقدم التقني والعلمي معياراً، فإن التقدم باستقلالية الأمة وحرية شعوبها وحركة شعوبها، هو معيار أساسي أيضاً لتقدمنا ونهوضنا، إن لم نقدم على الأول، فالأولى أن يكون قريناً له، ولا يلتقي القرينان ويأتي التقدم الحقيقي والنهوض، ما لم يبدأ النهوض من القاعدة. وما لم تمتلك مجتمعاتنا المدنية وشعوبنا والطلائع الثقافية لهذه الشعوب حريتها وإرادتها القومية الحرة ، فإن القوى المعادية لأمتنا وكل القوى الطامعة في السيطرة على ثرواتنا ومواقفنا الاستراتيجية وأسواقنا، يعملون في آن واحد على قطع أي سبيل للتقدم على طريق وحدتنا العربية، وكذلك على قطع أسباب امتلاكنا لقاعدة صناعية وتكنولوجية متقدمة، أي يحولون بيننا وبين امتلاك ما كان يسميه عبد الناصر «قوة الوحدة ووحدة القوة» والنهوض العلمي والتقني إلى مستوى العصر. لهذا قامت وتعمل إسرائيل، ولهذا تعمل من فوقها وبكل إصرار الولايات المتحدة الأميركية وكل ما يصب في اتجاههما هذا من قوى خارجية وداخلية، بينما تتكفل أنظمة الإقطاع السياسي والفئوي لدولنا القطرية وأنظمة الاستبداد السلطاني الشرقي الصاعدة، على تكبيلنا من داخلنا وعلى قسر حركة شعوبنا وإخضاع وتفكيك مجتمعاتنا وقوانا الاجتماعية العاملة، قاطعة الطريق أمام اندماجها الوطني والقومي، وأمام تحديث بناها الاجتماعية وقواها الاجتماعية المنتجة، لترتدّ بقطاعات واسعة منها إلى عصبياتها وتشكلاتها المحلّية والعشائرية والطائفية، أي ما قبل القومية.

أو لم يكن من الأهداف المعلنة للقيادة الأميركية حين شنت حرب «عاصفة الصحراء» ضد العراق، تدمير ما امتلك العراق من قدرات قتالية وأسلحة متطورة بل وأن تدمر كل ما يمتلك من قاعدة صناعية وتكنولوجية واعدة؟ أما قالوا بإعادة العراق والشعب العربي في العراق إلى العصر الحجري؟ … وبهذا المنحى يظلّ الضغط والرقابة والحصار على العراق، بل وليس على العراق وحده، إذ إن هناك حملة منظمة وحصار ضد كل الأقطار العربية بهذا المنحى، وباسم تخليصها من أسلحة الدمار الشامل وإمكانية صنعه، وباعتراض كل السبل التي تمكننا من الوصول إلى قاعدة صناعية وتقنية متطورة، إنما تسعى ليس فقط لأن تبقينا في موقع المتخلف والعاجز عن الدفاع عن النفس أو الصمود أمام التهديد الذري الإسرائيلي أو تهديد القوة الأميركية ’’الخارقة‘‘، بل ولتبقينا في مواقع العجز عن امتلاك وسائل استقلالنا الاقتصادي وتنميتنا الاقتصادية المستقلة، ولتبقينا على التابعية ولتحولنا إلى مجتمعات استهلاكية وأسواق مفتوحة لبضائعها، ولتبقي، ضمن هذه المعطيات كلها، على تبعثرنا القومي الذي كان، وعلى التأخر والتجزئة والتخلف داخل مجتمعاتنا وعلاقاتنا الاجتماعية، فلا يكسوها إلاّ من فوق غلالة غير رقيقة من تحديث  السلطات وأدوات سيطرتها وقمعها لمجتمعاتها، وكذلك من تحديث وسائل جني الثروة وإمكانيات الطبقة الجديدة السائدة والمسيطرة على الحكم في نهب نتاج جهود مجتمعاتها وشعوبها.

|||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||

* جاء هذا البحث  للدكتور جمال أتاسي في كتاب ” المسألة القومية على مشارف الألف الثالثة – دراسات مهداة إلى أنطون مقدسي ” شارك به عدد من المفكرين مثل غسان سلامة وجورج ناصيف وصادق جلال العظم وأنطون مقدسي، وغيرهم، وبإشراف بطرس الحلاق.

صدر الكتاب عن دار النهار للنشر في بيروت ــــــ الطبعة الأولى نيسان 1998.

مراجعة د. سراب أتاسي

مراجعة ثانية ونهائية محمد عمر كرداس